التعليقات على كتاب الأدب المفرد 68

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في فضل الحنيفية السمحة

يتناول المقطع الأول فضل الحنيفية السمحة وحسن الخلق كما جاء في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري، ويبرز سماحة الإسلام ويسره. يُظهر المقطع منزلة زيد بن ثابت رضي الله عنه في العلم وحسن الخلق.

أهمية حسن الخلق والعفاف

يُبين المقطع الثاني أن حسن الخلق والعفاف في الطعام من الخصال العظيمة التي تحمل على مكارم الأخلاق وتؤدي إلى فعل الطاعات. كما يحث العفاف في الطعام على التعفف عن الحرام والاكتفاء بالحلال.

صفات أهل الجنة والتحذير من النفاق

أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن من أسباب دخول الجنة التعفف في الأكل والاكتساب، والصدق في الحديث وحفظ الأمانة. كما نهى عن خيانة الأمانة لأنها من صفات المنافقين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد في باب فضل الحلم إذا فقه، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، وهو حفص بن غياث، قال: يحيى بن سعيد القطان: أثبت أو أوثق أصحاب الأعمش حفص بن غياث. قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران الملقب بالمصحف، بشدة حفظه، قال: حدثني ثابت بن عبيد، قال: ما رأيت أحدا أجل إذا جلس مع القوم، ولا أفكه في بيته من زيد بن ثابت. هذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. والشاهد منه هو ذكر ما كان عليه زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه من حسن الخلق. كان رجل ذا علم، وهو ممن حفظ القرآن، وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام بأخذ القرآن منه. وكذلك أيضا كان عمر رضي الله تعالى عنه يستخلفه على المدينة، وهذا يدل على عظم منزلته عند عمر رضي الله تعالى عنه. فكان إذا جلس مع القوم كان ذا هيبة وقار، وله منزلة واحترام، وإذا كان في بيته كان ذا فكاهة، وكذلك دعابة وحسن معاملة. وهو الشاهد من ذكر هذا الأثر ما كان عليه رضي الله تعالى عنه من حسن الخلق، مع ما عنده من الفقه والعلم. رضي الله تعالى عنه. قال: حدثنا صفوان، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حسين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الحنيفية السمحة. وهذا الحديث كما نرى فيه عنعنة محمد بن إسحاق، وهو مدلس، لكن الحديث له شواهد، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة، وذكره الإمام البخاري في صحيحه معلقا، ووصله في هذا الكتاب في كتاب الأدب المفرد. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأديان أحب إلى الله عز وجل؟ فقال: الحنيفية السمحة. والمراد بالأديان هنا أي قبل أن تبدل وتنسخ. فقال عليه الصلاة والسلام: الحنيفية السمحة، أي أفضل الأديان وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى. والحنيفية هي ملة إبراهيم، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين. وسمي إبراهيم حنيفا لميله من الباطل إلى الحق، ميله من الشرك إلى التوحيد. وأصل الحنيفة الميل، أو الحنف أصله الميل. وهذه الحنيفية هي التي أمر الله سبحانه وتعالى باتباعها، كما قال جل وعلا: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾. فكانت هذه الملة قائمة على السماحة، يعني السهولة والتيسير. ما جعل عليكم في الدين من حرج، كما قال جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. فهي قائمة على التيسير والتخفيف. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما. والمراد من ذلك أن الإنسان يكون سمحا، بأن يتمسك بهذا الدين، وكذلك أيضا يحرص على حسن الخلق، وأن تكون فيه معنى السماحة ومعنى اليسر. وهذا لا ينافي الدين أبدا، بل هذا مما أمر الله سبحانه وتعالى به، أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما الغلظة والشدة والقسوة، فليست هذه من الأخلاق الحسنة، بل هذا مما ذمه الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. والله عز وجل قد وصف نبيه صلى الله عليه وسلم باللين وخفض الجناح، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فأخبر الله سبحانه وتعالى بصفة نبيه عليه الصلاة والسلام أنه كان لينا سهلا، تواضعا، لم يكن فظا ولا غليظا ولا شديدا. فالشاهد منه، كما قلنا، هو الحرص على حسن الخلق، وأن هذا هو أفضل خصال الدين. فكل خصال الدين خير، وأعظمها وأفضلها هو حسن الخلق. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني موسى بن علي وابن رباح، عن أبيه، وهو علي بن رباح، عن عبد الله بن عمر، قال: أربع خصال إذا أعطيتهن فلا يضرك ما عزل عنك من الدنيا: حسن خلقة، وعفاف طعمة، وصدق حديث، وحفظ أمانة. والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وذكر كذلك أنه صح مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه إخبار عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه بهذه الصفات الأربع، وأنه من أعطيها فلا يضره ما عزل عنه من الدنيا، يعني لا يضره ما لم يدركه من الدنيا. قال: حسن خلقة، إذا أعطي حسن الخلق فقد أعطي خيرا عظيما. فإن حسن الخلق يحمله على مكارم الأخلاق، وكذلك يسوقه إلى فعل الطاعات وترك المحرمات، ويجلب له طرق الخير حتى يوصله إلى الجنة. كما مر معنا في حديث أبي هريرة: «إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». وحديث أبي الدرداء: «ما من شيء أثقل في الميزان يوم القيامة من حسن الخلق». إذن فحسن الخلق أمر عظيم، ليس بالأمر الهين. فمن أعطي حسن الخلق فقد أعطي خيرا عظيما، ومن حرم حسن الخلق فقد حرم خيرا عظيما. ربما بسوء الخلق يقع في المعاصي، وربما وقع في كبائر الذنوب بسبب سوء خلقه. كذلك ربما أورده المهالك. فهذا يحرس الإنسان على حسن الخلق. قال: وعفاف طعمة، أي كذلك من الخصال التي إذا أعطيها الإنسان فلا يضره ما عزل عنه من الدنيا: عفاف طعمة، يعني يحرص على التعفف في الطعام، فلا يكتسب ولا يأكل إلا الحلال. وهذا أيضا كذلك من الأمور العظيمة التي لو وفق لها المرء فقد وفق إلى خير عظيم، أنه يحرص على التعفف في طعامه وفيما يكتسبه. وذلك سبب لجلب الخير له، يتعفف ويصبر، ولا يجعله طلب الرزق والاكتساب أن يقع بالحرام ويرتكب المنهيات. كما هو حال كثير من الناس، من أجل الطعام ربما يكذب، وربما يسرق، وهكذا ربما يتعامل بالربا، وهو يعلم أنه حرام، لكن يريد أموالا، يريد أن يحسن وضعه وأن يحسن معيشته، فيرتكب هذه المحرمات، ويتعامل بالربا، أو كذلك أيضا بالغش والخديعة من أجل الدنيا، ومن أجل اكتساب المال. فلا يتعفف لا عن حرام، ولا كذلك أيضا ما فيه شبهة، بل تجده يقتحم في كل باطل من أجل المال. فالعفاف في الطعمة هذه كذلك من الخصال التي إذا وفق لها الإنسان فقد وفق لخير عظيم. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من أسباب دخول الجنة التعفف في الأكل والاكتساب، كما جاء في حديث عياض بن حمار في مسلم، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال». فذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع ممن هو من أهل الجنة: عفيف متعفف ذو عيال، عنده عيال وأولاد، ووجد الداعي الذي يجعله يحرص على اكتساب المال من أجل عياله، ومع ذلك يتعفف، يتعفف عن الحرام، فلا يكسب المال من وجوه محرمة. ومن ذلك كذلك الشحاذة والسؤال، فهذه من الأوجه المحرمة والمذمومة التي ينبغي للمسلم أن يجتنبها. قال: وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن يستعفف يعفه الله». فإذا استعفف، فإن الإنسان يسأل الله سبحانه وتعالى له الخير. قال: وصدق حديث، كذلك أيضا من هذه الصفات التي إذا أعطيها الإنسان أعطي خيرا عظيما: الصدق في الحديث، أن يحرص على الصدق، وأن يصدق في حديثه. وهذا كذلك أيضا من الأمور العظيمة التي إذا حرص عليها فقد وفق للخير العظيم، أنه لا يتكلم إلا بصدق. وهذا الذي أمر الله سبحانه وتعالى به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وأخبر الله جل وعلا أن الإنسان إذا صدق لكان ذلك خيرا له: ﴿وَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة». حث عليه صلاة الله والسلام على الصدق، بأن الإنسان يصدق في حديثه، ويتحرى الصدق، ويحرص عليه، ويتجنب الكذب. فالكذب من الصفات الذميمة التي كانت في الجاهلية مذمومة قبل الإسلام، كانوا لا يحبون الكذب، بل يذمون الكذب. وكما في قصة أبي سفيان مع هرقل حين كان يسأله عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لقومه: إذا كذب فراجعوه. فكان يحرص أن يصدق معه، إلا في كلمة لم يكذب فيها، ولكن أتى بكلام قال: لم أجد موضعا إلا هذا. فالشاهد أنه صدق معه ولم يكذب. وكانوا يرون أن الكذب صفة ذميمة. وهكذا جاء الإسلام وأقر ذلك، وبين أن الكذب من كبائر الذنوب، أنه من كبائر الذنوب، وأنه صفة من صفات أهل النفاق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان». فالكذب في الحديث من صفات أهل النفاق. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على الصدق في الحديث ما استطاع إلى ذلك سبيلا، يحرص على الصدق ما استطاع إلى ذلك. وذلك بأن يصدق في السر والعلانية، كما قال بعض السلف: الصدق موافقة الحق في السر والعلانية. فتحرص على صدق الحديث وعلى اتباع الحق، سواء كان لك أو عليك. فإن كنت صادقا فإنك تتبع الحق. قال: وحفظ أمانة، هذه الصفة الرابعة من الصفات التي اجتمعت في الإنسان فقد وفق للخير العظيم. قال: وحفظ أمانة، أن تكون ممن يحفظ الأمانة، سواء كانت أمانة في الأقوال أو كانت أمانة في الأموال أو كانت أمانة في الأعراض أو كانت أمانة في الواجبات والفرائض. فحفظ الأمانة كذلك من الصفات المحمودة التي رغب وحث عليها الشرع. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الخيانة في الأمانة من صفات أهل النفاق، كما في حديث أبي هريرة: «إذا أؤتمن خان». فخيانة الأمانة من صفات المنافقين. والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فيجب على الإنسان أن يحرص على حفظ الأمانة، كما قلنا في الأقوال، كأن يخبرك إنسان بقول ويؤتمن عليه، فعليك أن تحفظ هذه الأمانة.