الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 29، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يوضح المقطع أن اسم الله "الحكيم" تكرر في القرآن نحو مئة مرة، ويدل على ثبوت كمال الحكم والحكمة لله في خلقه وأمره وشرعه. فخلقه للإنس والجن والسماوات والأرض كلها لحكمة عظيمة، وكذلك أوامره ونواهيه وشرائعه قائمة على حكمة قد نعلمها أو تخفى علينا.
يبيّن المقطع أن أوامر الله وأفعاله كلها قائمة على الحكمة، وأن الحكم والتشريع حق خالص لله لا شريك فيه، ولا راد لقضائه. ويؤكد وجوب تسليم العبد وانقياده لحكم الله، محذرًا من الاعتراض عليه لما فيه من خطر الكفر.
يبيّن المقطع أن استجابة المؤمن لحكم الله ورسوله هي السمع والطاعة، وأن ثبوت الحكم لله يستلزم ثبوت صفات الكمال كالعلم والسمع والبصر. كما يوضح أن اسم الله "الحكيم" يدل على اتصافه بالحكمة في أفعاله، ويرد على المعتزلة والأشاعرة الذين ينفون الحكمة ويجوزون تعذيب المؤمن ودخول الكافر الجنة بلا حكمة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: اسم الله الحكيم. قال: وقد ورد اسم الله الحكيم في القرآن الكريم ما يقرب من مئة مرة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال: وهذا الاسم العظيم دال على ثبوت كمال الحكم لله، وكمال الحكمة. فأما كمال الحكمة: ففي ثبوت الحكمة له سبحانه في خلقه، وفي أمره وشرعه، حيث يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال. فاسم الله الحكيم يدل على اتصافه جل وعلا بصفة الحكمة، وهي أن أفعاله وأوامره وخلقه لا تخلو من حكم. فخلقه جل وعلا لحكمة: خلق الإنس والجن لحكمة عظيمة، وهي عبادته، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. خلق الله جل وعلا السماوات والأرض لحكمة عظيمة، وابتلاء العباد، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. وهكذا في سائر خلقه سبحانه وتعالى، فإنه لا يخلو من حكم عظيمة. وكذلك أيضًا في أمره وشرعه: فلا يأمر الله عز وجل بأمر إلا لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة، ولا يشرع جل وعلا شيئًا إلا لحكمة. فجميع الأوامر قائمة على حكمة عظيمة، قد نعلمها وقد تخفى علينا حكمتها. وكل ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه فقد نهى عنه لحكمة، كذلك قد نعلمها وقد تخفى علينا. فلا تخلو أوامر الله سبحانه وتعالى وأفعاله من حكمة. قالوا: أما كمال الحكم، فبثبوت أن الحكم لله وحده، يحكم بين عباده بما يشاء، ويقضي فيهم بما يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه. أيضًا يستفاد من اسم الله الحكيم اتصاف الله جل وعلا بالحكم، وأنه هو الحاكم جل وعلا بين عباده، فلا راد لحكمه، ولا معقب لأمره سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. وليس لأحد أن يراجع الله في حكمه كما يراجع الناس بعضهم بعضًا في أحكامهم. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. الإنسان إذا حكم بحكم قد يراجع: "لماذا حكمت بكذا؟ ليش ما تحكم بكذا؟ ليش ما تحكم بحكم آخر؟". لكن الله عز وجل لا معقب لحكمه، ما أحد من القائل يقول: "يا رب، لماذا حكمت بهذا الحكم؟ لماذا لم تحكم بحكم آخر؟". الواجب على العباد التسليم والانقياد والطاعة. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. فليس للإنسان إلا أن يستجيب وأن يقاد لأمر الله، لأن الحكم لله، لأن الحكم لله. فالله عز وجل يحكم بما شاء، فالعبد ليس له اعتراض على حكم الله سبحانه وتعالى. وإذا اعترض على حكم الله قد يقع ذلك في الكفر، عياذًا بالله، لأن الواجب على المسلم الانقياد والتسليم. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. هذا حال المؤمن: الاستجابة والطاعة والانقياد. قال: وثبوت الحكم له. قال: فحكمه في خلقه نافذ، لا راد له. وثبوت الحكم له سبحانه يتضمن ثبوت جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا، وهذا على سبيل الإلزام. فإذا كان الله عز وجل متصفًا بالحكم، وأنه هو الحاكم على عباده، يلزم من ذلك أن يكون متصفًا بصفات الكمال، أن يكون متصفًا بصفات الكمال. قال: لأنه لا يكون حاكمًا إلا سميعًا بصيرًا عليمًا خبيرًا متكلمًا مدبرًا، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات. وهذا كما يسمي العلماء إثبات الصفات بدلالة الالتزام، بدلالة الالتزام. والمقصود أن الله عز وجل سمى نفسه بالحكيم، واسم الله جل وعلا الحكيم يدل على اتصافه بصفتين: الصفة الأولى: صفة الحكمة، وأن أفعال الله لا تخلو من حكمة. وأهل السنة والجماعة يثبتون الحكمة لله سبحانه وتعالى، خلافًا لأهل الأهواء من المعتزلة والأشاعرة، فإنهم ينفون عن الله جل وعلا صفة الحكمة. ولهذا يقولون: يجوز أن الله عز وجل يعذب المؤمن فيدخله النار، ويدخل الكافر الجنة. يجوز أن الله يعذب المؤمن فيدخله النار، ويدخل الكافر الجنة. لماذا؟ قالوا: لأن أفعال الله ليس لها حكمة، أن أفعال الله ليس لها حكمة. وهذا لا شك أن قولًا باطلًا، معارضًا ومناقضًا لأدلة الكتاب والسنة. والصفة الثانية: صفة الحكم، أن الله عز وجل متصف بالحكم، فهو الحاكم جل وعلا على عباده، أن الحكم له سبحانه وتعالى، وأن العباد منقادون لحكم الله، وكذلك خاضعون لأوامر الله سبحانه وتعالى. طيب، اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.