الدرس في ونبلوكم بالشر والخير فتنة، خطبة في مسجد التقوى بالشحر 24 صفر 1430هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدنيا دار اختبار وابتلاء للإنسان، حيث يتعرض للسراء والضراء والصحة والمرض وغيرها من التجارب. الله خلق الحياة والموت ليختبر عباده ويظهر الصادق من الكاذب في إيمانه.
الله يبتلي عباده ليميز بين الصادقين والمنافقين، وهذا الابتلاء دليل على محبته لهم إذا صبروا واحتسبوا. الصبر على الابتلاء يهدي العبد ويجعله أقرب إلى الله.
البلاء سبب لتكفير الذنوب ودخول الجنة إذا صاحبه صبر واحتساب. الصبر على البلاء له جزاء عظيم عند الله، ويكون طريقًا للعبد إلى نيل رضا الله ومحبته.
يتضمن المقطع دعاء لله بالتوفيق لما يحب ويرضى، ويطلب الصبر والاحتساب في الابتلاء. الدعاء يختم بالحمد لله رب العالمين على نعمه وفضله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا رحمكم الله أننا في دار ابتلاء وامتحان، نُبتلى بالسراء والضراء، وبالشدة والرخاء، ونُبتلى بالصحة والمرض، وبالغنى والفقر، ونُبتلى بالشهوات والشبهات، وبالسرور والفرح والأحزان، أمور تمر على العبد في هذه الدنيا، وأحوال يتقلب فيها الإنسان، ولابد له من ذلك. ثمانية لا بد منها على الفتى، ولا بد أن تجري عليه الثمانية: سرور وهم، واجتماع وفرقة، وعسر ويسر، ثم بؤس وعافية. هذه الأمور، عباد الله، لا بد أن يمر عليها العبد في هذه الدنيا. والله جل وعلا يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. فالله جل وعلا أخبر أنه يبتلينا بالشر والخير، يبتلينا بالمصائب، ويبتلينا بالمحن، ويبتلينا جل وعلا بالنعم. قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ قال: نختبركم بالشدة والرخاء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، ثم يكون مرجعكم إلى الله سبحانه وتعالى فيجازيكم بأعمالكم. وأخبر ربنا سبحانه وتعالى أنه خلق الموت والحياة لأجل أن يبتلي العباد في هذه الدنيا. قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. لم يقل ربنا جل وعلا: أيكم أكثر عملًا، ولكن قال: أيكم أحسن عملًا. وقال جل وعلا في كتابه الكريم، مبينًا أن هذه الحكمة من خلق السماوات والأرض: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم، مبينًا أن الحكمة من خلق الإنسان وإيجاده في هذه الدنيا هو لأجل الابتلاء والامتحان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. هكذا بين ربنا جل وعلا في هذه الآيات الحكمة العظيمة التي من أجلها خلق الله جل وعلا الخلائق في هذه الدنيا، لأجل الابتلاء ولأجل الامتحان. ولذلك خلق الله جل وعلا الأمور المتضادة لكي يمتحن ويبتل العباد، أيصبرون ويشكرون أم أنهم يجزعون ويكفرون. خلق الله جل وعلا الفقر والجوع، وهكذا الأسقام والأمراض والمصائب، وخلق الشياطين، وخلق المنافقين والكافرين، وخلق سبحانه الغنى والفقر، وخلق سبحانه الغنى والنعم والسرور والفرح، وخلق عز وجل الأنبياء والملائكة والصالحين والأتقياء، كل ذلك من أجل ابتلاء العباد وامتحان العباد في هذه الدنيا. ولذلك، عباد الله، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. فالله جل وعلا أخبر أن العباد مبتلون، وأنهم ممتحنون، ليعلم جل وعلا الصادق منهم من الكاذب، من كان صادقًا في إيمانه، ومن كان مدعيًا للإيمان غير صادق في ذلك. ولهذا كان أشد الناس بلاءً أنبياء الله سبحانه وتعالى، ثم أتباعهم، ومن كان في إيمانه قوة وفي دينه صلابة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتل الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه، وإن كان في دينه رقة خُفف عنه في بلائه». انظروا، عباد الله، كيف كان بلاء نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله سبحانه وتعالى وخير الخلق والبشر، كان بلاؤه عظيمًا. فقد أوذي عليه الصلاة والسلام من قومه، وكذلك لقي منهم عليه الصلاة والسلام ما لقي من أذية عظيمة. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين لما قسم النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم يوم حنين، فأعطى المؤلفة قلوبهم، أعطى عيينة من حصن مئة من الإبل، والأقرع بن حابس مثل ذلك، وآثر أناسًا من أشراف العرب، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، يتهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ظالم. قال: «إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله». فقال عبد الله بن مسعود: «والله لا أخبرن النبي صلى الله عليه وسلم». فأت النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره بذلك، فتغير وجهه عليه الصلاة والسلام حتى صار كالصرف، ثم قال: «من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ يرحم الله موسى، فلقد أوذي بأكثر من ذلك فصبر». ويوم أحد شج رأسه عليه الصلاة والسلام، وكسرت رباعيته، وهكذا يوم الطائف رمي عليه الصلاة والسلام بالحجارة حتى أدميت قدماه، وهكذا غير ذلك من الإيذاء العظيم الذي لقيه النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا أصحابه رضي الله تعالى عنهم، خير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، ابتلوا بلاءً عظيمًا، وأوذوا إيذاءً شديدًا من قبل أعداء هذا الدين. جاء في صحيح الإمام البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه قال: «شكونا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ مما لقينا من الكفار». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد كان فيمن كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له الحفرة، ثم يوضع فيها، ويؤتى بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه حتى يشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، لا يصده ذلك عن دينه. والذي نفسي بيده، ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». أوذوا رضي الله تعالى عنهم إيذاءً عظيمًا، أوذي عمار وأبوه ياسر وأمه سمية، ومصعبًا من عمير، وعبد الله بن حذافة، وكعب بن مالك، وهكذا بلال وصهيب وعائشة وغيرهم من المؤمنين، أوذوا في هذا الدين، وابتلوا بلاءً عظيمًا. وهكذا ما حصل لهم رضي الله تعالى عنهم من بلاءٍ عظيم في قتالهم مع النبي عليه الصلاة والسلام. كما قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقال جل وعلا عنهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وقال الله جل وعلا عنهم: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي بيَّن الله جل وعلا فيها ما حصل لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من البلاء الذي ابتلوا به. فإذا كان هذا، عباد الله، هو حال أنبياء الله عز وجل، وحال أصحابهم، فكيف بمن كان بعدهم؟ وكيف بمن كان دونهم؟ فلابد أن يُبتلى، ولابد أن يُمتحن، لابد لكل عبد أن يُفتتن في هذه الدنيا. والله جل وعلا يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. جعل الله جل وعلا كل إنسانٍ لاخيه فتنة. فالرسول فتنةٌ لمن أرسل إليهم، جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: إني مبتليك ومبتلي بك». أي للنبي عليه الصلاة والسلام: إني مبتليك بالرسالة، هل تقوم بتبليغها؟ وهل تصبر على الأذى في تبليغها والقيام بها؟ ومبتلي بك أقوامك، فهل يؤمنون بك أم يكفرون؟ وهل يطيعونك أم يعصون؟ فلذلك كان الرسول فتنةً لقومه. وهكذا أيضًا الغني فتنةٌ للفقير، إذا رأى الفقير الغني، هل يصبر على فقره ويرضى بقضاء الله جل وعلا وقدره له؟ والفقير فتنةٌ للغني، هل ينظر إلى هذا الفقير فيعطف عليه ويتصدق بما أمره الله سبحانه وتعالى؟ وهكذا القبيح فتنةٌ للحسن والعكس، والعالم فتنةٌ للجاهل والعكس، وهكذا سائر الأمور. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. كل ذلك، عباد الله، هو قضاءٌ من الله سبحانه وتعالى، وقدرٌ منه عز وجل. كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. قال ابن كثير رحمه الله: إن الله عز وجل قد خالف بين العباد في أرزاقهم، وفي صورهم وأشكالهم، وفي أخلاقهم ومساويهم، وفي محاسنهم، كل ذلك حكمة منه سبحانه وتعالى. كما قال عز وجل في الآية الأخرى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾. فالله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فهذا، عباد الله، ابتلاءٌ وامتحانٌ للعباد، لينظر ربنا سبحانه وتعالى من يصبر منهم ممن لا يصبر، ومن يرضى بقضاء الله عز وجل له ممن يسخط ذلك. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن ابتلاء الله سبحانه وتعالى لعبده في هذه الدنيا لا يدل على سخط الله جل وعلا على عبده إذا صبر العبد واحتسب، بل ذلك دليلٌ على رضى الله عز وجل عنه، وعلى محبته له. فقد جاء في سنن الإمام الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». فالبلاء دليلٌ على محبة الله لعبده إذا صبر على ذلك. وهكذا، عباد الله، هذا البلاء الذي يبتل الله به العبد سببٌ لهداية العبد وحصول الخير له. قال الله جل وعلا: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. البلاء، عباد الله، سببٌ لتكفير الخطايا والذنوب. جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا نصبٍ ولا همٍ ولا حزنٍ ولا أذىً ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». انظر، يا عبد الله، ما أعظم هذا الجزاء الذي تُجازى به إذا صبرت على ما ابتلاك الله عز وجل به. وفي الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على امرأةٍ وهي تدفدف من الحمى، فقال لها عليه الصلاة والسلام: «ما لكِ تُدَفْدِفين؟» قالت: الحمى، لا بارك الله فيها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد». انظروا، عباد الله، إلى هذه النعمة العظيمة التي جعلها الله عز وجل في ابتلاء عباده، تُبتلى بالمصيبة وتُبتلى بالمرض، فتصبر، فيكون سببًا في تطهيرك من الذنوب، وفي تطهيرك من الخطايا. وجاء في الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن أعرابيًا أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل أخذتك أم ملدم؟» قال: وما أم ملدم؟ قال: «حرٌ يكون بين الجلد واللحم». أي: الحمى. قال: لا. قال: «هل صدعت؟» قال: وما الصداع؟ قال: «وجعٌ يضرب في الرأس أو ريحٌ تقع على الرأس فتضرب العروق». قال: لا. فلما قام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من سره أن ينظر إلى رجلٍ من أهل النار فلينظر إلى هذا». انظروا، عباد الله، كيف أن هذه المصائب والأمراض تكفر الخطايا من العبد حتى تكون سببًا في دخوله الجنة. فلذلك كان من فوائد هذا البلاء إذا صبر عليه العبد أنه يورثه الجنة. جاء في صحيح الإمام البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -يعني عينيه- فصبر، عوضته منهما الجنة». أن يكون جزاء هذا البلاء الفوز بالجنة. وجاء كذلك في البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: ما لعبدي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب إلا الجنة». ما لعبدي جزاء إذا قبضت صفيه -يعني من يحبه من أولاده- إذا قبضه الله فمات، فصبر واحتسب، كان ذلك سببًا أن يكون جزاء صبره واحتسابه جنة الله جل وعلا. فانظروا، عباد الله، إلى هذا الثواب العظيم، وهذا الجزاء الجزيل الذي جعله الله لمن صبر على ابتلائه وامتحانه. وهكذا قد يبتل الله جل وعلا عباده لينظر من يشكر نعمته ومن يكفر نعمته، فيكون الرضاء للشاكر، ويكون السخط على الجاحد. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كان ثلاثة من بني إسرائيل: أعمى وأقرع وأبرص، أراد الله أن يبتليهم، فأرسل إليهم ملكًا». فأت الأبرص فقال: «أي شيء أحب إليك؟» قال: لون حسن وجلد حسن، وأن يذهب عني هذا الذي قذرني الناس. قال: «فمسحه، فأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا». قال: «فأي المال أحب إليك؟» قال: الإبل. فأعطي ناقة عشراء، ثم قال: «بارك الله لك فيها». ثم أتى الأقرع فقال: «أي شيء أحب إليك؟» قال: شعر حسن، وأن يذهب عني الذي قذرني الناس. فمسحه، فأعطي شعرًا حسنًا. قال: «فأي المال أحب إليك؟» قال: البقر. فأعطي بقرة حاملة، ثم قال: «بارك الله لك فيها». ثم أتى الأعمى فقال: «أي شيء أحب إليك؟» قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره. قال: «فأي المال أحب إليك؟» قال: الغنم. فأعطي شاة والدة. قال: «فأنتج هذان وأولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولذاك وادٍ من الغنم، ولذاك وادٍ من البقر». ثم أتاهم الملك في صورهم، فأتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال له رجل مسكين: «قد انقطعت بي الحبال، فلا بلاغ لي إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن بعيرًا أتبلغ به في سفري». فقال: «إن الحقوق كثيرة». قال: «ألم تكن أبرص يقدرك الناس وفقيرًا فأعطاك الله؟» قال: «إنما ورثت هذا كابرًا عن كابر». ثم قال: «إن كنت كاذبًا سيرك الله إلى ما كنت». أي: أرجعك الله إلى حالتك التي كنت عليها من البرص والفقر. ثم أتى الأقرع فقال له مثل ما قال للأول، ورد عليه بمثل ما رد عليه الأول. فقال: «إن كنت كاذبًا سيرك الله إلى ما كنت». ثم أتى الأعمى فقال: «رجل مسكين، إن قطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك غنمة أو شاة أتبلغ بها في سفري». قال: «لقد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، وفقيرًا فأعطاني الله، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فلا أجهدك اليوم بشيء». أخذها لله عز وجل. فقال له الملك: «أمسك عليك مالك، ولقد ابتليتم، فرضي الله عنك، وسخط على صاحبيك». انظروا، عباد الله، انظروا كيف يكون جزاء الابتلاء للعبد إذا صبر وشكر، وكيف يكون الجزاء إذا كفر وجحد نعمة الله سبحانه وتعالى. فلذلك ينبغي عليك، أيها المسلم، أن تصبر على ما ابتلاك الله جل وعلا به، وأن تنظر في هذا الجزاء والأجر الذي جعله الله سبحانه وتعالى لمن صبر، فيكون ذلك تسلية لك في صبرك على بلائك، وعلى ما قدره الله سبحانه وتعالى لك. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من عباده الصابرين المحتسبين، إن ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.