الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يؤكد هذا المحور على أهمية أدب طلب العلم ووجوب تلقيه عن المشايخ المعتمدين، مبيناً أن العلم لا يُنال إلا بالتعلم الصحيح ولا يقتصر على الكبار سناً. كما يفسر حديث «يلتمس العلم عند الأصاغر» بأن المراد بهم أهل البدع لا صغار السن.
يوضح المقطع أن العلم قد يُرزق للصغير كما حدث مع ابن عباس، مع التحذير من آفات الشباب كالعجلة والطيش. ويؤكد على أهمية التواضع والاجتهاد في طلب العلم مبكراً والأدب مع العلماء كما فعل ابن عباس مع زيد بن ثابت.
يشدد المحور على ضرورة التواضع والصبر والإخلاص في طلب العلم، مبيناً أن العلم لا يُنال بالكبر بل بالذلة. ويبين أن قيمة الإنسان تكمن في قلبه ولسانه اللذين هما سبب السعادة أو الشقاء، مستشهداً بالأحاديث الدالة على خطورة اللسان وسلامة القلب.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، داعياً بالبركة عليهم. ويعد هذا الختام تكملة لأدب العالم وطالب العلم في مجالس العلم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في منظومة أبي علي اللؤلؤي، أو منظومة الخليفة المأمون، رحمهم الله تعالى جميعاً. قدمنا الكلام على أن هذه المنظومة من أحسن ما نظم في أدب التعلم وأدب التفقه. تنسب إلى أبي علي الحسن بن زياد اللؤلؤي، صاحب أبي حنيفة، المتوفى سنة مئتين وأربعة للهجرة. وتنسب أيضاً، كما قدمنا أمس، للخليفة المأمون، وهو عبد الله بن هارون الرشيد، رحمهم الله تعالى جميعاً. وكان مهتماً بالعلم، عالماً فصيحاً مفوهاً. ومن زلاته أن دعا إلى خلق القرآن، وبالغ في هذا، نسأل الله العافية والسلامة. كل امرئ بما كسب رهين، ونسأل الله أن يتجاوز عنه وعننا وعن جميع المسلمين. وهذه المنظومة في أدب الطلب؛ فإن العلم له أدب، وهذا الطريق له سبيل. فمن سار مع العلم بأدب أدب الطلب نال ما طلب، ومن طلب العلم بلا أدب لم يوفق في الطلب. واليوم في هذا الزمان، من أعظم ما فقد: الأدب في طلب العلم، إلا من وفقه الله جل جلاله. فكانت قراءة هذه المنظومات كالتسلية والتبصرة والإنارة لسبيل طالب العلم، ليسير كما سار الأولون، وينجح كما نجحوا إن شاء الله، وينال ما نالوا. فإن العلم له طريق، فمن أراد أن يسير على غير طريق الأوائل في طلب العلم لم يصل. قد ينجح في حفظ معلومات، أو يتثقف ببعض الفوائد، ولكنه لا ينال حقيقة العلم، ويحرم مقاصد العلم، نسأل الله العافية والسلامة. مثل طلب العلم مثل بلد حسنة في منظرها وبهائها وخضرتها وجمالها، وسار إليها أناس. فمن أراد أن يسير إلى تلك البلد من غير دليل ومرشد، ومن غير معرفة الطريق التي سار بها الأوائل فيسير حذوهم، لا يصل إلى تلك البلد المشهور. ولهذا اهتم العلماء بمثل هذه المنظومات العلمية. قلنا: تعزى إلى أبي علي الحسن بن زياد اللؤلؤي، المتوفى سنة ٢٠٤ للهجرة، صاحب أبي حنيفة، رحمهم الله. وتعزى أيضاً إلى الخليفة المأمون، رحمه الله وغفر له. يقول الناظم رحمه الله: «واعلم بأن العلم بالتعلم، والحفظ والإتقان والتفهم». تقدم الكلام على هذا: العلم بالتعلم. فمن أراد العلم بغير طلب، وبغير دراسة وتلقي للعلم عن المشايخ، وعن من أخذوه، فإنه يكون في طلبه خلل. قد يفيد في مسألة، ولكنه لا يسلم له الفهم في جمل، أو قلت أو كثرت، في أبواب العلم. ولهذا أكثر من يخطئون هم الذين لا يتلقون العلم تلقّياً بدراسة الكتب المعتمدة، وأخذها عن شيوخ يدرسون عليه. يقع الخلل، عياذاً بالله. «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم»، كما يروى عن بعض التابعين رحمه الله. يقول رحمه الله: «والعلم قد يرزقه الصغير في سنه، ويحرم الكبير». العلم ليس له سن، ولا له بلد، ولا له جنس من الناس. العلم فضل من الله عز وجل يؤتيه من شاء من عباده. فمن تعرض لنفحات الله وطرق الباب، فتح له إن شاء الله. ولهذا العلم ليس بالوراثة، وإنما العلم بالتلقي وبفضل الله عز وجل. فقد يكون صغير السن مرزوقاً بالعلم، عنده من العلم الشيء الكثير. وقد يحرم الكبير، كبير السن أو كبير الشأن والمنزلة، لكنه صغير في العلم. صغير إذا احتفت عليه المحافل: «وإن كبير القوم لا علم عنده صغير». «والعلم قد يرزقه الصغير». قد يقول قائل: نسمع ما يذكر بأنه لا يجوز أخذ العلم عن الأصاغر. والجواب: أن المراد بالأصاغر هم أهل البدع والأهواء، ومن لا يوثق بهم في عقائدهم ومناهجهم ونحو ذلك، وليس المراد من كان صغيراً في السن. ولهذا جاء عند الطبراني، وابن المبارك في الزهد، عن أبي أمامة الجمحي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أشراط الساعة ثلاثاً، إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر». قال نعيم راوي الحديث: قيل لابن المبارك: من الأصاغر؟ قال: الذين يقولون برأيهم. فأما صغير يروي عن كبير فليس بصغير أي السن. وذكر هذا التأويل أيضاً أبو عبيد القاسم بن سلام: أن ابن المبارك كان يذهب إلى أن الأصاغر هم أهل البدع، ولا يذهب إلى مسألة السن. هذا تصديق لما في هذا النظم. الحديث حسن بطرقه، حديث ثابت بطرقه، وهو من علامات الساعة: فيؤتى إلى أهل البدع والأهواء ليؤخذ عنهم العلم، هذا من علامات آخر الزمان. كان السلف في الأوائل يتحرون، وفي الآخر يتحرون. «والعلم قد يرزقه الصغير»، لكن عليه الحذر من آفات الصغر. فإن السن له آفات، فمن آفاته ما يحصل من العجلة. لكن قد يوجد من هو صغير السن في غاية الرزانة، قد يرزق الله صغيراً في السن رزانة ورجاحة عقل لا توجد عند الكبار، أو قد تقل عند الكبار. هذا عبد الله بن عباس، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا جرى أمر دعا عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فاستنكر شيوخ قريش: كيف يدعو هذا الغلام وأبناؤنا موجودون؟ فسألهم عن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، فما أجاب أحد، أو أخطأ في الجواب، حتى قال ابن عباس: إنه إشارة إلى أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: صدقت، ما أعلم إلا هذا. «والعلم قد يرزقه الصغير». قد يكون صغيراً، وقد يرزق العلم، لكن ينبغي الحذر من آفة في الصغر والشباب: وهي الطيش والعجلة. ونحدة تسلم عند كبير السن، كلما كبر سنه كلما رزن ورسخ وهدأ. الشباب له عنفوان، فهذا من الآفات. لكن العلم قد يرزقه الصغير. ابن عباس: «بذل الأسباب». قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». يقول النظم رحمه الله: «والعلم قد يرزقه الصغير». هناك آفة أيضاً في الصغر: وهي عدم مطاوعة الكبير له. هذه آفة أشار إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخاف منها، قال: «إني أخشى أن يستعصي عليه الكبير، وأن لا يتابعه». هذا أيضاً من الآفات، لكنها خارجة عن آفات باعتبار غير الصغير، باعتبار المجتمع. الصغير قد لا يتقبلون منه، يرون أنفسهم كباراً في عقولهم، كباراً في تجربتهم، ويغفلون أن العلم فضل من الله عز وجل يمن الله به على من يشاء من عباده. وذكرنا حبر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وكان عالماً نحريراً على صغر سنه، رحمه الله ورضي الله عنه، ورضي الله عن جميع الصحابة أجمعين. قال: «والعلم قد يرزقه الصغير في سنه، ويحرم الكبير». لكن هذا له أسباب، له أسباب: منها توفيق الله عز وجل، وهذا أهمها. توفيق الله عز وجل: إذا فتح الله باب التوفيق على عبده، أعانه في الحفظ، في المراجعة، في المذاكرة، في الفهم، في حسن السؤال، في حسن التلقي، في حسن التبصر، في حسن التعلم. «والعلم قد يرزقه الصغير». وإذا رزق، فينبغي أن يتواضع لله عز وجل، ويعلم أن هذا من فضل الله عليه، ليس بقوته ولا بحوله ولا بشيء فيه، وإنما محض فضل من الله عز وجل عليه. «تعلم، فليس المرء يولد عالماً، وليس أخو علم كمن هو جاهل، وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل». فينبغي الحرص على الطلب، لا سيما في الصغر؛ فإنه زمن الطلب. اليوم يتيسر لصغير السن، وللشاب في أول بكوره وشبابه، الطلب. لكنه إذا أحمل، وقال: «سوف، غداً أدرس العلم الفلاني، غداً أحفظ كذا، غداً أكتب الفائدة»، فاته علم كثير. ولهذا ابن عباس قال لرجل من الأنصار: «هل أم بنا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نقرأ عليهم؟» قال: «أظن أنت يا ابن عباس أن يحتاج إليك؟» قال: فتركني ومضى. فكان يجلس على باب زيد بن ثابت وقت القيلولة، ويكره أن يزعجه لاحتمال أنه نائم، فيتوسد عند الباب، أي ينام عند الباب. انظروا إلى طالب العلم ينام عند الباب، فتأتي الريح وتضرب عليه التراب، فيخرج زيد بن ثابت إلى صلاة العصر، فيقول: «يا ابن عم رسول الله، ما أجلسك هاهنا؟» قال: «إني أردت أن أسألك عن حديث، أو أتعلم منك حديثاً». قال: «إني آتيك». قال: «لا، هكذا أمرنا أن نعامل علماءنا». وربما أخذ بغلته وساقها له. هؤلاء هم طلبة العلم، هؤلاء هم طلاب العلم حقاً. اليوم ربما بعض طلبة العلم يترك الطلب لأدنى شيء يحصل، لا يصبر على طعام أو شراب أو نحو ذلك، فيترك الطلب، يترك عز الدنيا وعز الآخرة، يترك أعظم من ملك الملوك وأعظم من أموال التجار، من أجل موقف حصل له، أو غضب انفعل في موضع. ولهذا لا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر. لا تنال العلم حتى تدوس على نفسك، وتدوس على كبريائها، فتطلب العلم بذلة. هذا العلم لا يؤخذ بكبرياء النفس وعزتها وأنفتها، إنما يؤخذ العلم بذلة النفس. كلما تذلل الإنسان في نفسه وخضع تعظيماً للعلم، فتح الله عليه أبواب العلم. «والعلم قد يرزقه الصغير، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، يختص برحمته من يشاء، والله واسع عليم، وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة». ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يحرص على التعرض لأسباب العلم: من دعاء الله عز وجل، وإخلاص النية، وصدق الطلب، والصبر. قد تقف على مسألة لا تحسن فهمها، فلا تيأس. كرر المعلومة، اسأل الله أن يفتح الله عليك، حتى تفهمها، وحتى يفتح عليك فيها. ربما تكون غداً إماماً في هذه المسألة، إذا صبرت، وإذا ثابرت، وإذا تذللت، وإذا تواضعت، وسلكت سبيل أهل العلم. العلم له طريق، من سلكه ناله، ومن تنكب عنه حرمه، عياذاً بالله. قال رحمه الله: «والعلم قد يرزقه الصغير في سنه، ويحرم الكبير». حرمان العلم له أسباب: منها الكبر، ومنها عدم الطلب، ومنها عدم الجلوس للعلم. يحرم الإنسان الخير. «وإنما المرء بأصغريه، ليس برجليه ولا يديه». هذا بيت لطيف، فيه نكتة مضحكة لمن فهم المعنى. هذا مثل من أمثال العرب، تقول العرب: «إنما المرء بأصغريه»، بأصغريه: قلبه ولسانه. القلب واللسان هما من أصغر، أو من أصغر الأعضاء في الإنسان. ولهذا صغر، فقال: «بأصغريه». اللسان عضو صغير، والقلب عضو صغير، ربما يكون مثل حبة الكمثرة أو أصغر. ولكن عمل هذين العضوين، اللسان والقلب، أعظم من عمل الرجلين وإن كبرت، واليدين وإن عظمت عضلاتها. لهذا يقول على سبيل الفكاهة: «ليس برجليه ولا يديه». هذه نكتة، يعني: لمن تأملها. يعني: المرء بلسانه. يعرف الإنسان بلسانه، يعرف بلسانه. فإذا نطق، قوّم قدره، عرف حجمه، عرف مقداره بما يتلفظ به بلسانه. «إنما المرء بأصغريه»: هذا معنى المثل. قلبه ولسانه. قيمة الإنسان، قيمة الإنسان في عضوي... في عضوي القلب واللسان. أكثر ما يدخل الناس النار: القلب واللسان. أكثر ما يدخل الناس الجنة: القلب واللسان. لهذا في حديث معاذ رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد، ثم قال له في الحديث الطويل: «ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: «كف عليك لسانك». ثم أخذ بلسان نفسه صلى الله عليه وسلم، فقال: فقال معاذ: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» أي: ما تحصده الألسنة. سب فلان، قال في فلان كذا، قال كذا، قال كذا، كلمات هاهنا وها هنا، ربما تهوي به في نار جهنم. وكذلك قلبه: الله جل وعلا يقول: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، بسبب الكبر الذي في قلوبهم، يصرفون عن الحق، عياذاً بالله. فينبغي للمسلم أن يهتم بالقلب وباللسان. يقول الناظم: «وإنما المرء بأصغريه، ليس برجليه ولا يديه، لسانه وقلبه المركب في صدره، وذاك خلق عجب». هذا خلق عجيب. القلب فإنه ملك الأعضاء، القلب ملك الأعضاء التي في الإنسان، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وذم الله الكفار بأنهم لهم قلوب لا يفقهون بها الآيات. فموضع الفقه، موضع الفهم: القلب. «لسانه وقلبه المركب في صدره، وذاك خلق عجب». «والعلم بالفهم، وبالمذاكرة، والدرس، والفكرة، والمناظر». نقف عند هذا البيت. ومن استطاع حفظها فهو في خير عظيم إن شاء الله تعالى. طيب، نقف هاهنا. وهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.