المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبي عبدالله صالح الشرفي، والتي كانت بمسجد الروضة بمنطقة قصيعر يوم السبت 7 شوال 1446هـ الموافق 5 أبريل 2025م ألقاها منوع
يبرز المقطع عظمة العلم وأهله مستنداً إلى آيات وأقوال السلف التي ترفع مكانة العلماء كحماة للشريعة ومنار للهدى. ويؤكد أن صلاح الدنيا والدين مرهون بوجودهم وجهودهم في تعليم الجاهلين ونصرة الحق.
يسرد المقطع نماذج من علماء السلف كالبخاري والشافعي وابن حجر الذين بذلوا المال والوقت والصحة في طلب العلم وتدوينه. وتظهر كيف أن هممهم العالية حفظت الدين للأمة عبر الأجيال.
يحذر المقطع من خطورة فقد العلماء وضياع العلم داعياً أهل السنة للاجتهاد في تحصيله وتدوينه ونشره. ويرى أن ذلك يرفع شأن الدعوة ويحفظ الدين من الانحراف.
يختتم المتحدث بدعاء الله أن يبارك في جهود الدعاة من أهل السنة والجماعة ويصرف عن الأمة الفتن ظاهرة وباطنة. ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهره، العليم بحال عبده، سره وجهره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نؤمن بقضائه كله، خيره وشره، وحلوه ومره. ونشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، جاهد في الله حق جهاده طول عمره ووقته، وعلى آله وصحبه ما جاد السحاب بقطره وطل ربيع بزهره، وسلم تسليمًا كثيرًا. أيها الإخوة الحاضرون، جزى الله المشايخ والدعاة خيرًا على هذا الاجتماع المبارك، والذي أتاه الدعاة إلى الله، طلاب العلم، من مناطق متعددة متباعدة، كل ذلك محبة للدعوة إلى الله عز وجل وحرصًا على اجتماع كلمة أهلها وأربابها. وأجزى الله أخانا الشيخ نبيلًا على الجهود التي بذلها مع إخوانه الدعاة في هذه المديرية الطيبة بأهلها إن شاء الله تعالى. سمعنا في كلمات المشايخ الكلام النافع والكلام الماتع الذي يفرح الخاطر ويسر الناظر، وكما قيل: لا عطر بعد عروس، ولكن طالما أنه قد طُلِب منا أن نتكلم في هذا المقام، فنحب أن نذكر أنفسنا وإياكم بفضل العلم والعلماء. فلو لا العلم والعلماء ما حصل هذا الخير العظيم وهذا النفع العميم. العلماء، كما قال يحيى بن معاذ الرازي: «هم أرحم الناس بأمة محمد». وقال الإمام المزني رحمه الله: «إن الله رحم هذه الأمة بالإمام أحمد رحمه الله تعالى». العلماء، العلماء، أعلى الله قدرهم ورفع شأنهم، وقرن شهادتهم بشهادته في أجل مشهود: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال القرطبي رحمه الله: «هذه الآية فيها دليل على شرف العلماء وفضل العلم». العلماء زوامل الإسلام وأئمة الأنام، والحافظون للأحكام، والناشرون للحلال والحرام. حياتهم غنيمة وموتهم مصيبة، سرج البلاد ومنار العباد، حماة الشريعة وحراس العقيدة، مصابيح الهدى وقناديل الدجا. العلماء صمام أمان للبلاد والعباد. رأيت العلم صاحبه شريف *** وإن ولدته آباء لآم وليس يزال يرفعه *** إلى أن يعظم قدره القوم الكرام ويتبعونه في كل أمر *** كراع الظأن تتبعه السوام ويحمل قوله في كل أفق *** ومن يكو عالما فهو الإمام فلولا العلم ما سعدت نفوس *** ولا علم الحلال ولا الحرام فبالعلم النجاة من المخازي *** وبالجاهل المذلة والرغام قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: «كل صلاح في الوجود فسببه العلماء، كل صلاح في الوجود سببه صفوة الأولياء وورثة الأنبياء. ما الفضل إلا لأهل العلم، أنهم على الهدى لمن استهدى دلاه، وقدر كل امرئ ما كان يحسنه، والجاهلون لأهل العلم أعداء». العلماء، كما قال الإمام أحمد: «هم الأمراء». وقال: «لولا العلماء لصار الناس كالبهائم». العلماء الذين يعلمون الجاهل، ويذكرون الغافل، وينصرون المظلوم، ويردعون الظالم. العلماء الذين جعلهم الله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فشأنهم حفظ الآثار، وكتابة الأخيار والأخبار، وتخطّي الفيافي والقفار. الرسول فئتهم، والكتاب عدتهم، دين النبي محمد أخبار. نعم المطية للفتى الآثار. لا ترغبن عن الحديث وأهله، فالرأي ليل والحديث نهار. ولربما جاهل الفتى أثر الهدى والشمس بازغة لها أنوار. أولئك العلماء الذين صبروا وتحملوا المشاق في تحصيل العلم وتدوينه وكتابته. هذا الإمام البخاري رحمه الله، إمام الدنيا، قال: «لما خرجت إلى آدم بن أبي إياس، أبي الحسن العسقلاني، شيخي، فَفَنِيَتْ نَفَقَتِي، فأكلت الحشيش أكل العشو» عندما خرج إلى شيخه آدم بن أبي إياس العسقلاني. وهذا أبو زرعة الرازي، عبيد الله بن عبد الكريم، الحافظ الذي كان يحفظ مئتي ألف حديث، قال: «بعت ثيابي لأعطي الوراق أجرة نسخ كتب الإمام الشافعي». الذي يطيق هذا الصبر وهذا التحمل في تحصيل العلم، الإمام الشافعي، كما ذكر ابن أبي حاتم في مناقبه، قال: «أفلست ثلاث مرات». علماء جهابذة، حفاظ أكابر، تحملوا المتاعب حتى يحفظ لنا دين الله عز وجل. فصدق فيهم كلام الإمام الذهبي: «لو لا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر». هؤلاء العلماء كانت عندهم همم عالية، عندهم هذه الهمم الخاطرة والفاترة كما هو حالنا في هذه الأيام. كم كتبنا وكم حفظنا وكم قرأنا وكم ألفنا؟ انظروا إلى همة السلف. انظروا إلى عبد الله بن محمد البغدادي الفقيه، طالع المغني لابن قدامة ثلاثًا وعشرين مرة. من يطيق أن يقرأ المغني لابن قدامة ثلاثًا وعشرين مرة؟ هل عنده همة؟ ها في مغني ابن قدامة يقرأه ثلاثًا وعشرين مرة. سبحان الله! الحافظ ابن حجر قرأ صحيح الإمام مسلم في أربعة مجالس، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس، وقرأ معجم الطبراني الصغير ما بين الظهر والعصر، وألف نخبة الفكر في حال السفر، وبعده في النخبة في علم الأثر مختصر، يحبذ من مختصر ألفها الحافظ في حال السفر، وهو الشهاب بن علي بن حجر. طالعتها يومًا من الأيام، يقول الصنعاني: فاشتقت أنها وديعة نظامي *** فتم من بكرة ذاك اليوم إلى المساء عند وفود النوم واجتملا *** على الذي حواه فالحمد للرحمن لا سواه وابن القيم رحمه الله ألف زاد المعاد في حال سفره، وأتى فيه بالعجائب والغرائب والبدائع، حقق المسائل العلمية تحقيقًا شريفًا منيفًا. طار إلى الذهبي، إلى أبي عبد الله الذهبي، ألف تاريخ الإسلام في أربعين ألف ترجمة، وألف سير أعلام النبلاء في أربعين طبقة، حتى قال السبكي تلميذه، مع أنه من خصومه وأعدائه: «قال وهو شيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل». ذهبي رحمه الله، قال السبكي: «كأن أمة محمد عرضت عليه فصار يتكلم عليها رجلًا رجلًا، تكلم في الشيخ وتلاميذه وشيوخه وكتبه وما قيل فيها ويعلق عليها». حتى سأل ابن حجر لما شرب ماء زمزم أن يبلغه الله رتبة الحافظ أبي عبد الله الذهبي. وقال فيه: وإن تغب شمس الدين فلا عجب *** وأي شمس رأيناها ولم تغب هو الإمام الذي روت روايته *** وطبق الأرض من طلابه النجوب ثبت خبير حافظ يقض في النقل *** أصدق أنباء من الكتب همم ابن عساكر، ألف تاريخ دمشق عندما قال له بعض المحدثين: «انتبه، لا يذهب علمك، لا يذهب علمك»، فقام ودوّن تاريخ دمشق في ثمانين مجلدًا، ثمانين مجلدًا. وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، الذي قال: «ما صاحبت لعابًا»، وكان يخلط الماء بالدقيق ويقول: «لا يحل لي أن تضيع ساعة في غير العلم»، ألف كتاب الفنون في أكثر من خمسمائة جزء. تكلم على أناس أصحاب همم عالية، ما هو حالهم كحالنا في هذه الأيام؟ يلا، الواحد يتلو الأربعين النووية ويتعتع في عمدة الأحكام ويضيع في بلوغ المرام. أما هؤلاء الحفاظ فقد أعطاهم الله جل وعلا سعة الاطلاع وسعة المعرفة. فللهذا يا أهل السنة، يا أهل الحديث، يا مرح الأرض، اجتهدوا في تحصيل العلم وفي تدوينه وفي طلبه. لا تكتفوا بما عندكم، فإنه كلما زاد العلم في الدعوة كلما زاد خير الدعوة، وكلما وثق الناس بالدعاة من أهل السنة والجماعة، وكلما نقص العلم في الدعوة كلما ضعفت فأثّرت الدعوة في نفوس الناس. نجتهد في تحصيل العلم وفي نشره وبثه. كان الإمام الزهري رحمه الله يقول: «ما بث أحد العلم ولا نشره كنشر». وكان الشافعي يقول للربيع بن سليمان المرادي: «لو استطعت أن أطعمك العلم لأطعمتك إياه». وكان ابن عباس يربط عكرمة بالكبل على السارية، وذلك من فرط وشدة محبته لهذا التلميذ. فنحن نسابق الآجال والأنفاس، نجتهد في تحصيله، نجتهد في نشره وتدريسه. العلم، كما قال ابن القيم رحمه الله: «يرفع المملوك إلى درجة الملوك». سبحان الله، العلم يرفع المملوك إلى درجة الملوك. كان الأعمش رحمه الله يقول: «لو كنت بقالا لقد ذرني الناس». وقال الشافعي: «لولا أصحاب الحديث لكنا نبيع الفهم، لولا أصحاب الحديث لكنا مع الفوالة». هؤلاء ليبيعون الفهم، ما لهم ذكر حسن، لكن لما امتن الله عليهم بالانتساب إلى أهل الأثر، إلى أهل الحديث، رفع الله جل وعلا لهم ذكرهم وقدرهم، وها نحن ذا نذكرهم في مجالسنا وفي دروسنا. موت التقي حياة لانقطاع لها *** قد مات قوم وهم في الناس أحياء العلم يتناقص لموت أهله. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء، وإنما يقبضه في قبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». قال الحافظ ابن حجر: «وفي هذا الحديث دليل على الحث على حفظ العلم». لهذا موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء، ما خلف الليل النهار. نكتفي بهذا القدر من الكلام، ونسأل الله جل وعلا أن يحفظ علينا ديننا وأمننا وإيماننا. أسأله جل وعلا أن يبارك في جهود إخواننا من الدعاة إلى الله من أهل السنة والجماعة. أسأله جل وعلا أن يبعد عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.