الدرس في كتاب الزكاة 3، الدرس الثالث : من : ( أنه لا ينتقل من دعوة إلى أخرى ... ولا يختص بهم الحكم قطعاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام الزكاة وجمعها وتوزيعها، مشيرًا إلى أهمية ترتيب أمور الدعوة وعدم الانتقال من خصلة إلى أخرى إلا بعد قبول الأولى، وأنه لا يحل للساعي أن يأخذ من الجيد العالي بل يأخذ الوسط إلا إذا سمح بذلك رب المال. كما يشير إلى مشروعية إرسال السعاة لجمع الزكاة وأنه يبرأ الذمة بدفعها للإمام أو سعاة حتى وإن كانوا ظلمة.
يتناول هذا الفصل أحكام زكاة الفطر وإخراجها، ويشرح جواز إخراجها طعامًا أو مالًا، ويبين إمكانية إعادة إخراجها إذا لم يكن المخرج طعامًا، كما يتطرق إلى جواز صرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية.
يتناول هذا الفصل مسألة جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، مستدلاً بأدلة من السنة النبوية وآراء العلماء، ويشير إلى أن الصحيح هو جواز النقل عند وجود مصلحة أو حاجة، مثل وجود أقارب فقراء في بلد آخر أو إعانة على جهاد أو علم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشارح -رحمه الله تعالى-: ثامنًا، أي من فوائد هذا الحديث، قال: أنه لا ينتقل من دعوة إلى أخرى حتى يطاع بالأولى. والمراد بذلك أنه لا ينتقل من خصلة إلى خصلة يدعو إليها إلا بعد أن يحصل قبول الأولى. وفيه، كما مر معنا، ترتيب أمور الدعوة الأهم فالأهم، ولأن بعضها ينبني على بعض، فالصلاة والزكاة تبنيان على التوحيد، والزكاة تبنى على الصلاة. فتارك الصلاة كافر بنص القرآن، أو بمعنى لفظ القرآن ونص السنة. قال -رحمه الله تعالى-: عاشرًا، أنه لا يحل للساعي أن يأخذ من الجيد العالي، بل يأخذ الوسط. تاسعًا، قال: أن الزكاة مواساة؛ لأنها تؤخذ من الأغنياء لتعطى الفقراء، وهذا ظاهر، تؤخذ من أغنياء فترد إلى فقراء. قال عاشرًا: أنه لا يحل للساعي أن يأخذ من الجيد العالي، بل يأخذ الوسط، إلا إذا سمح بذلك رب المال بلا حياء ولا إكراه، فالحق له، وقد بدله -يعني من عنده تسامح-. وأما أن يحرجه أو يلح عليه أو يشترط، فهذا لا يجوز، وإياك وكرائم أموالهم. قال: الحادي عشر، أن يخشى الساعي من ظلم الناس، فإن ظلمهم سبب في دعائهم عليه، الذي لا يرده الله تعالى؛ لأنه طلب العدل والحكم طيب؛ لأنه طلب العدل والحكم، لعله؛ لأنه طلب العدل والحكم -يعني الله عز وجل- والله أعدل العادلين وأحكم الحاكمين. وفي الحديد ذليل على فداحة الظلم، فإذا كان هذا في حق كافر وأنه لا يجوز ظلمه، وأن ظلمه أمره عظيم عند الله، حتى أن الله عز وجل يستجيب للكافر في دعوته على المسلم إذا ظلمه، فدعوة المظلوم المسلم أولى وأحرى بالقبول. قال: الثاني عشر، مشروعية بعد الإمام السعاة لجبي الزكاة، أي لجمع الزكاة، وذلك ظاهر فيما فعله النبي -عليه الصلاة والسلام- في رسل معاذ، ولا ينافي ذلك أبدًا الفضيلة، بل هو عين الفضيلة أن يؤخذ المال من الأغنياء ويرد إلى الفقراء. قالوا: أن الذمة تبرأ بدفعها للإمام أو سعاة، الذمة تبرأ، وهذا هو قول السنة والجماعة، وإن كانوا ظلمة، أي هؤلاء الأئمة، فإذا أخذوا منك الزكاة فأعطيتهم إياها أجزأتك، فأديت الذي عليك، وبقي الذي عليهم -الذي عليهم أن يضعوها في موضعها الشرعي-. فأنت تبرأ ذمتك، ولكن لا شك أنك إذا علمت أنهم لا يضعونها في الموضع الصحيح، فإن استطعت أن تخفف هذا الظلم فاسع، مثلًا جاء الساعي الذي أنت تعرف أنه يأخذ هذا المال ويضعه بغير موضعه، فأراد منك الزكاة، أعطيته ثلث الزكاة لتتخلص من شره، أجزأك هذا الثلث، بقي عندك ثلثان أخرجته أنت إلى الفقراء والمساكين والمستحقين، فهذا -إن شاء الله- من باب تخفيف الشر. وإذا كان الإنسان يريد أن يخرج مرة أخرى، هل يجوز؟ نعم يجوز، وهذا أجره أعظم. مثل إنسان يقول: أنا أعرف أن هؤلاء يأخذون مني هذا المال ويضعونه في غير موضعه، أو يخرجونه على غير الوجه الشرعي. مثل بعض الموظفين -مثلًا- يقول: نحن يقطع منا من الراتب حق الفطرة -زكاة الفطر- يقطع شيئًا ما بينا، ولا ندري هل يوضع في المكان الصحيح أو لا يوضع، وهل يخرج مالًا أو يخرج برًا وطعامًا كما كان في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-. الجواب: إذا كان يخرج طعامًا، فإن شاء الله أجزأك ذلك، وإن استيقنت أنه لا يخرج طعامًا بل يخرج مالًا، فيحتاج أن تخرج مرة أخرى. فإذا علمت أنهم يخرجون طعامًا وأحببت أن تخرج مرة أخرى، جاز ذلك. أو علمت أنهم لم يخرجوا طعامًا، أو لم تعلم، وأحببت أن تخفف ذلك لغلبة الظن عندك أنهم لا يضعونه في موضعه الصحيح، فبدلًا من أن تقول: عدد الأسرة عشرة، تقول: ثلاثة، يأخذ حق ثلاثة والباقي تخرجه أنت، أو تعيد إخراجه مرة أخرى، كذلك هذا جائز، وهو من باب تخفيف الشر. قال -رحمه الله تعالى-: الثالث عشر، في الاقتصار على الصلوات الخمس، دليل على عدم وجوب الوتر؛ لأن هذه مسألة خلافية، هل الوتر من الواجبات أو ليس من الواجبات؟ والصحيح أنه ليس من الواجبات؛ لأدلة عامة كثيرة تدل على هذا المعنى، وهذا الحديث من هذه الأدلة الكثيرة التي تدل على هذا المعنى، وبسط الكلام فيه في كتاب الصلاة في الكلام على الوتر. قال: الرابع عشر، جواز صرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمى الفقراء، وإن كان الفقراء المراد بهم هم -أي هذا الجنس- ممن ذكر في الشرع استحقاق الزكاة لهم. إلا أن الحديث تضمن كذلك فائدة أخرى، وهو جواز إعطاء الزكاة لصنف واحد، بل على القول الصحيح يجوز أن يعطى الزكاة لشخص واحد من أهل هذا الصنف، ولو كل الزكاة، بشرط أن يكون هذا يستحقها. مثلًا أنت الزكاة التي عندك أو التي ستخرجها عشرة آلاف، فسألت: هل يجوز أن تعطيها لرجل واحد هذه العشرة آلاف فقير؟ الجواب: نعم، ما دام يستحق تعطيه، بل إذا كان هذا ينتفع به أفضل من تفريقها، فهذا أفضل. أفضل من تفريقها على عشر ريالات، مثل ما يفعل بعض الناس يصرف عشر آلاف من عشر ريالات، كل ما جاء واحد أعطاه عشر ريالات، يحطها بالدكان أو يحطها يوزع الناس عشر ريالات، عشر ريالات، ماذا تنفع الفقير؟ يذهب يعطيها للولد يشتري بها بفك، ما نفعته في شيء. مع أن الحديث ظاهر الدلالة أن المقصود هو سد فقر هذا الفقير، فالعشر ريالات ما تسد فقر الفقير، إذن الأفضل أن تعطيه ما يسد فقره. علمت أسرة فقيرة -مثلًا- عندهم نقص في شيء من لوازم البيت، ما عندهم ثلاجة، يجوز أن تشتري من الزكاة ثلاجة وتعطيهم إياها، ما عندهم غسالة تشتري غسالة وتعطيهم إياها، ما عندهم نار يطبخون عليها يطبخون على فحم، اشتريت لهم تنور أو اشتريت لهم شيء يطبخون عليه، فهذا مما يسد فقر الفقراء ويدفع حاجتهم. كذلك علمت أن عليهم لوازم إيجار بيت، سددت لهم حق ستة أشهر، هذا سدد ونفع الفقراء، فمثل هذا أفضل وأنفع. قال -رحمه الله تعالى-: «قولوا على فقرائهم». قال: استدل بعض أهل العلم بهذه اللفظة على عدم جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر. قال: والصحيح جواز نقلها، لا سيما مع المصلحة؛ لأن يكون له أقارب فقراء في غير بلد المال، أو إعانة على جهاد أو علم. ولهذا شواهد، استدل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعدد من الأدلة التي فيها هذا المعنى، أي جواز إخراج الزكاة من البلد إلى المكان الآخر. فهذا أبو عبيدة -رضي الله عنه- أتى بمال البحرين، وكذلك جاء عن غير واحد هذا المعنى في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- وبعد زمن النبي -عليه الصلاة والسلام-. وهذا يدل على جواز نقل الزكاة من موضع إلى آخر، وذلك عند أمرين: الأمر الأول عند اكتفاء أهل البلد، إذا اكتفى أهل البلد فلا بأس أن ينتقل إلى غيرهم، وهذا مما تقتضيه النصوص العامة، بل تلزمه؛ لأن الزكاة لا تعطى للأغنياء، تعطى للفقراء والمحتاجين. أو كذلك إذا وجد من هو أحوج منهم، إذا وجد من هو أحوج، فلا شك أنه يعطى ويدفع الأشد، بيدفع الأخف بالأشد، ويذهب إلى الأشد دون الأخف. ولذلك شواهد كثيرة وعمومات، فمن ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قدم من العباس زكاة عامين لمصلحة فيها إعانة للإسلام والمسلمين. وهكذا كذلك ثبت أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حنين أعطى بعض المؤلفة من المال، وهم من مناطق مختلفة، أعطاهم يتألفهم لدين الإسلام، وهذا التأليف لا شك أنه إخراج المال من غير البلد، من البلد إلى غيره. وهكذا كذلك؛ لأنه فيه دفع مفسدة أعظم، وهو دفع شر هؤلاء رؤوس القبائل الذين بدخول الأمن من قبلهم يدخل الأمن على الإسلام والمسلمين. قال: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبعث عماله على الصدقات فيأتون بها المدينة ليفرقها فيها، وهذا كما مر معنا في حديث أبي عبيدة وإيانه بمال البحرين، وغيره من الأحاديث الأخرى. قال: وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، والمشهور من مذهبه القول الأول. والصواب الذي دلت عليه الأدلة هو هذا، أنه يجوز إذا كان في ذلك أولًا عدم وجود من يستحقها، أو كذلك وجد من هو أولى منها، إما لقرابة -كما قال- مثل إنسان في الغربة يعمل ويعرف أن من أهله وأهل قرابته من هو فقراء، فالأقربون أولى بالمعروف بنص الكتاب ونص السنة، فإنها صدقة وصلة كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-. قال: السادس عشر، ومما يعضد القول بعدم نقلها أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر. فقد وردت مخاطبتهم بالصلاة، ولا يختص بهم الحكم قطعًا. يعني أن هذا الحديث فيه كذلك أن الخطاب ليس لأعيان الأشخاص، أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر، يعني العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كذلك هذا الحديث فيه مخاطبة هؤلاء بالصلاة، وهل هذا الحكم خاص بهم؟ الجواب: لا، هذا عام. ولهذا كان الصحيح أن ما ثبت في الأدلة الأخرى من جواز نقل الزكاة يثبت كذلك في هذه القضية. فلماذا إذن في هذا الحديث قال: «فُترد على فقرائهم»؟ أجاب من قال بجواز النقل بأن هذا الحديث خرج مخرج الغالب والأصل، فالأصل أن الزكاة لا تنقل، هذا هو الأصل. ومع ذلك فإذا كان أحد الأمرين السابقين جاز نقل الزكاة من بلد الذي أخرج فيها المال إلى البلد الآخر الذي يحتاجه. وبهذا نكتفي، الحمد لله رب العالمين.