الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 52، الدرس الثاني والخمسون:من( ومن الفروق الصحيحة:التفريق بين القذف بالزنا ... وحكم القاضي يرفع الخلاف وإفتاء المفتي لا يرفعه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس الفروق بين العقود الباطلة والفاسدة وبين القذف والرمي بالكفر أو الفسوق. يوضح أن الحدود تعلم بالأدلة الشرعية بينما التعازير تكون لما لم يحدد فيه شرعًا حد معين.
يناقش التفريق بين القذف واللعان وبين الذبح والصيد، ويوضح شروط الصيد بالجوارح المعلمة. يبين أن اللعان يطبق عند اتهام الزوج لزوجته وأن هناك طرقًا متعددة لحل الصيد.
يتناول الفروق بين القاضي والمفتي في تطبيق الأحكام الشرعية ويناقش عدم جواز شهادة القاضي لنفسه. يوضح أن القاضي يلزم بالحكم بينما المفتي يبين الحكم دون إلزام، وأن شهادة القاضي لنفسه غير جائزة استنادًا للأدلة الشرعية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ذكروا شيئًا من الفروق والتقاسيم الصحيحة، ومن ذلك التفريق بين العقود الباطلة والعقود الفاسدة، وأن العلماء فرقوا في بابي النكاح والحج. هذا أخذنا، في النكاح فرقوا ما الفرق بين الفاسد والباطل؟ الفاسد لابد له من فسخ، وهل نستفيد من هذا شيء في مسائل الفتوى؟ نعم، إذا علمنا أن الباطل يفرق من دون فسخ والفاسد المختلف فيه يحتاج إلى فسخ. فلا نعرض عن التبعات، يعني لا نقول هذا القول راجح وهذا مرجوح، إذن خلاص أنا أقول بالراجح ولا أبالي بالقول المرجوح. العلماء نظروا إلى تبعات القول المرجوح، فالفاسد عندهم هو مثل الباطل، لكن لأن أناس ممن ينتسب إلى العلم يقولون به، فماذا صنعوا؟ قالوا: لابد من الفسخ حتى لا يأتي آتي ويقول قائل: هذا النكاح الجديد باطل لأنه مبني على نكاح لم يحصل فيه فسخ. فمثل هذه القضايا كثيرة في أبواب النكاح والطلاق، وكذلك النسب والرضاع والحضانة والجنايات، وكذلك الفرائض وغيرها من أبواب الفقه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة التفريق بين القذف بالزنا، فيوجب ثمانين جلدة أي على القاذف، وبين رميه بالكفر أو الفسوق، فيوجب التعزير؛ لأنه في الأخير يتمكن من تكذيبه الرامي له دون الأول. والمعنى أن رميه بالكفر والفسوق يكذبه الواقع والشهود العدول والحس وحال الإنسان قبل وحين وبعد هذا الرمي، بخلاف القذف بالزنا فإنه شيء غيبي، ما أحد يدري هل هذا حصل أم لم يحصل، فلهذا جعل فيه حد. وهذا التفريق أولًا من الناحية الفقهية يفيدنا الفرق بين الحدود وبين التعزير. وقد ذكر العلماء في كتاب الحدود والجنايات أشياء مما يتعلق بذلك، وهذا تفصيله في كتب الفقه. لكن هنا نأخذ قواعد نستفيد منها أشياء تصل بها إلى نظائرها من المسائل، فنستفيد بهذا أولًا أن الحدود تعلم بالأدلة الشرعية، والتعازير ما لم يكن فيه حد شرعي. وكذلك نستفيد من هذا التعليل في قوله: «لأنه في الأخير يتمكن من تكذيب الرامي له دون الأول»، أن كل ما كان فيه هذا المعنى فهو يكون فيه التعزير، وما كان بمعنى الأول فإنه يكون فيه الحد. قال: وكذلك التفريق بين قذفه لزوجته بالزنا إذا لم يقم أربع من الشهداء، أنه يدفع عنه الحد أو التعزير بلعانه لحاجته إلى رمي زوجته لنفي الولد ولإفساد فراشه، وبين رميه لغيرها فلا ينفع فيه اللعان. والمعنى أن رمي المرأة ينقسم إلى قسمين: إن كانت زوجة ففيه حكم اللعان على ما هو معلوم تفصيله في كتب الفقه، ودلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وإذا كان لامرأة غير زوجة فإنه يكون فيه حكم القذف إذا لم يأتي بالشهداء، فلا ينفع فيه حكم اللعان. والسبب في ذلك هو أن المتهم لزوجته يدنس عرضه وينفي ولده، وفي الغالب ليس أحد يفعل مثل هذا، فلأجل ذلك جعل حكم اللعان. قال: ومن الفروق الصحيحة التفريق بين الذبح والصيد بتوسيع طرق حل الصيد لعدم القدرة عليه، فيحل الصيد بإصابته في أي موضع من بدنه، لكن بالشرط الشرعي، يعني إن كان بشيء يرمى فما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا كما قال عليه الصلاة والسلام. وما كان بحيوان معلم، وما كان بحيوان مرسل، فمن شرطه أن يكون الحيوان معلمًا، وأن يذكر اسم الله عليه، وأن يوجد ثالثًا للأمرين في غير مضنة الموت بغير المرسل، سواء أكان سهما يرمى به أو حيوان أرسل طير أو سبع أو كلب أو غيره. قال: وبصيدها بالجوارح من الكلاب والطيور المعلمة بشروطها، يعني التي ذكرها العلماء كما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، سواء شروط المرمي به أو شروط الكلاب والطيور المعلمة. وفي هذا حديث كثير كحديث عدي بن حاتم وغيره. قال: واعتبر هذا المعنى في الحيوانات الأهلية إذا نفرت وكانت كالوحشية، فيصير حكمها حكم الوحشية. ويدل عليه ما ثبت أن جملًا نفر عن أهله فاستصعب على الناس وخافوه فرموه فقتلوه، فأقرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبين لهم أنها يصيبها شيء من أوابد الوحش، فما كان منها كذلك فليفعل به هكذا، يعني يعامل معاملة الصيد فيقتل ولو من بعد بغير دبح. فاستدل به العلماء أن الحيوان الأهلي إذا نفر أو خيف عليه، فيجوز أن يصاد، مثلا الجمال أحيانا تهيج وأحيانا هيجانها يكون ضارا جدا، فإذا هاجت وأضرت ضررا عظيما ولم يستطيع دفع ضررها إلا بقتله فيقتل بشيء يحل مثله الصيد فيحل كذلك كما يحل الصيد ولو لم يذبح. قال: وعكسها الوحشية إذا كانت مقدورا عليها فلا تحل إلا بالذبح. فإذا استدت ضبيا فصار الضبي في البيت معك مع الغنم، هل يجوز وهو عندك في البيت أن ترميه بالرصاص وتقول بسم الله؟ هذا صيد، الجواب لا، ما يجوز لأنه الآن مقدور عليه، فما دام مقدور عليه فلابد من دبحه. قال: كل هذا رعاية للقدرة أو عدمها والله أعلم، وهذا التفريق صحيح دلت عليه الأدلة كما سمعتم، وقس عليه نظائر ذلك في أشياء كثيرة قد يختلف فيها بعض الناس. قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الفرق بين القاضي والمفتي، أن القاضي يبين الأحكام الشرعية ويلزم بها، والمفتي يبين ولا يلزم. هذا الفرق الأول. قال: والمفتي يفتي في المسائل المتنازع فيها وفي غيرها، ويفتي لنفسه ولغيره، والقاضي لا يقضي إلا لفصل النزاع، ولا يقضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له، ولا على عدوه. قال: والقاضي لا يقضي بعلمه إلا فيما أقر به في مجلس حكمه، وفي عدالة الشهود وفسقهم، والمفتي بخلاف ذلك. وحكم القاضي يرفع الخلاف، وإفتاء المفتي لا يرفعه. أول هذه الفروق قال: أن القاضي يبين الأحكام الشرعية ويلزم بها، والمفتي يبين ولا يلزم. ولهذا أدلة، فالمفتي يبين «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»، ولا يلزم؛ لأنه مفتي يسأل السائل فيعطيه الحكم. وأما القاضي فهو بمثابة ولي الأمر الذي أمر شرعا أن ينفذ حكم الله وأن يحكم بينهم بما أنزل الله، «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك»، وهكذا كذلك الآيات والأدلة في هذا كثير في الأمر بإمضاء حكم الله من ولي الأمر ومن ينوبه. فالقاضي يبين الأحكام الشرعية ويلزم بها، يبين ويلزم بالحكم. ولذلك فإن الحد إذا وصل إلى القاضي فإنه لا يسع القاضي أن يتركه، كما ثبت في الصحيح في قصة الرجل الذي سرق الشملة، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعفو المسروق لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم، وبيّن أنه هل كان هذا قبل أن يصل إليه، يعني ما دام وصل إليه فلا يسع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يقيم الحد. الثاني قال: ولا يقضي لنفسه، القاضي لا يقضي لنفسه؛ لماذا؟ لأنه ينافي ما سبق معنا قبل قليل من الأدلة الشرعية في عدم ما يكون فيه محاباة للنفس. فإن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تقبل شهادة القريب لقريبه والعدو على عدوه ذي الضغنة، ومن هو محل التهمة فإنه لا تقبل شهادته، فكذلك من باب أولى قاس العلماء شهادة القاضي أو قضاء القاضي لنفسه. ونكتفي بهذا ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.