الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر فضل من يموت له ثلاثة من الولد وعظم أجر عتق الرقاب المؤمنة، حيث يدخل الجنة برحمة الله ويعتق من النار. يبين أن الله يجعل كل عضو من المعتق فكاته من النار لكل عضو من العبد المعتق.
يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبشر من مات له ثلاثة أولاد صغار بالجنة، ويتناول مسألة أولاد المؤمنين وأولاد المشركين في الآخرة، موضحا رحمة الله بعباده.
يشرح الحديث النبوي الشريف الذي يبين أن المال المنفق في وجوه الخير هو المال الحقيقي، كما يوضح معنى الشدة الحقيقية بضبط النفس عند الغضب وليس بمجرد القوة الجسدية.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا حرامي بن حفص وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عثمان بن حكيم، قال: حدثني عمر بن عامر الأنصاري. قال: حدثتني أم سليم، قالت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: «يا أم سليم، ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته إياهم»، قلت: واثنان؟ قال: «واثنان»، والحديث صحيح. قال: حدثنا علي، قال: حدثنا معتمر، قال: قرأت على الفضيل، عن أبي حريز، أن الحسن حدثه بواسط، أن صاعقة من المعاوية حدثه أنه لقي أبا ذر متوشحا قربة، قال: ما لك من الولد يا أبا ذر؟ قال: ألا أحدثك؟ قلت: بلى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغ الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، وما من رجل أعتق مسلما إلا جعل الله عز وجل كل عضو منه فكاته لكل عضو منه»، وهذا الحديث أيضا صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه أيضا ما مر الكلام عليه في الدرس الماضي أن من مات له ثلاثة من الولد، وهذا عام لكل مسلم لقوله: «ما من مسلم يموت له»، ومسلم هنا نكرة في سياق النفي، تدل على العموم، بل هنا نص في العموم، النكرة إذا جاءت في سياق النفي وسبقت بحرف الجر كانت نصا في العموم، فتشمل كل مسلم، كل مسلم يموت له ثلاثة من الولد، فإنه له هذا الأجر: «إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم»، أي بفضل رحمة الله سبحانه وتعالى لهم. قال: «وَمَا مِنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ مُسْلِمًا إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهُ فِكَاتَهُ لِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ»، كذلك في هذا الحديث الترغيب في العتق، وأيضا تخصيص هذا الأجر بعتق المسلم الرقبة المؤمنة، فمن فعل ذلك جعل الله عز وجل كل عضو منه -يعني كل عضو من هذا المعتق- فكاته من النار لهذا المعتق الذي أعتق هذا العبد، فيكون جزاء ذلك أن يجعل الله جل وعلا بكل عضو منه يجعل فكاته لهذا المعتق، وهو السيد الذي أعتق عبده، يكون بكل عضو من هذا المعتق فكات هذا السيد من النار، وهذا يدل على عظم أجر الاعتق، على عظم أجر عتق الرقاب. قال: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: حدثنا زكريا بن عمارة الأنصاري، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث أدخله الله وإياهم بفضل رحمته الجنة»، والحديث صحيح، وهو في البخاري. وفيه أيضا ما يدل على أن من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث -يعني لم يبلغوا سن الرجل والبلوغ، بل ما زالوا في زمن الصبية، يعني زمن الصبى قبل أن يكتب عليهم القلم- إذا مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا، وصبر عليهم واحتسب، أدخله الله وإياهم، أدخل الله جل وعلا آباء وأمهات هؤلاء الأولاد الجنة بفضل رحمته لهم، وهذا لسعة رحمة الله سبحانه وتعالى، وفيه أيضا أن أولاد المؤمنين في الجنة. أما حديث عائشة الذي في البخاري حين قالت رضي الله تعالى عنها في صبي مات: «هنيئا له عصفورا من عصافير الجنة»، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وما أدراكي؟»، ثم قال: «إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا»، فهذا الحديث يحمل على أن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر التعيين، تعيين الأولاد، يقال مثلا: هذا في الجنة، هذا الذي أنكره النبي عليه الصلاة والسلام، أما الإخبار بأن عموم أولاد المؤمنين أنهم في الجنة، فهذا الذي أثبته النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأحاديث. وأما أولاد المشركين، فاختلف أهل العلم رحمهم الله فيهم، والصحيح والله أعلم أنهم يمتحنون كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين حين سئل النبي عليه الصلاة والسلام عنهم، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من أهل العلم. قال: باب من مات له سقط، يعني إذا أسقطت المرأة الجنين. قال: حدثنا إسحاق بن يزيد، قال: حدثنا صدقة بن خالد، قال: حدثني يزيد بن أبي مريم عن أمه عن سهل بن الحنظلية -وكان لا يولد له- فقال: لأن يولد لي في الإسلام ولد سقط فأحتسبه أحب إلي من أن يكون لي الدنيا جميعا وما فيها، وكان ابن الحنظلية ممن بايع تحت الشجرة، وهذا الأثر ضعيف، ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله، ويزيد بن أبي مريم وأمه مجهولان. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟»، قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت»، والحديث صحيح، وهو أيضا في صحيح الإمام البخاري. وفي هذا الحديث ترغيب النبي عليه الصلاة والسلام في الإنفاق من الأموال في وجوه الخير، وأن ما ينفقه الإنسان هو الذي يبقى، وما يخلفه فإنه ليس من ماله، وإنما من مال ورثته، فلهذا قال: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟»، فقالوا: ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، كل شره يحب ماله أحب إليه من مال وارثه، فقال عليه الصلاة والسلام وأخبرهم أن غالب الناس يحبون مال ورثتهم، وذلك بأنهم يبخلون بإخراج المال، فيبقى المال حتى يموت، فيأخذه الورثة، ولا ينتفع به، فإن ماله هو ما قدم، يعني ما أنفقته في وجوه الخير، فهو مالك، هو الذي تجده عند الله سبحانه وتعالى، وأما الذي تخلفه فهو مال الورثة. وكأنه رحمه الله يريد بهذا أن ما يصيب الإنسان من موت الأولاد فإنه ينتفع به يوم القيامة إذا صبر واحتسب، فإنه ينتفع بهذا المولود يوم القيامة، وهذا كما مر معنا في الأحاديث أنهم سبب في دخول الأب والأم الجنة. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون فيكم الرقوب؟»، قالوا: الرقوب الذي لا يولد له، قال: «لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا»، والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وهذا هو الشاهد من الحديث، أنه الرقوب عند العرب وفي عرفهم هو الذي لا يولد له، الذي ليس له ولد، فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا، يعني الذي لم يموت له أحد من الأولاد، أريد بذلك أن من قدم من أولاده واحتسب، فهو الذي ينتفع بهؤلاء الأولاد، وهم الذين ينفعونه يوم القيامة، ويكونون سببا في دخوله الجنة. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون فيكم الصرعة؟»، قالوا: هو الذي لا تصرعه الرجال، قال: «لا، ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب»، وهذا أيضا في مسلم. والشاهد من الحديث هو ما مر في القطعة التي قبلها، في بيان أن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا، ليس الذي لا يولد له، وهذا الحديث فيه أن الصابر والشديد والقوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ليس الذي يصارع الناس، ليس هذا هو المصارع، وهو الشديد، بل الشديد حقيقة هو الذي يملك نفسه عند الغضب.