التعليقات على كتاب الأدب المفرد 76

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 76، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من اللعن وحرمان اللعانين

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من اللعن ويبين حرمان اللعانين يوم القيامة. الإمام البخاري يشرح معنى الحديث وأقوال العلماء في تفسيره.

تحريم اللعن وذم اللعانين

يناقش تحريم اللعن وعدم جواز أن يكون المؤمن لعانًا، ويستدل بحديث النبي مع أبي بكر رضي الله عنه. النبي أمر أبا بكر بإعتاق رقيقه ونهاه عن العودة للعن.

خطورة الدعاء باللعنة والغضب والنار

يناقش أهمية التوبة والاستغفار عند الوقوع في الذنب ويحذر من الدعاء باللعنة أو الغضب أو النار. مثل هذه الألفاظ قد ترجع على قائلها وتسبب هلاكه.

عاقبة الكلمات على المغفرة الإلهية

يروي قصة رجل قيل لأخيه 'لا يغفر الله لك' ويبين كيف كانت سبباً في عدم مغفرة الله له. يحذر المسلمين من خطورة الكلمات التي يتفوهون بها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب اللعان، قال: حدثنا سعيد من أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن اللعانين لا يكونون يوم القيامة شهداء ولا شفعاء». هذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث زجر عن اللعن، وأن من اتصف بهذه الصفة الذميمة وهو اللعن يكون لعانا، فإنه يحرم هذه الصفات والخصال العظيمة. إن اللعانين -أي المكفرون من اللعن- لا يكونون يوم القيامة شهداء ولا شفعاء. لا يكونون يوم القيامة شهداء، ذكر الإمام النووي رحمه الله ثلاثة أقوال في المراد بقول عليه الصلاة والسلام: «لا يكونون شهداء». قيل: لا يكونون شهداء أي على الأمم، لا يكونون شهداء على الأمم في تبليغ الرسل إليهم بالرسالات. ومعلوم أن هذه الأمة شاهدة على جميع الأمم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾، فهذه الأمة شاهدة على جميع الأمم، فاللعان لا يكون يوم القيامة شهيدا على غيره. وهذا هو أشهر الأقوال. والقول الثاني: لا يكونون شهداء أي لا تقبل شهادتهم في الدنيا، لا تقبل شهادتهم في الدنيا، أي أنهم يكونون فاسقين، والفاسق لا تقبل شهادته. لكن الحديث مقيد بقوله: «يوم القيامة». والقول الثالث: لا يكونون يوم القيامة شهداء أي في سبيل الله، والمعنى لا يرزقون الشهادة، لا يرزقون الشهادة. وأصح الأقوال -كما سمعنا- هو القول الأول: أن معنى «لا يكونون يوم القيامة شهداء» أي على الأمم. وقوله: «ولا شفعاء» أي يوم القيامة، فإن من الشفاعة التي تكون يوم القيامة شفاعة المؤمنين للعصاة، فهذه شفاعة عامة، يشفع رب العالمين سبحانه، ويشفع النبي عليه الصلاة والسلام، ويشفع الأنبياء، ويشفع الصالحون. فاللعان لا يشفع يوم القيامة، ولا يكون أهلا للشفاعة، لا تقبل شفاعته يوم القيامة في غيره. وهذا حرمان عظيم، حرمان عظيم لمن اتصف بهذا الخلق الذميم. «إن اللعانين لا يكونون يوم القيامة شهداء ولا شفعاء»، فلهذا ينبغي للمسلم أن يحذر من اللعن، وأن يحفظ لسانه منه. قال رحمه الله: وحدثنا عبد العزيز من عبد الله، قال: حدثنا سليمان من بلال، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للصديق أن يكون لعانا». وهذا الحديث كذلك صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وكذلك فيه زجر النبي عليه الصلاة والسلام عن اللعن، وأن المسلم ينبغي له أن يتجنب اللعن، وأن من كان متصفا بالصدق فإنه يجب أن يبتعد عن اللعن. «لا ينبغي للصديق أن يكون لعانا»، لا يجتمع الصدق واللعن. قال: وحدثنا محمد بن يوسف -وهو الفريابي- قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ضبيان، عن حذيفة، قال: «ما تلعن قوما قط إلا حق عليهم اللعن». وهذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. ومر معناه في الدرس السابق. وهذا صحيح موقوف على حذيفة: «ما تلعن قوما قط إلا حق عليهم اللعن». واللعن هو الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى، لما تقول: فلان ملعون، أو لعنه الله -نحو ذلك- معناه طرد من رحمة الله سبحانه وتعالى، تدعو عليه بالطرد من رحمة الله. وهذا مما لا ينبغي أن يدعو به المؤمن، بل الذي ينبغي أن يدعو لأخيه بالرحمة، يدعو له بالرحمة وبذلك الدعاء الحسن. قال: باب من لعن عبده فاعتقه، قال: حدثنا أحمد بن يعقوب، قال: حدثني يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده، قال: أخبرتني عائشة أن أبا بكر لعن بعض رقيقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، ألعانون وصديقون؟ كلا ورب الكعبة». قال: هكذا في الأصل: «ألعانون وصديقون» -أي بالرفع- قال: مرتين أو ثلاثا، فأعتق أبو بكر يومئذ بعض رقيقه، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا أعود». والحديث صححه شيخ الألباني رحمه الله. وفيه أن من لعن رقيقه -أي مملوكه- فإن عليه أن يعتقه، وأن ذلك خير له. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألعانون وصديقون؟» أي لا يجتمع الصديق ولا لعان. وفيه كذلك أيضا أن البشر -مهما عظمت منزلته ومهما عظم قدره- فليس بمعصوم من الزلل ومن الوقوع في الخطأ، فهو بشر يصيب ويخطئ. وهذا حال الإنسان مهما بلغ من المنازل، فهو بشر ليس بملك ولا بنبي. فهذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ومعلوم ما له من المنزلة العظيمة، وهو خير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، وأول خليفة للمسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا من أهل الجنة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك فإنه رضي الله تعالى عنه لعن بعض رقيقه فأعتقه، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يعود. وهكذا ينبغي للمسلم إذا أخطأ أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يتمادى في الخطأ. فليس من العيب أن تخطئ، ليس هذا بعيب أبدا، بل العيب أن تستمر بالخطأ وأن تتمادى فيه وتترك الرجوع. فالله سبحانه وتعالى وصف أهل الإيمان بأنهم إذا أذنبوا وإذا أخطأوا رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكر الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون. هذا حال أهل الإيمان إذا أذنبوا أو ظلموا أنفسهم رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى فاستغفروا، فيغفر لهم الله سبحانه وتعالى، ولم يصروا على الذنب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم- عن أبي هريرة: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم». فالذنب ليس بعيب، أنت معرض للخطأ وللمعصية وللذنب، لكن الواجب هو الرجوع والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والتوبة وعدم التمادي والإصرار، هذا هو الخطأ العظيم. قال: باب التلاعن بلعنة الله وبغضب الله وبالنار، قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار». والحديث -كما سمعنا- من طريق الحسن عن سمرة، ومعلوم أن هذه الطريق فيها مقال، ورواية الحسن عن سمرة ضعيفة، وكذلك فيها انقطاع، فإنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة. وضعف الشيخ الألباني رحمه الله هنا في الصحيحة، ذكر أن له طريقا أخرى مرسلة، فتحتمل التحسين. وهذه الطريق المرسلة أخرجها عبد الرزاق في مصنفه. وقول النبي عليه الصلاة والسلام هنا: «لا تتلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار»، يعني لا يقول أحدكم لأخيه: لعنك الله، فهذا لا يجوز. ولا كذلك أيضا بغضب الله، يقول: عليك غضب الله، عليك غضب الله، هذا كذلك مما لا يجوز أن يقوله المسلم لأخيه. ولا بالنار، يعني يقول لأخيه: أدخلك الله النار، هذا أيضا كذلك لا يجوز. فينبغي للمسلم أن يحذر من هذه الكلمات التي يلقيها بلسانه ولا يبالي بها، فتكون سببا في هلاكه. يدعو على أخيه فيلعن أخاه، فما يدري إلا وقد رجعت اللعنة عليه، وكان هو أحق بها. وهكذا يدعو على أخيه بالغضب -بغضب الله سبحانه وتعالى- فترجع عليه. أو هكذا أيضا يدعو على أخيه بأن يدخله الله النار، فيكون ذلك سببا في دخوله النار. كما في حديث جندب في الرجل الذي قال لأخيه: «والله لا يغفر الله لك»، فقال الله سبحانه وتعالى: «لقد غفرت له وأحبطت عملك». كلمة أخرجها من لسانه لم يبال بها، فرجعت عليه وكانت سببا في هلاكه. قال لأخيه: «والله لا يغفر الله لك»، فقال الله جل وعلا: «من الذي يتألى على ألا أغفر لفلان؟ لقد غفرت له وأحبطت عملك». حبطت أعماله بكلمة ألقاها من لسانه. قال لأخيه: «لا يغفر الله لك»، انظر كيف كان السبب في عدم مغفرة الله سبحانه وتعالى له. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحذر من الكلمات التي يلقيها، وأن يراقب الله سبحانه وتعالى فيها. والله تعالى أعلم.