التعليقات على كتاب الأدب المفرد 5

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

السخرية بالدين وعقوق الوالدين

المقطع الأول يشرح خطورة السخرية بالدين واعتباره كفرًا وردة، ويستشهد بأمثلة من السنة وأقوال العلماء، كما يشدد على عقوق الوالدين ككبيرة ويستدل بحديث بين ابن عمر وابنه.

بر الوالدين وأهمية الإحسان لهما

يوصي ابن عمر ببر الوالدين وخاصة الأم، ويبين أن الإحسان لهما سبب لدخول الجنة، كما يروي حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم حول جزاء الإحسان للوالدين.

حدود الإحسان للوالدين وتحديات برهما

يروي قصة الرجل اليماني الذي حمل أمه حول الكعبة وسؤال ابن عمر عما إذا كان ذلك يكفي، فيجيب بالنفي، مشيرًا إلى صعوبة وفاء الولد بحق والديه حتى لو كان بمقدار زفرة واحدة أثناء الولادة.

أثر دعاء الوالدين على الولد

المقطع الأخير يشرح حديثًا نبويًا عن أهمية دعاء الوالدين للولد، ويتطرق إلى صحة إسناد هذا الحديث وتأكيده بسند آخر حسن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، على آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فما زلنا في أثر من أعمال البر، وذكر الله تعالى للكبائر، ووقفنا عند قوله: "والذي يستسخر". المراد به السخرية، الذي يسخر بشيء من الدين، أو يسخر بالله سبحانه وتعالى، أو بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو بالإسلام، فإن هذه ردة وكفر، كالذين يسخرون بالصلاة، أو يسخرون بالحدود الشرعية، فإن ذلك من الردة. وهكذا أيضًا الذي يسخر برب العالمين سبحانه وتعالى، فهذا كفر وردة، أو الذي يسخر بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيسبه ويستهزئ به، فإن هذا كفر وردة. ومن فعل ذلك فإنه يكفر، ويقام عليه حتى القتل، أي يسب النبي عليه الصلاة والسلام يقتل، وإن تاب، حتى وإن تاب، فإنه يقتل. والآن، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتل من فعل ذلك، وستة ممن كانوا معه في يوم الفتح. وإن أمر بقتل جاريتين كانتا له، وكانتا تستهزئان بالنبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا جاء عند أبي داود من حديث ابن عباس أن رجلًا أعمى كانت له أم ولد، وكانت تسب النبي عليه الصلاة والسلام، فقتلها، فأهدى للنبي عليه الصلاة والسلام دمها، جعله هدرًا. ولهذا ينقل الإمام النووي والخطيب وغيرهما الإجماع على أن من سب النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يقتل. ويقرب من ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول". وهذا كله من السخرية، سب الدين، أو الرب، أو سب الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا كفر وردة، ويجب أن يوجد هذا في أوساط المسلمين. كائنة ما تسمع من بعض المسلمين من يفعل ذلك، يسب الدين، أو يسب الرب، ومع ذلك تجد كثيرًا من الناس ربما لا يحركون ساكنًا، ولا ينكرون هذا المنكر العظيم. وهذا كفر مرده. قالوا: بكاء الوالدين من العقوق، أي أن من الكبائر بكاء الوالدين، أي أن الولد يبكي أبواه، إما بغضب، أو بسب، أو بشتم، أو غير ذلك من العقوق، ويؤذيهما حتى يبكيان، فذلك من العقوق. وعقوق الوالدين من الكبائر، كما سيأتي. حيث يبدأ بأكبر الكبائر، وذكر منها عقوق الوالدين، فهذا من الكبائر. قال لي ابن عمر: أتفرق من النار؟ يعني تفارق النار، وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي والله، نطلب كل حريص على الخير، كل حريص على الخير، وهو يحب أن يدخل الجنة، وأن ينجو من النار. فقال: أحيي والدتك. قلت: عندي أمي. قال: فوالله لو ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخل الجنة من أي باب شئت. انظروا كيف أوصى ابن عمر رضي الله عنهما إلى أن يقوم بر أمه، ومن ذلك أن يلين لها الكلام، يكلمها بكلام طيب، لا يرفع صوته عليها، فيكون معها سهلًا لينًا. وكذا يدعمها بالطعام، ينفق عليها. فإذا فعل ذلك، فإن ذلك سبب في دخول الجنة. قال: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين، ودكين هذا لقب لأبيه، واسمه عمر. قال: حدثنا سفيان الثوري، لأن أبا نعيم أفضل من الرواية عنه، أفضل من ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وهو عروة بن الزبير، كان يقول بالصبر المحتسب. يلقى بالصبر المحتسب، أصيب بمرض في قدمه، ويسمى الأكلة، تأكل القدم، فقطعت قدمه. ثم يحدث أن أحد أبنائه مات، فقال: الحمد لله الذي أخذ وأبقى، يعني أخذ هذا الولد، وأبقى غيره، وله خمسة أولاد، أي أولاد عروة بن الزبير، وهو عبد الله، وهشام، وعثمان، ومحمد، وإبراهيم. قال: وفض لهم جناح الذل من الرحمة. قال: "لا تنهرهما، وقل لهما قولًا كريمًا" يعني في الصلاة، هذه الآية التي فيها الأمر بإفضاض جناح الذل للأبوين، قال: لا تنهرهما من شيء أحباه، يعني إذا طلب منك أي شيء مما أحباه، فعليك أن تجيب. وهذا طبعًا مقيد بما لا يخالف الشرع، أن إذا أمراك بأمر قالت الشرع فيه معصية، فإنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، وإنما ذلك في غير معصية. قال: باب جزاء الوالدين. قال: حدثنا قبيصة، وهو ابن محمد بن صاصعة، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. وسهيل فيه كلام، ثقة، لكنه اختلط أو تغير في آخره، بسبب تقدم السن له، ولهذا لم يخرج البخاري رحمه الله لسهيل بن أبي صالح في صحيحه، لم يخرج من هذا الطريق. والإمام مسلم رحمه الله أخرج له في صحيحه، في الأصول، وفي الشواهد، والأكثر في الشواهد. وهذا أحد الأمور التي فضل فيها أهل العلم صحيح البخاري على مسلم، أي أن صحيح البخاري أصح من مسلم. قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه". الحديث صحيح، وأصل الحديث في مسلم، من حديث أبي هريرة، بهذا اللفظ: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه". وفيه دلالة على أن الولد الذي مهما فعل من الإحسان والبر لوالديه، فإنه لا يستطيع أن يجزيهما، أو أن يقوم بالرحمة على الوجه الأكمل. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجد والده مملوكًا فيشتريه فيعتقه"، يعني يجعله حرًا، كالأسير، الذي لا تصرف له، أو يتحكم في نفسه، لأنه يباع ويشترى، ويوهب، ويورث، كالمال. فإذا كان كذلك، فاعتقه، واجعله حرًا، فإن ذلك يكون به الإحسان. قال: حدثنا هذا وهم أبي يعقوب، قال: حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن أبي بردة، قال: حدثني أبي، أنه شهد ابن عمر، ورجلًا يمانيًا يطوف بالبيت، يعني حول الكعبة، حمل أمه وراء ظهره، يقول: "إني لها بعيرها المذلل، إن أجعرت ركابها لم أجعر، إني لها بعيرها المذلل، إن أزعرت ركابها لم أزعر". وما برحت ركابنا، أي البعير، يعني إذا تعبت وشق عليها، لم يشق ذلك عليه. فأنا لهذا البعير المذلل لها، لتركب عليه. ثم قال ابن عمر: أتراه يجزيها؟ يعني هل جزيت والدتي بهذا العمل، حملتها على ظهري، وطفت بها، وأديت معها المناسك؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة. قال: لا، ولا بزفرة واحدة. ومعروف أن الزفرة، تردد النفس، حتى تختلف الأضلاع، يكون ذلك عند الولادة، فالمرأة تضع تعبًا عظيمًا عند الولادة، حتى ربما تموت. فهي ترى الموت في هذا الموضع، من شدة مشقة الولادة. والولادة جعل النبي صلى الله عليه وسلم موت المرأة في نفاسها من أسباب الشهادة. قال: ثم طاف ابن عمر، فأتى المقام، وصلى ركعتين، ثم قال: يا بني أبي موسى، إن كل ركعتين تكفران ما أمامهما. والأثر هذا صححه الإمام النووي رحمه الله. وفيه أن هذا الرجل اليماني الذي حمل أمه على ظهره، وهو يقول: "إني لها بعيرها المذلل، إن أجعرت ركابها لم أجعر". ثم يسأل ابن عمر الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنهما، يقول: أتراني جزيتها؟ قلت: كنت أبرها، والإحسان إليها، وأجزئ عنها على ما فعلت؟ فقال: لا، ولا بزفرة واحدة. يعني أن أنت القليل، أعظم من ذلك. ثم صاف ابن عمر، فأتى المقام، وصلى ركعتين، أي صلى ركعتين عند المقام، كما فعل، وجعله صلى الله عليه وسلم، كما فيه إسناد في مسلم، في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثني عبد الله المصباحي، وركاث بالكاف، ورصادق كثير الغلط، قال: حدثني الليث، والمسعودي، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن أبي مرة، مولى عقيل، أن أبا هريرة كان يستخلفه، وكان يكون بذي الحليفة، وهو لقاطع الطريق إلى المدينة، فكان ينهى في بيت، وفي آخر قال: فإذا أراد أن يخرج، وقف على بابها، فقال: السلام عليك يا أماه، ورحمة الله، وبركاته. فتقول: وعليك السلام يا بني، ورحمة الله، وبركاته. فيقول: رحمة الله كما ربيتني صغيرًا. فتقول: رحمة الله كما بررتني كبيرًا. ثم هي أراد أن يدخل، صنع مثل ذلك. وهذا الأثر بهذا الإسناد الضعيف، عبد الله المصباحي في الضعف، وسعيد بن أبي هلال مختلط. ولو أراد أن يدخل، ولو ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله، لكن صح بسند آخر حسن.