الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل أهمية مكافأة من يصنع المعروف وآداب التعامل مع السائلين، مشيرًا إلى ضرورة إعاذة من استعاذ بالله وإعطاء من سأل بالله. كما يتطرق إلى التفاصيل والآداب المتعلقة بتنفيذ هذه الأوامر.
يتناول هذا الفصل أهمية شكر الناس على إحسانهم وضرورة مكافأتهم، ويبين أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله. يقدم أمثلة على كيفية شكر الناس ومكافأة المحسنين، مؤكدًا على أن هذه الأفعال تعتبر من الصدقات والخير.
يُظهر هذا الفصل حرص الصحابة على فعل الخير وسؤال النبي عن أفضل الأعمال، حيث أجابهم النبي بأن الإيمان بالله والجهاد في سبيله من أفضل الأعمال. كما أشار إلى أهمية إعانة المحتاجين وترك إيذاء الآخرين.
يناقش هذا الفصل شروط نيل الأجر بترك المعصية، مؤكدًا أن مجرد ترك المعصية لا يكفي لنيل الأجر، بل يجب أن يكون هناك نية للتقوى. كما يشير إلى أن العزم على المعصية ثم التراجع عنها بسبب تذكر الله تعالى يُعد نيلًا للأجر.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد في باب من صنع إليه معروف فليكافئه، قال: حدثنا مسدد، وهو من المسرهد، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح، عن عبد الله بن شقيق، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، كان يلقى بالمصحف لشدة حفظه، عن مجاهد، عن ابن عمر. وابن عمر أحد السبعة الذين رووا من الحديث فوق الألف عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن هؤلاء السبعة أبو هريرة، وابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة، وابن عمر - مرتين - ابن عمر، وجابر، بقية أنس، أنس، من مالك، جمعهم بعضهم في بيت من الشعر: سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا، من الحديث عن المختار خير مضر، أبو هريرة، سعد، جابر، أنس، صديقة، من عباس، كذا ابن عمر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه». الحديث صحيح، وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، وأيضا في تصحيحه للكتاب، أو تخريجه لكتاب الأدب المفرد. وفي هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإعاذة من استعاذ بالله، قال: «من استعاذ بالله فأعيذوه»، يعني استعاذ بالله مستجيرا بكم من أذاكم أو أذى غيركم، فأعيذوه، إذا قال: أعوذ بالله منك أو من شرك، فأعذوه واتركوه، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع المرأة الجونية حين دخل عليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد عذت بعظيم، إلحقي بأهلك». استعاذت بالله فأعاذها، فأعاذها عليه الصلاة والسلام. وهكذا من استعاذ بالله فيعاذ، من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، إذا سأل شخص بالله، قال: أسألك بالله، أم تعطيني؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فأعطوه». والسؤال بالله يعني بالإيمان به والتصديق به. وهل هذا الأمر للوجوب؟ أي من سألك بالله فيجب عليك أن تعطيه؟ قال بعض العلماء: بذلك، والصحيح أن فيه التفصيل، فإن سأل بالله في شيء له فيه حق، كان يسأل شيئا من بيت المال، يسأل بالله أن يعطى، فهنا يجب أن يعطى، يجب أن يعطى؛ لأنه سأل بشيء له فيه حق. وأما إن لم يكن له فيه حق، كان يسأل أحدا من الناس، فهنا لا يجب، لكن يستحب، لا يجب، لكن يستحب. ومن سأل بالله فأعطوه، ومعروف أن الأكمل والأفضل هو عدم السؤال، عدم السؤال والابتعاد عن المسألة والتعفف، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستعفف يعفه الله، واليد العليا خير من اليد السفلى». فإن طر إلى ذلك وسأل بالله، فيستحب أن يعطى، وليس بواجب. والسائلون قد يكون السائل صادقا ويعلم صدقه، فهذا يعطى، أوكد، إذا علم أنه صادق، وقد يكون كاذبا، يعلم أن هذا السائل كذاب، كحال كثير من السائلين الذين يتخذون السؤال والتسول عملا، يتخذون الشحاتة عملا، فيعلن كذبهم، فمثل هؤلاء ما يعطون؛ لأن في هذا يعان لهم على الباطل وعلى الإثم، والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وكذلك أيضا فيه زجر لهم، زجرا لهم، ورادع لهم عن الوقوف مثل هذه الكبيرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر». فأنت لا تعينه على هذا الباطل وعلى الوقوع في مثل هذا الإثم العظيم، فلا تعطيه. وإذا كنت لا تعلم حاله، هل هو صادق أو كاذب؟ فإنك تعطيه، تعطيه، فإن وقعت في يده وهو مستحق وكان صادقا، أجرت على ذلك، وإن وقعت في يده وهو كاذب وأنت لا تعلم، كذلك أنت مأجور على ذلك، ولك نيتك. ودليل ذلك حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في قصة الرجل الذي تصدق على زانية، قال: «والله لا تصدقن بصدقة»، فخرج فرأى امرأة فتصدق عليها، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية. ثم قال: «والله لا تصدقن بصدقة»، فخرج فتصدق على رجل سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على سارق. ثم قال: «والله لا تصدقن بصدقة»، فخرج فتصدق فوقعت في يد غني، فقال: تصدق على غني. فقال: «اللهم لك الحمد على زانية وسارق وغني». فيجيء به - يعني في المنام - فقيل له: أما الزانية فلعلها تستعفف عن زناها، وأما السارق فلعله يستعفف عن سرقته، وأما الغني فلعله يعتبر فيتصدق على الفقراء. والشاهد من ذلك أن صدقته أجزأته، مع أنها وقعت في يد من لا يستحقها، لكن ما كان يعلم، فكان له نيته وله الأجر بما نواه. قال: «ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه». من أتى إليكم معروفا فكافئوه، من صنع إليك معروفا وأحسن إليك، فقابل هذا الإحسان بإحسان، وقابل هذا المعروف بالمكافأة، بعطائه شيئا ينتفع به. فإن لم تجد، قال: «فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه». إذا ما عندك شيء تكافئوه على ما فعل من معروف، أعانك على حمل شيء أو على صنع شيء أو غير ذلك من المعروف، فالأكمل أن تقابل هذا المعروف بمكافأة، تعطي شيئا من المال أو غير ذلك. فإن لم تجد، فادعوا له، أحسنت، بارك الله فيك، جزاك الله خير، فهذا من الإحسان. وقد ذكرنا في الدرس الماضي قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سلمة، من زيد، عند الترمذي وغيره: «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء». فقد أبلغ في الثناء، هذا الذي ينبغي للمسلم أن يقابل المعروف بالمعروف، ولا يقابل المعروف بالإساءة، فليس هذا من فعل أهل التقوى والصلاح. قال: باب من لم يجد المكافأة فليدع له. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله. قال: «لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم به». والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه: أن المهاجرين قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: «ذهب الأنصار بالأجر كله»، يعني بما فعلوا من الإحسان إلى المهاجرين، لما هاجروا من مكة إلى المدينة، تركوا أموالهم ودورهم وكل ما يملكون، كما قال الله جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. فهم تركوا بلادهم وأموالهم ودورهم، تركوا ذلك لله سبحانه وتعالى، فلما أتوا إلى المدينة، آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبين الأنصار، وكان من هذه الأخوة أنهم أعانوا المهاجرين إعانة عظيمة، منهم من أعطى بعض ماله للمهاجر، بل ومنهم كذلك من ربما كان له زوجتان فطلق إحداهما حتى يتزوج بالأخرى أو يتزوج بالتي طلقها، وهكذا أحسنوا إليهم غاية الإحسان. فقالوا: «ذهب الأنصار بالأجر كله»، يعني بما فعلوا من هذا المعروف والإحسان، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم به». وقولهم: «ذهب الأنصار بالأجر كله»؛ لأنهم ما عندهم ما يكافئونهم به؛ لأنهم فقراء. فأرشدهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى قول شيء يكون سببا في نيلهم الأجر، فقال: «لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم به»، يعني إذا أدعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم، فإنكم تنالون من الأجر، تنالون ماذا؟ نصيبا من الأجر. وبهذا يعلم الإنسان أنه إن حسن إليه أحد ولم يجد ما يكافئ به، يدعو له ويثني عليه، وكي يكون بذلك قد شاركه في الأجر، بذلك يشاركه في الأجر، «لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم به». وهذا أدنى ما يفعله الإنسان في مقابلة المعروف لمن أحسن إليه، أنه يدعو له ويثني عليه. قال: باب من لم يشكر الناس. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا الربيع بن مسلم، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». والحديث صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وأيضا في الصحيح المسند، شيخنا الوادعي رحمه الله. قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، يعني إذا أحسنوا إليه فلم يشكرهم، فإنه لا يكون بذلك شاكرا لله، وإذا أراد أن يكون شاكرا لله، فليشكر الناس على ما فعلوا وأحسنوا. «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، ذكر الخطابي رحمه الله في معنى هذا الحديث معنيين: المعنى الأول: أن من كان من طبعه وعادته أنه لا يشكر الناس فيما أحسنوا به، فإنه يكون من طبعه وعادته أن لا يشكر الله فيما أحسن به إليه، يكون كافرا لنعمة الله سبحانه وتعالى. وإذا كان يكفر نعمة الناس، فكذلك يكون كافرا لنعمة الله، ويترك شكر نعم الله سبحانه وتعالى. وذكر المعنى الثاني: أن الله جل وعلا لا يقبل شكر العبد على إحسانه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه، لا يقبل الله شكر العبد على إحسانه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه، بل يكفر النعمة التي تؤدى إليه. فالواجب على المسلم إن أراد أن يكون شاكرا لله، فليشكر الناس إذا أحسنوا إليه وقدموا إليه المعروف، فليشكرهم، سواء يشكرهم بلسانه أو كذلك أيضا يشكرهم بما أطاه الله سبحانه وتعالى، فيكافئهم على ما فعلوا، فهذا الذي يجب على المسلم إذا أراد أن يكون شاكرا لله، لا يكفر الإحسان، لا يكفر الإحسان، ولو في الشيء اليسير أو الشيء الهيّن. أردت مثلاً أن تحمل شيئا، فعانك إنسان، ما تذهب وتتركه، ما تقول له: جزاك الله خير، أحسنت، أو أشكرك على معاونتك، ونحو ذلك، هذا الذي ينبغي، إنك إذا فعلت ذلك تكون شاكرا لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا كذلك من الشكر لمن أحسن إليك: أنك تدافع عنه إذا أسيء إليه، تدافع عنه إذا أسيء إليه، مثلاً: درست عند شيخ أو عالم، فأحسن إليك وتعلمت منه العلم، وكان سببا في رفع الجهل عنك، فليس من الشكر أنك تنسى هذه النعمة وهذا الإحسان الذي أحسن به إليك. فإذا أساء إليه أحد، لم تكن من يدافع عنه بما تعلم منه، بل تقابل هذا الإحسان بالإساءة، ربما تتكلم فيه وتطعن فيه وتلمزه وتغمزه إلى آخر ذلك، هذا ليس من مقابلة الإحسان بالإحسان، وليس كذلك من شكر الناس، فلا تكون حينئذ شاكرا لله سبحانه وتعالى. بل الواجب أن تذب عن عرضه، تذب عن عرضه، بما تعلم من بعده عما وصف به وعما أسيء إليه، وهذا من أقل الإحسان، ومن أقل الشكر الذي تقابله به. «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، فيحرص المسلم على هذا الأمر، ويشكر الناس على إحسانهم. قال: باب معونة الرجل أهله. قال: حدثنا إسماعيل بن أبي ويس، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن أبي مراوح، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: قيل: أي الأعمال خير؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله». قيل: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها». قال: أفرأيت إن لم أستطع بعض العمل؟ قال: «فتعين ضائعا أو تصنع لأخرق». قال: أفرأيت إن ضعفت؟ قال: «تدعو الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه: سؤال أبي ذر رضي الله تعالى عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: أي الأعمال خير؟ وهذا يدل على حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على أبواب الخير وعلى فعل الخير، كانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن أعمال الخير، يأتيه السائل فيقول: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، وآخر: يا رسول الله، دلني، أو أي الأعمال خير؟ وهكذا يسألون ما ينفعهم، وكذلك أيضا ما يتقربون به إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا يدل على حرصهم رضي الله تعالى عنهم على الخير ومحبتهم له، فقال: «أي الأعمال خير؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله». أي ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان بالله: أن هذا من أفضل الأعمال، أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى حق الإيمان، وتحقق ذلك في قلبك وفي جوارحك. والإيمان كما هو معروف عند أهل السنة: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فإنك إذا حققت الإيمان بالله جل وعلا، حصل لك كمال الخير وخصال الخير. قال: «وجهاد في سبيله»، كذلك من أعمال الخير: الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، الجهاد الشرعي الذي يكون بضوابطه الشرعية، يراد به إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، ما يكون جهاد حمية ولا عصبية، ولا كذلك أيضا إفساد في بلاد الإسلام أو بلاد الكفر، بما يفعل من أعمال تنافي الإسلام، من تفجيرات وانتحارات واغتيالات إلى آخر ذلك من الأمور المحرمة التي تنافي الإسلام، والتي حذر منها أهل العلم، ليس هذا بجهاد، بل هذا إفساد، هذا إفساد. لكن المراد بالجهاد هنا: الجهاد الشرعي، الجهاد الشرعي، فهو من أفضل الأعمال. وقد جاء في بعض الأحاديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر غير ذلك، في حديث معاذ، حين سأله النبي عليه الصلاة والسلام: «أي الأعمال خير؟ قال: الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». وهنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: ثم معاذ: أن أفضل الأعمال: الصلاة على وقتها، وذكر في هذا الحديث: الإيمان بالله والجهاد في سبيله. والجمع بينها - كما ذكر أهل العلم - أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاب كل سائل بما هو أنفع له، بما هو أنفع له وأفضل له، فذات السائل رأى أن الأفضل له: الصلاة في وقتها، وذات رأى أن الأفضل له والأفضل في حقه: الإيمان والجهاد في سبيل الله، وهكذا أجاب كل سائل على ما يكون أحسن له وأفضل. قال: قيل: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها»، يعني: أفضل الرقاب التي تعتق: أغلاها ثمنا، أي ما كانت غالية، فهي أفضل من إعتاق الرقاب الرخيصة. وبعض العلماء سدل بهذا على أن إعتاق الرقاب ولو كانت كافرة وهي أغلى ثمنا، أفضل من الرقاب المسلمة إذا كانت أقل ثمنا، وهذا خلاف الصواب، بل إن إعتاق الرقاب ولو كانت أقل ثمنا وكانت رقبة مؤمنة، فإعتاقها أفضل. وإنما المراد بهذا الحديث: أغلاها ثمنا، المراد بها الرقاب المؤمنة، كما جاء تقييدها في بعض الروايات الأخرى. قال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها»، أي أنها أعظم وأرغب عند أهلها، فهذه الرقبة إعتاقها أعظم للأجر، أعظم للأجر. قال: أفرأيت إن لم أستطع بعض العمل؟ قال: «فتعين ضائعا أو تصنع لأخرق»، يعني إذا ما استطعت الجهاد في سبيل الله، ولا كذلك إعتاق الرقاب، فأشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام بمعاونة الضائع. والمراد بالضائع: هو ذو العيال، من كان ذا عيال عنده أولاد وعيال يحتاج إلى معاونة، فيعينه، كذلك من أعمال الخير، يعينه من أعمال الخير. «فتعين ضائعا أو تصنع لأخرق»، والأخرق: هو الذي لا يحسن العمل، إنسان يريد أن يعمل شيئا وما يحسنه، فتعينه في إتقان هذا العمل وإحسانه، فهذا كذلك من المعروف ومن فعل الخير. قال: أفرأيت إن ضعفت؟ يعني ما استطعت أو ضعفت عن فعل بعض هذه الأعمال، فأشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الناس من الشر، قال: «تدعو الناس من الشر، فإنها صدقة منك على نفسك». فترك أذية المسلمين هذا من المعروف ومن الصدقة، أنك ما تؤذي أحدا لا بلسانك ولا بجوارحك. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فإن من صفات المسلم: أنه لا يؤذي المسلمين، لا يؤذيهم بلسانه بالشتم والسب والطعن والقذف، وهكذا بالغيبة والنميمة إلى آخر ذلك من آفات اللسان، فليس هذا من صفات المسلم. ولا تذلك يؤذيهم بجوارحه، لا بضرب ولا بأخذ مال ولا بغير ذلك، فإنك إذا تركت أو لم تؤذ الناس، فإن ذلك صدقة تتصدق بها على نفسك. وفي هذا دليل: أن الترك عمل، أن الترك يعتبر فعل وعمل، ويقول على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقول الله جل وعلا: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾. وآخر: قول الله جل وعلا: ﴿لَعَنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. فسمى الله سبحانه وتعالى تركهم إنكار هذا المنكر فعلا، «لبئس ما كانوا يفعلون». وهكذا أيضا قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم حين كان النبي عليه الصلاة والسلام يعمل في حفر الخندق: «لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل». «لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل»، فسموا تركهم للقيام والعمل مع النبي عليه الصلاة والسلام عملا، فسموا ذلك عملا، فدل على أن الترك عمل، لكن لا يوجر الإنسان على الترك إلا بالنية. لا يوجر الإنسان على الترك إلا بالنية، فإن إنسان ما خطر في باله أنه يفعل الحرام وهما فعله، هل يوجر على ذلك؟ الجواب: لا، ما يوجر إلا إذا كان عنده نية على الترك. بخلاف آخر: عزم، وخطر في باله أنه يفعل الحرام، ثم ترك ذلك لله، فهذا يوجر، فهذا يوجر على تركه، إلا فلابد في الترك من النية.