التعليقات على كتاب الأدب المفرد 63

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 63، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وجوهر حسن الخلق

يتناول هذا الفصل أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته الحسنة، ويبين أهمية حسن الخلق في الإسلام. كما يعرف حسن الخلق بأنه بذل الجميل وكف القبيح والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل.

أهمية حسن الخلق في نيل محبة النبي صلى الله عليه وسلم

يشدد هذا الفصل على أهمية حسن الخلق في الإسلام، حيث يُعد من أحب الصفات إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويُكافأ صاحبه بمجلس قريب منه يوم القيامة. يشمل حسن الخلق التحلي بالصفات الكريمة والتخلي عن الرذائل.

حقيقة حسن الخلق وإنكار المنكر وتطبيقه العملي

يناقش هذا الفصل مفهوم حسن الخلق ويوضّح أنه لا يعني مُسايرة الناس على الباطل، بل يقتضي إنكار المنكر. كما يبين أن حسن الخلق مرتبط بالدعوة إلى الحق وإنكار الباطل مستدلًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا محمد بن كثير، وهو العبدي، وأخوه سليمان بن كثير، وكان أكبر منه بخمسين سنة، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، عن أبي وائل، وهو شقيق بن سلمة، عن مسروق، ومن الأجدع، عن عبد الله بن عمر، قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: «خياركم أحاسنكم أخلاقا». هذا الحديث صحيح، وفي الصحيحين. وفيه إخبار عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما بخلق من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن على هذا الخلق الذميم -الفحش في القول أو في الفعل- لم يكن فاحشا ولا متفحشا، والفحش يجمل السب والشتم، وهكذا التلفظ بالكلام البذيء والقبيح، إلى غير ذلك مما فيه فحش. فلم يكن النبي عليه الصلاة والسلام فاحشا ولا متفحشا؛ لأن هذا من الأخلاق الذميمة، ومن الأخلاق السيئة أن يكون الإنسان فاحشا في قوله أو في فعله، بأن يفعل الأفعال القبيحة والأفعال الذميمة. بل واجب على المسلم أن يترفع عن ذلك، أن يترفع عن الفحش، فلا يكون سبابا ولا شتاما ولا طعانا ولا لعانا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». فليست هذه من أخلاق المسلم: الطعن والسب والشتم واللعن. قال عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». فجعل النبي صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسقا. وكان يقول: «خياركم أحاسنكم أخلاقا». فجعل النبي عليه الصلاة والسلام الخيرية فيمن كان أحسن أخلاقا. خياركم أحاسنكم أخلاقا، فكلما كان الإنسان عنده خلق حسن، وازداد من الأخلاق الحسنة، فهو أعظم خيرية من غيره. فمن زاد عليك في الخلق؛ فقد زاد عليك في الدين، كما قال ابن القيم رحمه الله: «الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق؛ فقد زاد عليك في الدين». كلما كان الإنسان أكثر أخلاقا وأعظم أخلاقا؛ كلما كان أكثر تمسكا بالدين وأعظم منك دينا. فالدين كله خلق. وكما قال الله جل وعلا في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه -وما غيره من السلف-: «وإنك لعلى دين عظيم». فالخلق هو الدين. وفسر العلماء الخلق بقولهم: «بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه». «بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه». ومنهم من قال: «هو بذل الجميل، وكف القبيح». «بذل الجميل، وكف القبيح». ومنهم من قال: «هو التخلي من الرذائل، والتحلي بالفضائل». وكلها تعاريف تدل على معنى واحد، وهو أن حسن الخلق هو أن يكون الإنسان على هذه الأوصاف العظيمة، من التحلي بكل جميل، والتخلي من كل قبيح، فيبذل المعروف بالقول وبالفعل، ويكف أذاه عن الناس. هذا من حسن الخلق، ألا تؤذي المسلمين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وكما قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن من أمنه الناس على أموالهم». ومن أمنه الناس على أموالهم. فمن حسن الخلق أنك تكف شرك عن الناس بلسانك وبيدك: بلسانك فلا تسب أحدا، ولا تشتم، ولا تطعن، ولا تلعن، ولا تغتاب، ولا تنم، إلى آخر ذلك من مصائب وآفات اللسان. وكذلك تكف أذاك ويدك عن أذية الناس بالبطش وبالأخذ بغير حق، إلى آخر ذلك. «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وهكذا طلاقة الوجه، يعني حسن المعاملة مع الناس. فإذا فعلت ذلك؛ فقد تصفت بالأخلاق الحسنة، وصارت لك الخيرية التي جعلها النبي عليه الصلاة والسلام فيمن حسن خلقه: «خياركم أحاسنكم أخلاقا». فإذا أردت أن تكون من خير الناس؛ فاحرص على أن تكون من أحسن الناس خلقا. قال: وحدثنا عبد الله بن صالح، وهو كاتب الليث، وفيه ضعف، إلا أنه إذا روى من كتابه فهو ثبت، كما قال الحافظ رحمه الله. ولهذا قال في التقريب: «صدوق كثير الغلط». فإذا روى عن غير الليث؛ فإن حديثه في الشواهد. والإمام البخاري رحمه الله أخرج له في صحيحه من روايته عن الليث. حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، ومن سعد، قال: حدثني يزيد بن الهاد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وجده عبد الله بن عمر. وهذه السلسلة سلسلة حسنة. سلسلة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده -أي عبد الله بن عمر- قال: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟». فسكت القوم، فأعاد مرتين أو ثلاثا، قال القوم: نعم يا رسول الله، قال: «أحسنكم خلقا». الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: «أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟». أي من يكون أحبكم إلي، ومن يكون أقربكم مجلسا مني يوم القيامة؟ وهذان الأمران ما من محب للخير وحريص عليه؛ إلا وهو يحب أن يكون ممن يتصف بهما: أن يكون من أحب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، من لا يحب ذلك؟! وهكذا أن يكون منزله قريبا من النبي عليه الصلاة والسلام -يعني يوم القيامة- لا شك أن الحريص على الخير يحب ذلك. فذكر لهم نبي عليه الصلاة والسلام صفات من إذا توفرت فيه؛ كان من أحب الناس إليه، ومن أقرب الناس إليه مجلسا يوم القيامة. قال: فسكت القوم -أي لم يتكلموا ولم يجيبوا- قال: فأعادها مرتين أو ثلاثا -أي يعيد النبي عليه الصلاة والسلام عليهم-: «أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟» فأعادها ثلاثا عليه الصلاة والسلام، ثم قالوا بعد ذلك: نعم يا رسول الله -يعني أخبرنا- ولعلهم رضي الله تعالى عنهم ظنوا أنه سيذكر شخصا أو أشخاصا بأسمائهم؛ فلهذا سكتوا رضي الله تعالى عنهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «أحسنكم خلقا». أي أن أحسنكم خلقا هو الذي سيصل إلى هذه المنزلة العالية، يكون من أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون كذلك من أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجلسا يوم القيامة. قال: «أحسنكم خلقا». وذلك ما سمعنا أن حسن الخلق هو يشمل التحلي بصفات الإسلام الحق، التحلي بالأخلاق الكريمة من التواضع، وخفض الجناح، والصدق، والعدل، والأمانة، وهكذا. كذلك التخلي من الرذائل والفحش في القول والفعل، إلى آخر ذلك. فلا شك أن من تصف بهذه الصفات؛ فإنه سينال هذه المنزلة العظيمة، فهي منزلة ليست بالهينة. وليس حسن الخلق كما ربما يظن بعض الناس أن حسن الخلق أن تماشي الناس على ما يريدون، أن تماشي الناس على ما يريدون، تأتي عند هؤلاء تسمع المناكر وتسكت، وتأتي عند أولئك فتجلس معهم ولو كانوا فيها منكرات وفيها مخالفات، وتمشي هكذا مع الناس، يقولون: هذا ما شاء الله، الأخلاق طيب تمام، يساير الناس، يختلط بالناس، ويمشي مع الناس. أما ذاك: هذا متشدد، ما الذي يسمع أصحاب الأغاني؟! ولا الذي يسمع أصحاب الدشوش والمسلسلات؟! وهكذا. فيجعلون حسن الخلق هو مسايرة الناس ولو على الباطل. لا، ليس هذا من حسن الخلق، هذا من سوء الخلق. هذا من سوء الخلق، تجلس مع الناس وتسايرهم على باطلهم، ثم تدعي أنك على خلق حسن. كما يفعل بعض المبتدعة كجماعة التبليغ الذين يدعون الناس بمثل هذه الطريقة، يأتون إلى صاحب المنكر فيسكتون ولا ينكرون عليه، يقولون: هذه أمراض الأمة، ما حي تكلم فيها؟! ربما يأتون إلى صاحب القبة، إلى صاحب القبر، فيجدون الناس طوفين حوله، فيطفون معهم: «نحن ندعوهم إلى الله سبحانه وتعالى». ويقعون في الشرك، وهكذا يأتون إلى أصحاب البدع وهم في بدعهم، فيأخذون معهم، ويأتون إلى أصحاب المعاصي فيدخلون في المعاصي معهم، ويجعلون بذلك أنهم متصفون بحسن الخلق. وهذه خيانة، خيانة في دين الله سبحانه وتعالى. والواجب هو إنكار المنكر، «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان متصفا بالخلق الحسن؛ كان إذا رأى منكرا غضب عليه الصلاة والسلام، ما سكت، ما يسكت عليه الصلاة والسلام على الباطل، وهو من أعظم الناس خلقا حسنا. كما تقول عائشة رضي الله عنها: قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى». يغضب عليه الصلاة والسلام إذا انتهكت محارم الله، وهو المعروف بصفاته الحسنة عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فكان ينكر المنكر. هذا هو الواجب لمن أراد أن يكون ذا خلق حسن، أنه ينكر المنكر إذا رآه بما يستطيع، بما يستطيع. وهذا يعد من الأخلاق الحسنة، ومن الأخلاق الفاضلة، ولا يسكت على الباطل، ويظن أن ذلك من حسن خلقه، لا، هذا ليس من حسن خلقه، هذا من سوء الخلق، ومن عدم النصح، والخيانة أن تسكت على الباطل، وأن تتراه. قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق». والحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله، وكذلك شيخنا في «الصحيح المسند». وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بعظيم منزلة حسن الخلق، وأن بعثته صلى الله عليه وسلم كانت قائمة على هذا الأصل العظيم، وهو الدعوة إلى صالح الأخلاق: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق». فهذا يدل على اهتمام هذا الدين العظيم بحسن الخلق، فالدعوة إلى التوحيد دعوة إلى حسن الخلق، والدعوة والتحذير من الشرك دعوة إلى كذلك حسن الخلق، والدعوة إلى فعل الطاعات والتحذير من المعاصي والذنوب دعوة إلى مكارم الأخلاق، إلى آخر ذلك من كل حق جاء به الدين وأمر به، وكل الشر نهى عنه وحذر منه؛ فهو دعوة إلى صالح الأخلاق: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق».