شرح حائية ابن أبي داود 3

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 3، الدرس الثالث:من( ودن بكتاب الله والسنن التي ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التمسك بالكتاب والسنة مصدراً للتلقي والاعتقاد

يبيّن المقطع أن أهل السنة والجماعة يبنون اعتقادهم على الدليل الشرعي من القرآن والسنة الصحيحة فقط، بعكس أهل الباطل الذين يسبق اعتقادهم الدليل. فمن تمسك بالكتاب والسنة فقد نجا وربح، ومن خالفهما هلك وخسر.

وجوب التمسك بالكتاب والسنة الصحيحة والرد على القرآنيين

يؤكد المقطع أن الفلاح مشروط بالدين لله بالكتاب والسنة الثابتة، ويرد على القرآنيين الذين يرفضون السنة مستدلاً بآيات وأحاديث تأمر باتباع الرسول. ويشبه التمسك بهما بسفينة نوح التي من ركبها نجا ومن تخلف هلك.

عقيدة أهل السنة في صفة الكلام وأن القرآن غير مخلوق

يقرر المقطع وجوب القول والاعتقاد بأن كلام الله غير مخلوق، ويفرق بين إضافة الصفات للموصوف وإضافة الأعيان للتشريف. ويستدل بذلك على بطلان قول المعتزلة بخلق القرآن ويثبت صفة الكلام بالكتاب والسنة.

طرق تكليم الله للبشر ووحيه لأنبيائه

يستعرض المقطع الآية الكريمة التي حددت طرق تكليم الله للبشر بالوحي أو من وراء حجاب أو بإرسال رسول. ويشرع في تفصيل قصة تكليم الله لموسى عليه السلام كنموذج للتكليم المباشر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد ذكرنا في الدروس الماضية قول المؤلف رحمه الله تعالى في منظومته الحائية: «تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تك مبتدعا لعلك تفلح». شرحنا هذا البيت في المجالس الماضية، ثم قال رحمه الله تعالى: «ودِن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح». وهذا البيت ذكره المؤلف رحمه الله تأكيدا لما ذكره في البيت السابق، فهذا البيت في التأكيد على أمر التمسك بكتاب الله جل وعلا وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن هذا هو المصدر الذي يجب على كل مسلم أن يأخذ به. فأهل السنة والجماعة مصدر تلقيهم لاعتقاداتهم وعباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم ومنهجهم وسلوكهم هو كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة، فلا يدينون لله جل وعلا بشيء إلا وقد دل عليه الكتاب العزيز أو السنة المطهرة. وقال المؤلف رحمه الله هنا: «ودِن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح». ودِن بكتاب الله أي: اجعل دينك واعتقادك مبنيا على الكتاب والسنة، هذا الذي يدين الإنسان به ربه جل وعلا. فأنت إذا دنت لله جل وعلا بشيء لم يدل عليه كتاب الله ولم تدل عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبماذا دنت لله جل وعلا بهذا الذي دنت به؟ أي: ما هو دليلك على هذا الذي دنت الله جل وعلا به؟ وهذا الاعتقاد الذي اعتقدته، ما هو دليلك؟ لا يمكن للإنسان أن يعتقد شيئا بغير دليل، لو اعتقد شيئا ولا دليل معه يكون قد اعتقد اعتقادا لا دليل عليه، ودان الله جل وعلا بشيء ليس معه دليل في ذلك الذي دان الله جل وعلا به. فلابد من الدليل أولا من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحيحة، بعد ذلك يعتقد الإنسان ويدين الإنسان لربه جل وعلا بهذا الذي تحصل عليه ودلّه عليه كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. دليل ثم اعتقاد، اعتقادك لم تعتقده إلا بعد الدليل، فلا يمكن أن تعتقد بغير دليل ويكون ذلك صوابا أبدا. فأهل السنة والجماعة إذا اعتقدوا أن لله جل وعلا مثلا سمعا وبصرا وصفات كذا وكذا، هل هم اعتقدوا هذه الأمور ودانوا الله جل وعلا بها من غير دليل هكذا، ثم بعد ذلك علموا الدليل فيما بعد؟ يعني: هل اعتقدوا أولا أن هذه الأشياء ثابتة لله عز وجل ودانوا الله عز وجل بها واعتقدوها بالله جل وعلا من غير دليل؟ لا، وإنما حصل عندهم الاعتقاد بهذه الأشياء، منها هذه الصفات وغيرها، حصل عندهم هذا الاعتقاد الذي يدينون الله جل وعلا به إنما بعد ما وجدوا في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي بعد الدليل. بخلاف أهل الباطل، أهل الباطل يعتقدون أولا ثم يذهبون يستدلون ثانيا. وأهل السنة وأهل الحق لا يعتقدون إلا بعد الدليل، بعد الدليل يعتقدون، وأهل الباطل يعتقدون ثم يبحثون عن الدليل. فانظروا الفرق بين أهل السنة وأهل الباطل: أهل السنة لا يعتقدون إلا بعد الدليل، وأهل الباطل يعتقدون ثم يبحثون عن الدليل الذي يؤيد باطلهم من المتشابه الذي جعله الله عز وجل في كتابه الكريم ابتلاء وامتحانا واختبارا، فيأخذون ما تشابه من القول؛ لماذا؟ ليؤيدوا باطلهم. وأما أهل السنة والجماعة أهل الحق فإنما أولا يستدلون من الدليل، يبنون اعتقاداتهم، فلا يعتقدون إلا بعد الدليل. فإذا المؤلف رحمه الله هنا يقول: «ودِن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح». فإذا الناجح الناجي والرابح هو الذي دان الله عز وجل بكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام الصحيحة، وأما الذي دان الله عز وجل واعتقد بغير الكتاب والسنة فهو هالك وهو خاسر. وأراد أن يبين رحمه الله أن أهل السنة والجماعة إنما يدينون الله عز وجل ويعتقدون ذلك مبني على ما وفقه الله عز وجل فيه من كتابه جل وعلا وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. «ودِن بكتاب الله والسنة التي...» وهذا فيه بيان أن الحق يؤخذ من الكتاب أو من السنة، كتاب الله أو سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه رد على من يسمون أنفسهم بالقرآنيين، هناك من الناس من يسمي نفسه بالقرآني، ومعنى هذا أنه لا يقبل إلا ما جاء في القرآن، فالذي يجيء في القرآن يأخذ به، وأما الذي في السنة فلا يأخذ به، وهذا ضلال وباطل. وهذا كاذب الذي يقول: أنا آخذ بالقرآن فقط ولا آخذ بالسنة، هذا كاذب. لماذا؟ لأنه لو كان حقا يأخذ بالقرآن فإن القرآن أمره بأن يأخذ بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. هل هذا قرآني؟ إذن، إذا كان قرآنيا حقا لماذا لا يتبع القرآن الآن؟ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. هذا القرآني من أين علم في القرآن أن الصلوات خمس؟ ومن أين علم أن صلاة الفجر ركعتان، ومن أين علم أن صلاة الظهر أربع والعصر أربع والمغرب ثلاث والعشاء أربع؟ من أين له ذلك؟ إذن يصلي أي صلاة؟ القرآن فيه الأمر بالصلاة، من أين علم أن الصلاة على هذه العدد من الركعات؟ والقرآن فيه الأمر بالزكاة، من أين علم تفاصيل أمر الزكاة؟ ومن تجب عليه؟ وفي الحج من أين علم هذا الحج؟ وأنه يطاف بالبيت كذا ويرمي كذا ويفعل كذا وكذا؟ إذن القرآن فيه الأمر باتباع السنة. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا ألفين أحدكم يجلس على أريكته يقول: حسبنا ما وجدنا في كتاب الله، فما وجدناه حلالا أحللناه، وما وجدناه حراما حرمناه». ينهى النبي عليه الصلاة والسلام ويحذر من هذه الطائفة التي تسمي نفسها بهذا الاسم، وأنهم القرآنيون، وأنهم لا يأخذون إلا من القرآن. «لا ألفين أحدكم يقول» - والنبي عليه الصلاة والسلام أنه تحذير ونهي - «لا ألفين أحدكم يجلس على أريكته يقول: حسبنا ما وجدناه في كتاب الله، يعني هذا الذي يكفينا، فما وجدناه حلالا أحللناه، وما وجدناه حراما حرمناه». هذا تحذير من النبي عليه الصلاة والسلام من هؤلاء. لا يمكن أن يصل إنسان للحق إلا عن طريق الأخذ بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، القرآن والسنة. ولذلك قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، آيات الله والحكمة، آيات الله هي القرآن، والحكمة هي السنة. فهكذا يقول المؤلف رحمه الله: «ودِن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله». قول هنا: «أتت عن رسول الله» يعني ثبتت صحة الخبر فيها، لا حديث موضوع، ولا حديث ضعيف، ولا حديث مكذوب. «أتت عن رسول الله» أي بالسند الصحيح، هذا الذي يعرض على الإنسان بالأسانيد، تنجو وتربح. فهنا النجاح وهنا الربح. وكما قال السلف: الحق أو السنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك. هذه السفينة: كتاب الله والسنة الصحيحة، من تمسك بالكتاب والسنة وركب في هذه السفينة نجا، نجا من الضلالات، نجا من الأهوال، كما ينجو من يركب السفينة من الأمواج المتلاطمة وينجو من الغرق. فهكذا من أراد النجاة فعليه أن يدين الله عز وجل بكتابه جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، تنجو وتربح. قال رحمه الله: «وقل غير مخلوق كلام مليكنا * بذلك دان الأتقياء وأفصحوا * ولا تقل القرآن بالوقف قائلا * كما قال أتباع الجهم وأصحوا * ولا تقل القرآن خلق قرأته * فإن كلام الله باللفظ يوضح». هذه الأبيات الثلاثة ذكر المؤلف رحمه الله يبين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بكلامه جل وعلا وبالقرآن. فبين رحمه الله بقوله: «وقل» أي: يا أيها المسلم، ويا أيها السني السائر على منهج السلف الصالح. «وقل» والمراد بالقول ليس هو اللفظ فقط لأن تقول بلسانك فقط، لا، المراد أن تقول ذلك بلسانك وتعتقد ذلك بقلبك، فالقول يطلق على القول باللسان وعلى اعتقاد القلب. فهنا قوله: «وقل» أي: قل ذلك بلسانك واعتقد ذلك بقلبك. «وقل غير مخلوق كلام مليكنا». قوله هنا: «كلام مليكنا» فيه بيان صفة لله جل وعلا وهي صفة الكلام، «كلام مليكنا» وأضافه إلى رب العالمين سبحانه، أضاف هذه الصفة إلى رب العالمين سبحانه، والإضافة تقتضي التخصيص، وكل بحسب ما يضاف إليه. فإذا قيل: كلام الله، المعنى أن هذا كلام الله يختص بالله وحده فقط لا يشاركه في ذلك أحد. وإذا قيل: كلام مخلوق أو كلام فلان، فهذا يقتضي التخصيص بأن هذا الكلام كلام فلان. ولذلك ننتبه في هذا الأمر: ضلت المعتزلة في هذا الباب لأنهم لم يفرقوا بين المضافات، فعندهم كل مضاف يضاف إضافة خلق. والإضافات على نوعين: إضافة خلق، وإضافة صفة إلى موصوفها، ويقال: إضافة معنى. فإضافة الخلق إلى من صفت به، فهذا مثل أن يقال: يد إنسان، سمع إنسان، بصر إنسان، إلى آخره. صفة مضافة إلى مخلوق، هذه إضافة أعيان، أعيان تضاف إلى من صفت بها. وهناك إضافة صفة إلى موصوفها كبيت الله وناقة الله، فهذه مضافة إلى الله جل وعلا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وإضافة المخلوق إلى خالقه تفيد التشريف، أي أن الله جل وعلا شرف بيته وشرف هذه الناقة، فهذه إضافة صفة أو إضافة تشريف. والذي يفرق بين هذا وهذا: أن إضافة الأعيان إلى من صفت به تكون عينا قائمة بذاتها، مثل إذا قلنا: ناقة الله، بيت الله، ناقة الله شيء منفصل، عين قائمة بذاتها، ناقة بيت. لكن سمع، بصر، لا يمكن، يستحيل عقلا وجود سمع منفصل عن المتصف به، وهكذا البصر، وهكذا اليد. فهذه الإضافات للأعيان غير القائمة بذاتها فهي باب إضافة الصفة إلى الموصوف، والأعيان القائمة بذاتها هي إضافة تشريف. عندنا إضافة أعيان قائمة بذاتها وإضافة معاني. فأهل السنة والجماعة فرقوا بين هذه الإضافات، بخلاف أهل البدع فإنهم لم يفرقوا، فلذلك جعلوا كلام الله مخلوقا، قالوا: لأن كلام الله أضافه إليه، أضافه إليه، فإذن هو مخلوق. وقال لذلك قال المؤلف رحمه الله هنا: «وقل غير مخلوق كلام مليكنا»، «كلام مليكنا» فالكلام صفة ثابتة لله عز وجل، والله جل وعلا هو الخالق، وصفاته جل وعلا تبع لذاته سبحانه وتعالى، فالصفات ليست مخلوقة، صفات الله جل وعلا ليست مخلوقة لأنها تبع لذاته جل وعلا. والأدلة كثيرة على إثبات صفة الكلام لله عز وجل، منها قوله جل وعلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، قال: ﴿تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، فأثبت ربنا جل وعلا لنفسه صفة الكلام. وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، أثبت لنفسه القول. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، فسماها كلمات، كلمات الله. وكذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوس