شرح حائية ابن أبي داود 13

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 13، الدرس الثالث عشر:من ( وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تنزيه الله عن الولد والوالد والرد على شبهة التشبيه

يشرح المؤلف نفي الولد والصاحبة والظهير عن الله مؤكداً غناه بذاته، ويرد على المعطلة الذين ينفون الصفات والرؤية بدعوى التشبيه مبيناً أن التشبيه في حديث الرؤية إنما هو تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح لا تشبيه الذات بالبدر. وإثبات الصفات على ما يليق بجلال الله لا يستلزم مماثلة المخلوقين.

التنزيه الصحيح: إثبات الصفات والرؤية ورد التعطيل والتمثيل

يوضح أن التنزيه الحقيقي هو تنزيه صفات الله عن مشابهة المخلوقين دون تعطيلها، ويرد على الجهمية المعطلة للصفات كالرؤية مستدلاً بحديث جرير بن عبدالله البجلي الصريح والصحيح. ويؤكد أن أهل السنة يتلقون العقيدة من الكتاب والسنة فقط، وأن النجاح يوم القيامة مربوط بسلامة القلب واتباع الحق المثبت بالدليل.

أسباب رؤية الله يوم القيامة وإثبات صفات اليدين واليمين

يبين أن رؤية الله يوم القيامة من أعظم النعيم وتتحصل بالإحسان في العبادات والمعاملات، ومراقبة الله كأنك تراه، والمحافظة على الصلوات خاصة الفجر والعصر، والخشية والإنابة وحفظ حدود الله. ثم ينتقل إلى إثبات صفة اليدين واليمين لله ويرد على من يزعم أن النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل هو نزول الملائكة.

استغفار الملائكة ونزول الله تعالى

تذكر الملائكة من يسأل فيُعطى ومن يستغفر فيُغفر له، مبينة أن المغفرة من الله وحده، ويشير إلى أن تفصيل مسألة النزول سيأتي لاحقاً، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فكان آخر الكلام عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وَقَلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً كَمَا الْبَدْرُ لَا يُخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ». ثم قال رحمه الله: «وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ وَلَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ تَعَالَى الْمُسَبِّحُ». ذكر في هذا البيت تنزيه الله جل وعلا عن الولد والوالد، فالله جل وعلا لا ولد له ولا والد له، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فلم يلد أحدًا ولم يلده أحد، جل وعلا. فقال المؤلف رحمه الله: «وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ»، وأراد بذكر هذا البيت الرد على أهل التعطيل الذين نفوا الصفات لزعمهم أن إثبات هذه الصفات لله جل وعلا تستلزم التشبيه بالمخلوق. إذا أثبتت الصفات لله جل وعلا، هذا يستلزم تشبيه الخالق بالمخلوق، وهذا باطل، هذا اللازم باطل؛ لأن الإضافة تقتضي التخصيص. فالصفات التي تضاف إلى الله جل وعلا فهي تخص الله جل وعلا وتليق بالله جل وعلا، وهو خالق، والصفات التي تضاف للمخلوق فهي تختص به وهو مخلوق ضعيف، وصفاته على ما تليق بضعفه وعجزه، وصفات الخالق تليق بعظمته وكبريائه وجلاله جل وعلا. فأراد أن يرد على هؤلاء المعطلة أيضًا الذين نفوا الرؤية، نفوا رؤية رب العالمين جل وعلا، بزعمهم أن إثبات هذه الرؤية يستلزم التشبيه، وجعل الخالق كالمخلوق، وهذا اللازم باطل. هذا اللازم باطل: «وَلَيْسَ بِوَالِدٍ وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ». وأراد كذلك أن يبين رحمه الله أن التشبيه في الرؤية إنما هو للرؤية بالرؤية، برؤية القمر، برؤية الله جل وعلا، أي واضحة، ليس لتشبيه المرء بالمرء. أليس أن الله جل وعلا مثل القمر ويشبه القمر؟ لا، وإنما التشبيه للرؤية بالرؤية: تشبيه رؤية الله جل وعلا برؤية القمر، أي في الوضوح. كما أن رؤية القمر ليلة البدر واضحة، فهكذا رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة تكون واضحة. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الواسطية، وغيره من السلف في كتب الاعتقاد، عند ذكر هذا المبحث يقولون: «تشبيه الرؤية بالرؤية، للمرء بالمرئي، تشبيه الرؤية بالرؤية، للمرئي بالمرئي». أي: ليس تشبيه الرب جل وعلا بالبدر، وإنما تشبيه الرؤية بالرؤية. رؤية البدر واضحة، وهكذا رؤية الله جل وعلا واضحة. ففيه التشبيه للرؤية لوضوحها، هذا المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ». تشبيه الرؤية بالرؤية. وقوله رحمه الله: «وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ»، هذا قد دلت عليه الأدلة في كتاب الله جل وعلا. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، كما في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. فنفى الله جل وعلا الصاحبة له والولد. الذي يحتاج للصاحبة (الزوجة) والذي يحتاج للولد هو الضعيف العاجز المحتاج لغيره. أما الله جل وعلا فهو الغني سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فالله غني عن الصاحبة وغني عن الولد، فهو جل وعلا الحي القيوم، القائم بنفسه والقائم بغيره جل وعلا. فلا يحتاج لصاحبة ولا يحتاج لولد ولا يحتاج لمعين يعينه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْهُ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، أي من معين يعينه. نفى الله جل وعلا هذا، فلا صاحبة له ولا ولد له ولا ظهير له ولا معين له؛ لأنه جل وعلا هو الغني سبحانه وتعالى، والخلق هم الفقراء المحتاجون إلى الله سبحانه وتعالى، محتاجون إلى كلاءته لهم، حفظه لهم سبحانه وتعالى. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. فالله جل وعلا لم يتخذ ولدًا، ولم يتخذ صاحبة، ولم يكن له ولي من الذل، جل وعلا. وفي هذا رد على من نسب إلى الله جل وعلا الولد، كالنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، وفيه رد على اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله. قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. فالله جل وعلا لا ولد له سبحانه وتعالى. وفيه رد على المشركين، على كفار قريش، الذين جعلوا الله جل وعلا البنات، وأن الملائكة بنات الله. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. إذن قال جل وعلا: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. هذا قولهم: إن لله جل وعلا البنات. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. هذا فيه إنكار على قولهم. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾. وقال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. فالله سبحانه وتعالى يذكر، أو ينكر في هذه الآيات على هؤلاء المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا. فالله جل وعلا ليس له ولد وليس له والد، جل وعلا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. ولذلك قال المؤلف: «وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ وَلَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ تَعَالَى الْمُسَبِّحُ». وراد كما تقدم أن يقرر أن إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه أبدًا، لا يستلزم التشبيه. فإثبات الرؤية وإثبات الصفات الأخرى على ما يليق بالله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فالعبد عليه أن ينزه الله جل وعلا عن المماثلة بالمخلوق، ينزه. والتنزيه ليس هو التعطيل، كما هو عند هؤلاء أهل الضلال من المعتزلة والجهمية وغيرهم. وإنما التنزيه: أن تنزه صفات الخالق عن المماثلة بصفات المخلوق. وليس التنزيه هو تعطيل الصفات. فتمثيل صفات الخالق بصفات المخلوقين: هذا ليس به تنزيه؛ لأنك مثلت صفات الخالق بصفات المخلوقين. وتعطيل الصفات: ليس به تنزيه؛ لأنك عطلت الله جل وعلا عن صفات الكمال. كيف تنزه الله عز وجل وأنت قد عطلته سبحانه وتعالى عن صفات الكمال اللائقة به جل وعلا؟ فإذا تنزيه التسبيح لله جل وعلا: أن ينزه الرب جل وعلا عن مماثلة صفات خلقه بصفاته جل وعلا، على قاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذا الذي يسبح الله جل وعلا به، فلا يسبح الله جل وعلا بشيء قد جاءت به الرسل ودعت إليه الرسل. فمن الذي دعا الناس إلى إثبات هذه الصفات؟ ومن الذي عرف الناس بهذه الصفات التي جاءت عن طريق رسل الله؟ فكيف بعد ذلك نزه الله جل وعلا عن هذه الصفات؟ فلا ينزه الله عز وجل ويسبح عن ترك ما جاءت به الأنبياء والرسل، وإنما ينزه الرب جل وعلا ويسبح عن كل نقص وعيب. ومن ذلك: التمثيل لصفات الله بالمخلوقين، ومن ذلك أيضًا: التعطيل. فهذا الذي ينزه عنه الرب جل وعلا: «وَلَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ تَعَالَى الْمُسَبِّحُ». قال: «وَقَدْ يَنْكُرُ الْجَهْمِيُّ هَذَا، وَعِنْدَنَا بِمُصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرَّحٌ». «وَقَدْ» هنا للتحقيق، و«قَدْ» هنا للتحقيق والتأكيد. أي: أن الجهمية ينكرون هذا. «قَدْ يَنْكُرُ الْجَهْمِيُّ هَذَا»، وهنا المشار إليه: الرؤية التي تقدم ذكرها. «قَدْ يَنْكُرُ الْجَهْمِيُّ هَذَا»، أي: ما تقدم ذكره من إثبات الرؤية، من إثبات الرؤية لله جل وعلا يوم القيامة. «وَعِنْدَنَا بِمُصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرَّحٌ»، أي: نحن الذي ذكرناه من إثبات رؤية رب العالمين يوم القيامة، عندنا فيه حديث، بل وآيات وأحاديث. لكن أراد المؤلف رحمه الله أن حديث جرير بن عبد الله البجلي هو من أظهر الأحاديث في هذا الباب، من أظهر الأحاديث التي جمعت بين الصراحة والصحة. من أظهرها: حديث جرير بن عبد الله البجلي. وإلا كما تقدم: أهل السنة والجماعة عندهم على إثبات رؤية رب العالمين يوم القيامة آيات من كتاب الله جل وعلا تدل على هذا، وعندهم أحاديث من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام متواترة تثبت هذا الذي ذكره فيما يتعلق بالرؤية. وليس هو أحاديث واحد، وإنما المراد هنا لقوله رحمه الله: «وَعِنْدَنَا حَدِيثٌ مُصَرَّحٌ»، يعني: حديث جرير بن عبد الله البجلي، لظهوره ولصراحته في ذلك. في بعض النسخ: «بِمُصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَحَّحٌ». «مُصَحَّحٌ» يعني: صححه أئمة الإسلام. فحديث جرير بن عبد الله البجلي حديث صريح، وحديث صحيح، فجمع بين الصحة والصراحة. على النسخة الأخرى: «وَعِنْدَنَا بِمُصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرَّحٌ». في النسخة الأخرى: «مُصَحَّحٌ»، يعني: صححه أئمة الإسلام. وهذا يدلنا على أن أهل السنة والجماعة إنما يذكرون ما يذكرون من أمور العقيدة بأدلة، إما من الكتاب العزيز أو من السنة. فلا يأتون بشيء من عقولهم، ولا يقولون: رأينا في المنام، ولا يقولون: حدثني قلبي عن ربي. لا. وإنما إذا ذكروا شيئًا من أمر الاعتقاد خاصة، فإنهم يذكرونه ويذكرون دليله الذي أخذوا منه هذا الاعتقاد. كل أبواب العقيدة: لن تجدوا أهل السنة والجماعة ذكروا ذلك إلا بدليل. لا يمكن إنسان يعتقد شيئًا لا دليل معه على ذلك الذي اعتقده. اعتقده لكل اعتقاد، فاسد الاعتقاد فاسدًا يكون باطلًا، إذا اعتقد شيئًا لا دليل عليه، لا من الكتاب ولا من السنة. قال: «رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ، فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ فِي ذَاكَ تَنْجَحُوا». «رَوَاهُ جَرِيرٌ»: أي جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه أرضاه. قيل: إنه أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا، رضي الله تعالى عنه أرضاه. وجرير بن عبد الله البجلي قال فيه عمر رضي الله تعالى عنه: «جَرِيرٌ يُوسُفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»، «جَرِيرٌ يُوسُفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ». وأيضًا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام وصفه بالحسن، في حديث صححه العلامة الألباني رحمه الله. فحديث الرؤية هنا: قال: «رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ، فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ فِي ذَاكَ تَنْجَحُوا». إذا: من أراد النجاح، والنجاح هو نيل المغصود والظفر بالمطلوب، هذا هو النجاح. من نال مغصوده وظفر بمطلوبه فقد نجح وسلم. فمن وفق للأخذ بالاعتقاد الصحيح في الدنيا، فإنه ينجو يوم الآخرة، يوم القيامة، ينجو في الدنيا والآخرة؛ لأنه ظفر بالحق، حصل على الصواب، وهو الاعتقاد الصحيح، الذي هو أعظم أمر ينبغي للمسلم أن يهتم به. لأنه يوم القيامة لا ينفع إلا القلب السليم. صاحب القلب السليم هو الذي ينتفع يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قلب السليم: سليم من اعتقادات الفاسدة في فلان وعلان، سليم من اعتقادات الفاسدة فيما يتعلق بأحكام الدين، أو في الصحابة، أو في الأنبياء، أو فيما يتعلق بصفات رب العالمين جل وعلا، إلى آخر ذلك. إذا لم يسلم قلب العبد يوم القيامة من الاعتقاد الفاسد، فهو على شفا جرف هارٍ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قلب حمل اعتقادًا صحيحًا في الله سبحانه وتعالى، في أنبياء الله جل وعلا، وفي صفات الله سبحانه وتعالى، وفي أحكام الدين الأخرى. صاحب هذا القلب هو الناجي. فإذا اهتم الإنسان في الدنيا، فجعل قلبه لا يعتقد إلا الاعتقاد السليم، فإنه ينجو في الدنيا والآخرة، ينجو في الدنيا والآخرة. فقال رحمه الله: «فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ فِي ذَاكَ تَنْجَحُوا». إذا أردت النجاح، فاثبت على الاعتقاد السليم، وأثبت ما أثبت الله لنفسه، أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: «وَقَدْ يَنْكُرُ الْجَهْمِيُّ أَيْضًا يَمِينَهُ، وَكُلَّتْ يَدَاهُ بِالْفَوَاضِلِ تَنْفَحُ». انتقل رحمه الله إلى ذكر صفة اليدين لله جل وعلا، بعد أن أكمل ما يتعلق بمسألة الرؤية. انتقل إلى إثبات صفة أخرى لله عز وجل، وهي صفة اليدين لله جل وعلا، وصفة اليمين له سبحانه. ونضيف إلى ما تقدم ذكره قبل الدخول في ذكر هذا المبحث المتعلق بإثبات صفة اليدين لله جل وعلا واليمين. نضيف إلى ما تقدم ذكره فيما يتعلق بالرؤية: نقول: من أراد رؤية رب العالمين يوم القيامة، فعليه أن يأخذ بالأسباب. رؤية رب العالمين يوم القيامة من أعظم النعيم. فإذا أراد الإنسان أن يحصل على هذا النعيم، عليه أن يأتي بالأسباب. والأسباب كثيرة: استقامة على شرع الله، أداء الفرائض، والتقرب إلى الله عز وجل بالطاعات، إلى آخر ذلك. ومما جاء التنصيص عليه، مما جاء التنصيص عليه أنه سبب رؤية رب العالمين يوم القيامة: الإحسان. الإحسان في الدنيا: أن يحسن الإنسان في الدنيا، يحسن مع ربه جل وعلا، ويحسن مع نبي الله عليه الصلاة والسلام، وأنبياء الله، ويحسن كذلك في عباداته، ويحسن في أقواله، ويحسن في معاملاته، ويحسن في بيعه وشرائه، ويحسن في حديثه، ويحسن في أخلاقه، ويحسن مع جاره، ويحسن مع الحيوان، ويحسن حتى مع الكافر بما يوافق الشرع، بما أمر به الشرع. مجالات الإحسان كثيرة. فمن كان محسنًا في الدنيا، ومن أعظم هذا الإحسان أيضًا: المراقبة. المراقبة لله جل وعلا: أن يراقب العبد ربه جل وعلا في ليله ونهاره، وفي سره وجهاره، في جميع لحظاته. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وهي النظر إلى وجه الله الكريم. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾: أي في الدنيا. ﴿الْحُسْنَى﴾: أي الجنة. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: أي النظر إلى وجه الله الكريم. فإذا حصول هذه النعمة العظيمة يوم القيامة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، لها أسباب. ومنها: كما جاء في هذه الآية: الإحسان. فمن راقب الله عز وجل في هذه الدنيا كأنه يراه، فإنه يراه يوم القيامة. من راقب الله عز وجل في هذه الدنيا، وعبد الله عز وجل كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام في بيان الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». فمن أعظم هذا المقام: قام المراقبة، فكان يراقب الله عز وجل حتى كأنه يراه، فإن الله جل وعلا ينعم عليه يوم القيامة بالرؤية؛ لأنه راقب الله جل وعلا في هذه الدنيا، وعبد الله كأنه يراه، فيتحصل على هذا النعيم العظيم يوم القيامة، وهو رؤيته جل وعلا. ومن أسباب تحصيل هذه النعمة العظيمة يوم القيامة، وهي رؤية رب العالم يوم القيامة: المحافظة على الصلوات، وخاصة صلاة الفجر وصلاة العصر. صلاة الفجر وصلاة العصر: هذا جاء فيها التنصيص. صلاة الفجر وصلاة العصر في حديث جرير بن عبد الله. في بعض الألفاظ: النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا»: أي لا يغلبكم شيء، لا يغلبكم نوم، ولا تغلبكم تجارة، ولا يغلبكم أي شيء من هذه الأمور. وليس معنا أنه يجوز لكم ذلك، لا. وإنما يحث النبي عليه الصلاة والسلام على الحرص على أداء هاتين الصلاتين، وأن لا يغلب الإنسان شيء، وأن لا يغلب الإنسان شيء على أداء هاتين الصلاتين خاصة. «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» وهي صلاة الفجر، «وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا» وهي صلاة العصر، «فَافْعَلُوا». بعد أن ذكر أن الناس يرون ربهم، ذكر الحرص على هاتين الصلاتين. فيدلنا على أن من أسباب تحصيل هذه النعمة العظيمة المذكورة في بداية الحديث، وهي النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة: المحافظة على الصلوات الخمس، خاصة صلاة الفجر وصلاة العصر، اللتين هما أيضًا صلاة البردين، اللتين قال فيهما النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». والبردان هما: الفجر والعصر. ومن أسباب تحصيل هذه النعمة العظيمة يوم القيامة، وهي رؤية رب العالمين: الخشية والإنابة، وحفظ الله جل وعلا، وحفظ حدود الله جل وعلا ومحارمه. فمن كان في هذه الدنيا محققًا لخشية الله سبحانه وتعالى، كان محافظًا على حدود الله سبحانه وتعالى، وكان منيبًا إلى الله جل وعلا، رجاعًا إلى الحق، فإنه بإذن الله جل وعلا يكون ممن يفوز بهذه النعمة العظيمة. ودليل هذا ما جاء في قوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. وهو النظر لوجه الله الكريم. بعد أن ذكر الله عز وجل هذه الصفات العظيمة: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. وهو النظر لوجه الله الكريم. طيب، هنا ذكر السائل قال: «كيف نرد على من يقولون: أن نزول الله عز وجل في ثلث آخر الليل، أن في حقيقتهم هم الملائكة، وليس الله؟». لا. هذا ليس كيف. الملائكة تنزل؟ الله عز وجل حين أخبرنا أن الله عز وجل ينزل في ثلث الليل الآخر، يقول: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟». هل الملائكة يجوز لها أن تغفر للعباد؟ تقول الملائكة: «مَنْ يَسْأَلُ فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُ فَأَغْفِرَ لَهُ»؟ الذي يغفر هو الله جل وعلا. وهذا سيأتي إن شاء الله معنا عند ذكر مبحث النزول. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر