التعليقات على كتاب الأدب المفرد 84

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 84، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أصل تسمية الصوفية ونشأتهم

يتناول أصل تسمية الصوفية وبداية ظهورهم ولبس الصوف بين العباد والزُهّاد. ومع مرور الوقت، دخل أهل البدع في مسمى الصوفية وتحول المصطلح إلى علم على فرقة ضالة.

أحكام اللباس وتجمل المسلم

يناقش أهمية تجمل المسلم عند الزيارة واستقبال الوفود، مستشهدا بحديث جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

حكم لبس الحرير للرجال وتفاصيله

يشرح نهي النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن لبس الحرير، مع استثناءات لمن كان به حكة أو لبسه كان دون أربع أصابع، ويوضح حكم لبس الحرير الكثير والقليل.

ختام الدرس والإشارة إلى ما سيأتي

يختتم الدرس مع الإشارة إلى استكمال الحديث في درس لاحق، مع التعبير عن الرضا بقضاء الله تعالى.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، في باب من زار قوما فطعم عندهم: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا صالح بن عمر الواسطي، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: إنما هذه ثياب الرهبان، إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. قلنا: هذا الأثر صحيح إلى أبي العالية، وفيه أن أبا العالية قال لعبد الكريم أبي أمية، وهو قد لبس ثياب الصوف: إنما هذه ثياب الرهبان، يعني ثياب العباد. ثياب العباد، وكان لبس الصوف والتزيي بهذا الزي كثيرا عند من اشتهر بالعبادة والزهد، وكان أكثر ذلك في أهل البصرة. كان أكثر العباد والزهد هم من أهل البصرة، حتى أن كثيرا من القصص التي رويت عن بعض السلف أنه كان يغمى عليه عند قراءة القرآن، نحو ذلك، كان أكثر ذلك في أهل البصرة، كما أبان ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فقد تفرغوا، أو تفرغ كثير منهم للعبادة، وانقطعوا كذلك عن الدنيا. ومن ذلك أنهم كانوا يلبسون ثياب الصوف، وإليهم تنسب الصوفية، أول ظهور الصوفية. وكذلك انتشار هذا الاسم كان بعد القرون الثلاثة، وكانت النسبة إليه على الصحيح هي نسبة إلى لبس الصوف، نسبة إلى لبس الصوف. ولهذا يقال للواحد: الصوفي. وأما ما يقال: أنها نسبة إلى أهل الصفة، فليس هذا بصحيح، لأنه لو كان كذلك لقيل: صفي، ولا كذلك أيضا نسبة إلى الصفة، لأنه لو كان كذلك لقيل: صفوي. ولكن الصحيح أن نسبة الصوفية إلى الصوف، أي إلى لبس الصوف، كان هذا أول ظهورها. وأول من بنى دارا للصوفية هو أحد أصحاب عبد الواحد بن زيد، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، وهو من أصحاب الحسن البصري. ثم بعد ذلك دخل في مسمى الصوفية أهل البدع والأهواء، أهل البدع والأهواء، وصار علما على هذه الفرقة الضالة المنحرفة، وهي الصوفية التي من عقائدها الحلولية والاتحاد، وأن الله جل وعلا حال في كل شيء. وهكذا أيضا ما في عقائدهم من الشرك بالله سبحانه وتعالى، والسجود لغير الله، والذبح لغير الله، والاستغاثة بغير الله، وهكذا اعتقاد أن في الكون أقطابا وأوتادا ونجبا، إلى آخر ذلك، يتصرفون في الكون مع الله سبحانه وتعالى، إلى آخر ذلك من العقائد الكفرية. وهي أيضا تعتبر من فرق الباطنية، غلاة الصوفية باطنية من الفرق الكافرة. الذي يعتقد هذا الاعتقاد فهو كافر، الذي يعتقد أن الله حل في كل شيء، وأن كل شيء في الكون هو الله، أو يعتقد كذلك جواز صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، فهذا من الكفر بالله سبحانه وتعالى. والمراد هنا أن أبا العالية لما رأى عبد الكريم عليه هذه الثياب، وقد جاء يزوره، قال: إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا، أي ينبغي إذا زرت أخا لك أن تتجمل، وأن تلبس أحسن ثيابك. هذا كان الذي عليه المسلمون. كان النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي، يتجمل للوفود وللعيد، وهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، إذا أنعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان، فعليه أن يظهر هذه النعمة في ملبسه، وهكذا أيضا في أكله ومشربه، من غير إسراف ولا تبذير. قال رحمه الله: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن عبد الملك العرزمي، قال: حدثنا عبد الله مولى أسماء، قال: أخرجت إلي أسماء جبة من طيالسة، عليها لبنة شبر من ديباج، وإن فرجيها مكفوفان به، فقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يلبسها للوفود ويوم الجمعة. والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله، وهو في مسلم في صحيح الإمام مسلم. وقول عبد الله مولى أسماء: أخرجت إلي أسماء جبة، والجبة هي ثوبان بينهما قطع، ثوبان بينهما قطع. وقولها: من طيالسة، والطيالسة جمع طيلسان، والطيلسان قال صاحب معجم البلدان: إقليم واسع كثير البلدان والسكان من نواحي الديلم والخزر، يعني نسبة إلى بلد. وقولها: عليها لبنة، يعني رقعة في جيب القميص، شبر من ديباج، أي من حرير، يعني على هذه الجبة رقعة من حرير. قال: وإن فرجيها مكفوفان به، والمعنى أنه عطف بعضها على بعض. فقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يلبسها للوفود ويوم الجمعة. والمراد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتزين، كان يتزين ويلبس الثياب الجميلة، ومن ذلك هذه الجبة، كان يلبسها عليه الصلاة والسلام يلبسها للوفود، يعني لاستقبال الوفود الذين يفدون إليه ويقدمون إليه، فكان يستقبلهم بالثياب الطيبة، وهكذا يوم الجمعة، أي كان يتزين بها عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة. قال رحمه الله: حدثنا المكي وابن إبراهيم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن سالم بن عبد الله، قال: سمعت عبد الله بن عمر، قال: وجد عمر حلة استبرق، فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اشتري هذه والبسها عند الجمعة أو حين تقدم عليك الوفود. فقال عليه الصلاة والسلام: إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة. وأوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلل، فأرسل إلى عمر بحلة، وإلى أسامة بحلة، وإلى علي بحلة. فقال عمر: يا رسول الله، أرسلت بها إلي، لقد سمعتك تقول فيها ما قلت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تبيعها أو تقضي بها حاجتك. والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وقد مر معنا في أبواب مضت الكلام عليه. وفيه أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يخبر أن عمر وجد حلة استبرق، والحلة قال أهل اللغة: لا تكون إلا من ثوبين، هي عبارة عن ثوبين، وغالبا يكون إزارا ورداء، الإزار الذي يلبس في الأسفل مثل الفوطة، والرداء الذي يلبس في الأعلى، هذا يقال لها حلة. وقول حلة استبرق، والاستبرق نوع من أنواع الحرير. وجاء بعض الروايات: من ديباج، وفي بعضها: من سندس. وجمع الإمام النووي رحمه الله بين هذه الروايات بأن المراد أنها حلة من حرير، ولبس الحرير للرجال محرم، نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يلبس الرجال الحرير، كما في حديث عمر وعلي وابن عمر وغيرهم. أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أخبر عليه الصلاة والسلام أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. وأجاز النبي عليه الصلاة والسلام لبس الحرير لمن به حكة، الذي فيه جرب ونحو ذلك، ويشق عليه وتضرر بلبس الثياب، فأجاز له النبي عليه الصلاة والسلام أن يلبس الحرير. وهكذا أجاز عليه الصلاة والسلام لبس الرجال الحرير إذا كان دون أربع أصابع، إذا كان دون أربع أصابع. وعلى هذا يحمل في الحديث السابق الذي مر معنا في قول أسماء: عليها لبنة شبر من دباج، يعني من حرير، أن ذلك كان قليلا، كان دون أربع أصابع، فهذا لا يضر. إذا كان في الثوب قليل من الحرير، فهذا مما رخص فيه الشرع. وأما إذا كان أكثر من ذلك، فإنه لا يجوز، ويدخل في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن لبس الحرير. نقف إن شاء الله هنا، ونكمل الحديث في درسنا آخر، والله تعالى أعلم.