الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 45

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 45

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 45، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تأييد عيسى بن مريم بروح القدس ودلالاته

شرح ابن تيمية لتأييد عيسى بن مريم بروح القدس، وبيان أن روح القدس هو جبريل عليه السلام. وتأييد الله تعالى لحسان بن ثابت بروح القدس عند دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

عموم تأييد الله لأنبيائه بروح القدس

تأييد الله لأنبيائه بروح القدس ليس خاصًا بالمسيح، بل هو عام لجميع الأنبياء، واستدلال بآيات قرآنية على ذلك. وتفنيد تفسير النصارى لروح القدس.

معنى روح القدس في القرآن الكريم وتفسيره

روح القدس يطلق على جبريل أو على الوحي الذي نزل به، وليس صفة لله أو اللاهوت. وذكر القرآن لذلك في عدة آيات.

أهمية الإنصاف في التعامل مع الدين الإسلامي

ضرورة الإنصاف عند الحديث عن الدين الإسلامي وتجنب الخوض في الأمور التي لا أصل لها. وعدم الادعاء بوجود ممارسات باطلة في الإسلام دون أساس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصلاً، وأما قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، هنا وصلنا، قال: فهو حق كما أخبر الله به. وقد ذكر تعالى تأييد عيسى بن مريم بروح القدس في عدة مواضع، فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَقَاتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَقَاتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾. وقال تعالى في القرآن: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا﴾. قال: فروح القدس الذي نزل بالقرآن من الله، والروح الأمين وهو جبريل. وثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس». والحديث في الصحيحين، كما أشار، قالوا: في صحيح مسلم وغيره، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله». وفي الصحيحين، يعني البراء بن عازب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «وهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك». قال: فهذا حسان بن ثابت، واحد من المؤمنين، لما نافح عن الله ورسوله وهجى المشركين الذين يكذبون الرسول، أيده الله بروح القدس، وهو جبريل عليه السلام. وأهل الأرض يعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن يجعل اللاهوت متحدًا بناسوت بناسوت حسان بن ثابت، فعلم أن إخباره بأن الله أيده بروح القدس لا يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت، فعلم أن التأييد بروح القدس ليس من خصائص المسيح. وأهل الكتاب يقرون بذلك، وأن غيره من الأنبياء كان مؤيدًا بروح القدس، كداود وغيره. بل يقولون: إن الحواريين كانت فيهم روح القدس. وقد ثبت باتفاق المسلمين واليهود والنصارى أن روح القدس يكون في غير المسيح، بل في غير الأنبياء، كما سيأتي إن شاء الله. وإنما المقصود في هذا المقام بيان كذبهم على محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا التأييد نظير قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾. فهذا التأييد بروح منه عام لكل من لم يحب أعداء الرسل، وإن كانوا أقاربه، بل يحب من يؤمن بالرسل، وإن كانوا أجانب، ويبغض من لم يؤمن بالرسل، وإن كانوا أقارب. وهذه ملة إبراهيم. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقال: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: وهذا التأييد بروح القدس لمن ينصر الرسل عام في كل من نصرهم على من خالفهم من المشركين وأهل الكتاب، كما تقدم. وليس في القرآن ولا في الإنجيل ولا غير ذلك من كتب الأنبياء أن روح القدس الذي أيد به المسيح هو صفة الله القائمة به، وهي حياته، ولا أن روح القدس رب يخلق ويرزق. فليس روح القدس هي الله، ولا صفة من صفات الله. بل ليس في شيء من كلام الأنبياء أن صفة الله القائمة به تسمى ابنا ولا روح القدس. فإذا تأول النصارى قول المسيح: «عمد الناس باسم الآب والابن وروح القدس» على أن الابن صفته التي هي العلم، وروح القدس صفته التي هي الحياة، كان هذا كذبًا بينًا على المسيح. فلا يوجد قط في كلامه ولا كلام غيره من الأنبياء تسمية الله ولا شيء من صفاته ابنا ولا حياته روح القدس. وأيضًا، فهم يذكرون في الأمانة أن المسيح تجسد من مريم ومن روح القدس. وهذا يوافق ما أخبر الله به من أنه أرسل روحه الذي هو جبريل، وهو روح القدس، فنفخ في مريم فحملت بالمسيح، فكان المسيح متجسدًا مخلوقًا من أمه ومن ذلك الروح. وهذا الروح ليس صفة لله، لا حياته ولا غيرها. بل روح القدس قد جاء ذكرها كثيرًا بكلام الأنبياء، ويراد بها إما الملك، وإما ما يجعله الله في قلوب أنبيائه وأوليائه من الهدى والتأييد ونحو ذلك. كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ يَلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾. فسمى الملك روحًا، وسمى ما ينزل به الملك روحًا، وهما متلازمان. والمسيح عليه السلام مؤيد بهذا وهذا. ولهذا قال كثير من المفسرين: إنه جبريل. وقال بعضهم: إنه الوحي. وهذا كلفظ ناموس، يراد به صاحب سر الخير، كما يراد بالجاسوس صاحب سر الشر، فيكون الناموس جبريل، ويراد به الكتاب الذي نزل به، وما فيه من الأمر والنهي والشرع. ولما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: «هذا الناموس الذي كان يأتي موسى»، فسر الناموس بهذا وهذا، وهما متلازمان. جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في الرد على شبهتهم في أن معنى روح القدس ليس هو اللاهوت الذي يزعمون أحيانًا أنه الله، أو يزعمون أحيانًا أنه صفة من صفات الله، وأن هذا غير منقول لا في شيء مما أنزل على الأنبياء، ولا كذلك قثر في دين الإسلام. لأنهم، كما سبق، ربما استدلوا ببعض الآيات كذبًا وزورًا. ثم بيّن رحمه الله تعالى من أدلة القرآن، وأنه كذلك فيما أنزل على اليهود والنصارى، وهو متقرر عندهم، أن روح القدس يطلق على جبريل، ويطلق على الوحي الذي نزل به جبريل، وكل المعنيين يصح في حق المواضع التي ذكر فيها روح القدس في حق عيسى عليه الصلاة والسلام، كما أشار إليه رحمه الله. ثم ذكر عددًا من الأدلة التي تدل أن روح القدس ليس المراد به إلا أحد هذين المعنيين، إما جبريل عليه الصلاة والسلام، أو ما بعث به من الوحي. ثم ذكر رحمه الله تعالى في ثنايا ذلك ما ينبغي أن يكون من الإنصاف في هذا الباب، وعدم الخوض فيما لا أصل له، وما ليس له كذلك معنى ثابت لا في دين الإسلام ولا في غيره من الأديان، حتى يزعم أو يزعم زاعم، ويدعي مدعي أن ما هم عليه من باطل موجود في دين الإسلام، أي إقراره وتأكيده كما زعمه، وهذا باطل كما بيّنه رحمه الله.