الدرس في كتاب الصلاة 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع حديث الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال بعد التشهد الأخير، مبيناً خلاف العلماء بين الوجوب والاستحباب. ذهب الظاهرية وابن حزم وطاوس إلى الوجوب وبطلان الصلاة بتركها عمداً، بينما حمل الجمهور الأمر على الندب مع شرح معاني الفتنة في الحياة والممات.
يفسر المقطع طبيعة الفتنة في القبر بأنها سؤال وامتحان، ويناقش تسمية المسيح الدجال وعيسى بن مريم موضحاً أن التعليل يتوقف على الوحي. ثم ينتقل لذكر دعاء أبي بكر الصديق في الصلاة (اللهم إني ظلمت نفسي...) مع تحليل ألفاظه ومعاني التوحيد والمغفرة.
يبيّن المقطع أن الدعاء في الصلاة مشروع مطلقاً، وأفضل مواضعه بعد التشهد والصلاة على النبي والاستعاذة مستدلاً بقوله ﷺ: «فليتخير من الدعاء ما شاء». كما يوضح التوسل بأسماء الله وصفاتها المناسبة للمطلوب، ويذكر أدعية مأثورة عن الصحابة مع تنبيه على ضعف بعض أسانيدها.
يجوز للإنسان أن يدعو في ذلك المكان بأي لفظ شاء سواء كان مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم أو غير مأثور. لكن الأفضل والأكمل أن يدعو بالأدعية الثابتة عن النبي لأنها شاملة وجامعة.
صلى الله عليه وآله وسلم: إذا تشهد أحدكم فليستعد بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. اتفقوا عليه، وفي رواية لمسلم: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير. قالوا: عن أبي هريرة، قال الشارع صلعاني رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا تشهد أحدكم... قال: مطلق في التشهد الأوسط والأخير، لكن أكثر العلماء على أنه في الأخير لأنه مكان الدعاء، وإلا لم يثبت أنه جاء في هذا الحديث أنه بعد الأخير أو في التشهد الأخير. لكن قد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في صلاته ليستعيد من هذه الأربع. قال: فليستعد بالله من أربع، تبينها بقوله: يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا أو الممات، ومن فتنة المسيح الدجال. اتفقوا عليه، وكما قال الإمام النووي رحمه الله نقلاً عن القاضي عياض: أن في أكثر نسخ مسلم «فتنة المسيح الدجال» بالحاء وليس بالخاء، ووجدت في بعض النسخ بالخاء: «فتنة المسيح الدجال»، لكن إما أن يكون على لغة أو أنها خطأ. وإلا كما قال القاضي عياض: أكثر النسخ التي عندنا أي في المشرق، وكذلك ذكر النووي أنها بالحاء: «ومن فتنة المسيح الدجال». قال: في رواية لمسلم: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، وعلى صرح أنه الأخير. هذه رواية قيدت إطلاق الأولى وأبانت أن الاستعاذة المأمور بها بعد التشهد الأخير، ويدل التعقيب بالفاء أنها تكون قبل الدعاء المخصصة ويغير فيه بما شاء، لأنه جاء بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب. قال: والحديث دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر، وهو مذهب الظاهرية، وقال ابن حزم منهم: ويجب أيضا في التشهد الأول، عملاً بإطلاق اللفظ المتفق عليه. وأمر طاوس ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعد فيها، فإنه يقول بالوجوب وبطلان الصلاة من تركها. والجمهور حملوه على الندب. جاء عن طاوس أنه أمر ابنه بإعادة الصلاة لأنه لم يذكره، وهذا يدل على أنه يرى وجوب ذلك، وأن من تركه بطلت صلاته، وهو أيضا مذهب الظاهرية لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به: فليستعد بالله من أربع. وهذا هو الصحيح لأن الأمر به يدل على ذلك، وليس أنه ركن، وإنما هو واجب. والواجب كما قد ذكرنا عند الحنابلة -المشهور مذهب الحنابلة- أنه إذا تركه عمداً بطلت صلاة، وإن تركه سهواً لا تبطل. وفي رواية لأحمد أيضا وهي قول إسحاق: أنه لا تبطل الصلاة بترك الواجب أو فعل المحرم. قالوا: فيه دلالة على ثبوت عذاب القبر. والمراد من فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت، أنه يفتن بما يكون فيه ضلالته، وما جاء في الحديث: حتى إذا لم يكن بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. قال: وقيل هي الابتلاء مع عدم الصبر، وهي الفتنة. قالوا: فتنة الممات، قيل المراد بها الفتنة عند الموت وضيفة لي لقربها منه، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقيل المراد بها السؤال مع الحيرة، أنا سؤال في القبر. وقد أخرج البخاري: «إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال». ولا يكون هذا تكرارا لعذاب القبر لأن عذاب القبر متفرع على ذلك، والفتنة في القبر هو السؤال. لكن هنا الظاهر أراد شيئاً آخر غير السؤال، لكن الفتنة التي جاءت في الحديث في القبر هي السؤال، فعني تسألون أو قال: وعني تفتنون، أو قال: وعني تسألون، وبه تفتنون، أن السؤال هو فتنة يفتن العبد بالسؤال، فإن أجاب فقد نجا، وإلا أخذه العذاب الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: لا يكون هذا تكرارا لعذاب القبر لأن عذاب القبر متفرع على ذلك. وقول: فتنة المسيح الدجال، قال العلماء أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار، وقد يطلق على القتل والإحراق والفتنة وغير ذلك. فعن هذه الفتنة فالفتنة هو الابتلاء والاختبار والامتحان، فقد يكون هذا الفتنة بأمر العذاب أو ابتلاء، وقد يكون أيضا هذه الفتنة ابتلاء بالنعم أيضا، الابتلاء بالنعم فتنة، لأن الدنيا تعتبر من النعم، الأموال تعتبر من النعم، فقد يفتن بها العبد. قالوا: غير ذلك. والمسيح بفتح الميم وتخفيف السين المهملة وآخره هاء مهملة، وفيه ضبط آخر، يعني ضبط آخر، الله أعلم هل أراد أنه مسألة الخاء هذه أو غير ذلك. قالوا: هذا الاسم أطلق على الدجال وعلى عيسى، ولكن إذا أريد به الدجال قيد باسمه، سُمّي المسيح الدجال، وسُمّي المسيح لمسحه الأرض، وقيل لأنه ممسوح العين. وأما عيسى فقيل له المسيح لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل لأن زكريا مسحه، وقيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ. وذكر صاحب القاموس أنه جمع في وجه تسميته بذلك خمسين قولاً. لأن تعليل اسم المسيح لم يأت في الكتاب والسنة، أنا ما جاء شيء صريح لماذا سمي المسيح عيسى بن مريم. فالدجال قد يقال له مسيح لأنه يمسح الأرض ويمشي في كل مكان، أو أنه ممسوح العين. لكن المسيح عيسى بن مريم لماذا سمي مسيح؟ ذكرت أقوال منها هذه التي ذكرها المؤلف، لكن ليس فيها دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذه الأشياء غالبا تكون بالوحي، تكون بالوحي، وأما ما ينقله بنو إسرائيل فهذا لا يعتمد عليه، ممكن يعتمد عليه في القصص فقط أنه يقص، أما اعتماده كحكم أو معنى أو تفسير شيء من هذه الأمور فهذا لا يعتمد عليه. فهذا الحديث كما قلنا فيه هذه الاستعاذة من الأربع، وجاء أيضا: «وأعوذ بك من المأثم والمغرم»، وأعود بك أيضا أشياء ذكرها في هذا الحديث في صحيح مسلم جاءت زيادات، لكن الذي جاء في حديث أبي هريرة وحديث عائشة هذه الأربع. فإذا كان أراد أن يدعو بعد هذه الأربع يدعو، يذكر فيها المأثم والمغرم، يذكر فيها غيره مما ذكر في الروايات، ويأتي أيضا بالذكر هذا الذي جاء عن الصديق كما سيأتي بعد الحديث الذي بعد. ففي هذا المكان مكان دعاء. قال: وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: علمني دعاء أدعو به في الصلاة. قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم. سوف أقف عليه. قال: وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، يروى بالمثلثة وبالموحدة: «كثيراً» و«كبيراً»، فيخير الداعي بين اللفظين ولا يجمع بينهما لأنه لم يرد إلا أحدهما، لكن أكثر روايات بأثاء «كثيراً». ولا يغفر الذنوب إلا أنت: إقرارا بالوحدانية، إقرارا بالوحدانية، كيف إقرارا بالوحدانية؟ لا يغفر الذنوب إلا أنت، أي لا أحد يغفر الذنوب إلا الله، والمراد إقرارا بالوحدانية أي وحدانية مغفرته للذنوب، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: فاغفر لي: استجلاب للمغفرة. مغفرة: نكرها للتعظيم، أي مغفرة عظيمة، وزادها تعظيماً يوصفها بقول: من عندك. أنا مغفرة من عند الله، نكرها للتعظيم، أي مغفرة عظيمة، وزادها تعظيماً يوصفها بقول: من عندك، لأن ما يكون من عنده تعالى لا تحيط بوصفه عبارة. قال: وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم: توسل إلى نيل مغفرة الله جل وعلا ورحمته بصفتي غفرانه ورحمته. هذا دعاء المسألة، أن يتوسل بمغفرة ورحمته، أو يتوسل بأنه غفور وأنه رحيم، توسل بذلك لأجل أن يغفر الذنب: ارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم. طيب. قال: الحديث دليل على شرعية الدعاء في الصلاة على الإطلاق من غير تعيين محل له، يعني: أدعو به في صلاة، لم يقيد مكان معين. قالوا: من محلاته بعد التشهد والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم والاستعاذة، لقول: فليتخير من الدعاء ما شاء، ولأن ذلك جاء بعد التشهد، أنا لما قال: فليتخير من الدعاء ما شاء، فلهذا جعل العلماء هذا المكان أي بعد التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جعلوه مكاناً للدعاء. قوله: وقال: وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، توسل إلى نيل المغفرة الله ورحمته بالصفتي غفراني ورحمته. قال: الحديث دليل على شرعية الدعاء في الصلاة على الإطلاق من غير تعيين محله، ومن محلاته بعد التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة، لقوله: فليتخير من الدعاء بما شاء. والإقرار بظلم نفسه: فاعتراف بأنه لا يخلو أحد البشر عن ظلم نفسه بارتكابه ما نهى عنه أو تقصيره عن أداء ما أمر به. قالوا: في التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند طلب الحاجات واستدفاع المكرهات، وأنه يأتي من صفاته، وأنه يأتي من صفاته في كل مقام ما يناسبه، كلفظ الغفور الرحيم عند طلب المغفرة ونحو ذلك. وعنى يأتي بأسماء الله عز وجل المناسبة لذلك. أصلاً يريد أن يدعو على ناس ظلمه فيقول: يا جبار انتقم لي، ويا قوي، يا عزيز، وغيرها. معنى يأتي بالاسم المناسب للطلب. قال: في توسل إلى الله تعالى بأسمائه عند طلب الحاجات واستدفاع المكرهات، وأنه يأتي من صفاته في كل مقام ما يناسبه، كلفظ الغفور الرحيم عند طلب المغفرة، ونحو: «وارزقنا وأنت خير الرازقين» عند طلب الرزق. والقرآن والحديث النبوي مملوء بذلك. ومعنى يأتي بالاسم المناسب للدعاء. قالوا: في الحديث دليل على طلب التعليم من العالم، سيما في الدعوات، المطلوب فيها جوامع الكلم. وعلم أنه قد ورد في الدعاء بعد التشهد ألفاظا غير ما ذكر. أخرج النسائي عن جابر أنه كان يقول في صلاة بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد. الظاهر هذه الرواية جاءت مطلقة، وإلا هذا الحديث هو في مسلم في الخطب، ليس تشهد الخطبة وليس تشهد الصلاة، كان الحديث في صحيح مسلم حديث جابر في تشهد الخطبة. قال: وخرج أبو داود عن ابن مسعود أنه كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم من الدعاء بعد التشهد: اللهم ألف على الخير بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها، وأتمها علينا. قال: أخرج أبو داود، لكن في إسناده ضعف. وأخرج أبو داود أيضا عن بعض صحابة أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار. أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال صلى الله عليه وسلم: حولها، أو حول ذلك ندند أنا ومعاذ. قال: فعليه أنه يدعو الإنسان بأي لفظ شاء من مأثور وغيره، أنا في ذلك المكان يدعو بما شاء، سواء كان مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم أي جاء وثبت، أو أنه لم يثبت. والصحيح والأفضل أنه يدعو بما ثبت، لأن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم أدعية شاملة وكاملة وجامعة.