الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرّف الإنصاف بأنه إعطاء الغير حقه كما يحب الإنسان أن يُعطى، وينقسم إلى إنصاف الله، وإنصاف النبي، وإنصاف العباد. وتؤكد النصوص الشرعية وجوب التحلي بالإنصاف والعدل مع الجميع، بمن فيهم الكافرون والمخالفون والخونة، فلا يسوغ للمسلم أن يترك الإنصاف حتى لو أساء إليه الآخرون.
يسرد المقطع أمثلة عديدة على إنصاف النبي ﷺ في الحرب والسلم، كنهيه عن قتل غير المحاربين، وإنصافه لابنته فاطمة، وللمرأة الغامدية، وحتى لبعيره القصواء. كما يستعرض إنصاف الصحابة رضوان الله عليهم، مثل أم سليم وأبي طلحة في احتساب ابنهما، وعلي بن أبي طالب في وصف عائشة، وعائشة في الدفاع عن حسان، والنبي ﷺ في الدفاع عن حاطب بن أبي بلتعة.
يبيّن المقطع أن السلف الصالح كانوا منصفين يثني بعضهم على بعض رغم الخلاف في المسائل الاجتهادية، بينما انتشر في الزمن المعاصر ظلم وتجاوز بنفي العلم والجهود عن المخالفين. ويوضح أن الإنصاف الشرعي ليس هو منهج الموازنة، بل هو مراعاة مقتضى الحال والدليل، فقد يسكت عن حسنات المخالفين سداً للذريعة، أو يذكر السيئات وحدها للتحذير، وهذا موافق للكتاب والسنة ومنهج السلف.
يحذر المقطع من أن يطلق الإنسان أحكامه عشوائياً مدعياً الإنصاف، فقد يقع في الظلم وهو يظن أنه منصف. ويختتم بالدعاء أن يجعل الله المؤمنين من المنصفين المتخلقين بأخلاق الإسلام.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وبنواله. أما بعد: فمن الأخلاق الفاضلة السامية التي حث الشرع على الاتصاف بها والتخلق بها خلق الإنصاف. خلق الإنصاف، والإنصاف عُرف بتعريفات خلاصتها: أن تعطي غيرك من الحق مثل الذي تحب أن تأخذ منه لو كنت مكانه، ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، وفي الرضا وفي الغضب، ومع من تُحب ومع من تكره، بما يوافق الشرع. فهذا هو خلاصة تعريفات أهل العلم في الإنصاف. وذكر ابن القيم -رحمة الله تعالى عليه- أنواعاً للإنصاف: إنصاف الرب جل وعلا، وإنصاف النبي عليه الصلاة والسلام، وإنصاف العباد، كما في "الفوائد". قال رحمه الله: "طوبى لمن أنصف ربه، فأقر له بالجهل في علمه، والعيوب في نفسه. وإذا آخذه الله بذنوبه رأى عدله، وإذا لم يآخذه رأى فضله. وإذا عمل حسنة علم أن ذلك بتوفيق الله جل وعلا له ومنته، وإذا عمل سيئة علم أن ذلك من خذلان الله جل وعلا له". وذكر كلاماً، ثم قال: "وسر المسألة ونكتة المسألة: أن لا يرى العبد ربه إلا محسناً، ولا يرى نفسه إلا مقصراً أو مفرطاً". وذكر إنصاف النبي عليه الصلاة والسلام، فقال رحمه الله تعالى: "القيام بحقوقه عليه الصلاة والسلام من أمر القيام بمحبته وتقديمها على محبة كل أحد، وطاعته في أمره، وتبجيله وتوقيره، وأن يعلم أنه لم يصل خير إلى أحد إلا على يديه صلى الله عليه وآله وسلم". وإنصاف العباد: أن يعامل العباد بما يحب أن يعاملوه، وأن يقوم بحقوقهم التي أوجبها الشرع عليه تجاه إخوانه، وأن لا يتعدى، ولو كان ذلك الغير مخالفاً له في الدين أو في الرأي أو في المذهب، فلا يحمله التحامل على عدم الإنصاف معه، أو بهذا المعنى. كما قال رحمه الله تعالى: "وخلق الإنصاف خلق عظيم، إذا وجد في المجتمعات فشأ الأمن والاطمئنان، وبقيت الحقوق لأصحابها، وقضي على الأنانية والحقد والحسد والكراهية، إذا التزم الناس خلق الإنصاف. أما إذا لم ينصفوا، فلا تسل عن الشر الحاصل من وجود الأنانية والأحقاد والحسد والبغضاء وظلم الناس، وغيرها من هذه الشرور". ولذلك إذا نظرنا في كتاب ربنا جل وعلا، نجد أن القرآن أنصف حتى مع المخالفين، ومع الكافرين. فالله جل وعلا يقول لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]. ولا تكن للخائنين خصيماً. هؤلاء وإن كانوا خونة، وإن كانوا خائنين، لكن لا تكن لهم خصيماً، ومن ذلك أن لا ينصف الرسول عليه الصلاة والسلام معهم، بل الواجب أن ينصف معهم. وذكر لهذه الآية سبب نزول، وهو: أن رجلاً من بني أبيرق سرق درعاً وجعله عند يهودي، فلما طلب أصحاب الدرع هذا الدرع، أنكر ابن أبيرق أخذه لهذا الدرع، واتهم اليهودي. فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الحد، نزلت الآيات في تبرئة اليهودي. لكن أنصف الإسلام وهذا الدين حتى مع اليهود. لكن أين إنصاف اليهود مع أهل الإسلام؟ وليس معنى ذلك أنهم إذا لم ينصفوا علينا أن لا ننصف معهم. لا، المسلم ينصف ولو معه من لم ينصف معه، لأن هذا دين عظيم، دين الإسلام، أفضل الأديان وأكمل الأديان، وصل الكمال في هذا الدين، الأمر بالإنصاف معه حتى من لم ينصف معك. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". إذا خانه فهو يتحمل خيانته، لكن أنت لا تخنه، وإنما عليك بالإتيان بما أمرك الشرع. وهذا قال جل وعلا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]. فلم يمنع مجادلة أهل الكتاب إطلاقاً، ولم يأمر بمجادلتهم بالشدة والقسوة، وإنما أمر بمجادلتهم، أو أدناهم في مجادلتهم بالحسنى، بالحسنى. وكذلك قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. الذي لم يعدل معك، لا يحملك ذلك على أن لا تعدل معه. الذي لم ينصف معك، لا يحملك ذلك على أن لا تنصف معه. ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]. فهكذا من ربنا سبحانه وتعالى. ويذكر كذلك ربنا -عز وجل- في القرآن حسنات لأهل الكتاب: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]. هذا من الحسن الذي ذكره الله لأهل الكتاب في كتابه العظيم. وكذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75]. وكذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً، مصاحباً لهم بالمعروف. وهذا كذلك من الإنصاف الذي جعله الله -عز وجل- مع الوالدين الكافرين: المصاحبة بالمعروف. والنصوص كثيرة التي تبين إنصاف هذا الدين، والإنصاف الذي جاء به هذا الإسلام، وجاء به النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك ثبت على النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، حيث قال معقل بن يسار: قال عليه الصلاة والسلام: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة". وهذا من الإنصاف مع المعاهد، وهو كافر، ولكنه معاهد، أو مستأمن، أو ذمي. فالإنصاف والعدل معه بأن لا يقتل ولا يعتدى عليه، هذا من الإنصاف الذي في هذا الدين العظيم. والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل النساء، ونهى عن قتل الشيوخ في الحرب، وعن قطع الأشجار. لماذا؟ لأن الشيوخ لا يحاربون، والنساء لا يحاربون. فمن الإنصاف أن لا يعتدى عليهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام بلغ ذلك، ونهى عن قتل النساء والشيوخ، وإلى آخر ذلك. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام أنصف مع ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، كما جاء في الصحيح من حديث المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه: أن قوماً أرادوا أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كان قد تزوج بفاطمة رضي الله تعالى عنها. فالنبي عليه الصلاة والسلام خطب على المنبر، وقال: "إن بني فلان يريد أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فإن كان ابن أبي طالب يريد أن ينكحها فليطلق ابنتي، فإنما هي بضعة مني، وأنا بضعة منها، ويؤذيني ما آذاها، ويريبني ما أرابها" أو "ما رابها". بوّب الإمام البخاري رحمه الله عند هذا الحديث، قال: "باب غيرة الرجل على ابنته والإنصاف". قال الحافظ بن حجر رحمه الله: "أي: والإنصاف لها، والإنصاف لها". وهذا من نصوص الواردة في إنصاف النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك كذلك لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث الغامدية، لما أمر برجمها عليه الصلاة والسلام، ورجمها الصحابة، وأخذ خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه حجراً فرمى بها، فرمى بها رأسها حتى تفضح الدم، وسبها رضي الله تعالى عنه. فقال عليه السلام: "مهلا يا خالد، والله إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر الله له". في لفظ: "لو وزعت على هذه المدينة لكفتهم". فهذا من الإنصاف من نبيه عليه الصلاة والسلام مع هذه المرأة. بل أنصف النبي عليه الصلاة والسلام حتى مع الحيوان، ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، لما قال الصحابة: "خلأت القصواء"، فقال عليه السلام: "ما خلأت القصواء، وليس لها ذلك، وليس هذا لها بخلق، وليس هذا لها بخلق". إنصاف من رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى مع بهيمة، مع حيوان. فكيف بالإنصاف مع مخلوق كرمه الله سبحانه وتعالى وشرفه؟ وكذلك كذلك أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا منصفين. فهذه أم سليم وأبو طلحة، كما جاءت فصتهما في الصحيحين. جاء في لفظ في المسند عند الإمام أحمد رحمه الله: أن أم سليم رضي الله تعالى عنها لما مات ولدها، وجاء أبو طلحة ومعه نفر من أصحابه، قربت لهم العشاء، ولم تخبر أبا طلحة بموت ولده. سأل عن ولده، قالت: "خير إن شاء الله". فقربت له العشاء، فأكلوا، وخرج أصحاب أبي طلحة، وقامت إلى ما تقوم به النساء لأزواجهن. وبعد ذلك أخبرته، وقالت له: "يا أبا طلحة، أرأيت لو أن آل فلان أخذوا عارية، واستعاروا عارية، فتمتعوا بها، ثم طلبت منهم، فكأنهم كرهوا ذلك؟" قال: "ما أنصفوا". قالت: "ما أنصفوا". قالت له: "فإن ابنك عارية، فإن ابنك عارية عندك من الله جل وعلا، فاحتسب ابنك". فاسترجع، وقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون". ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في الصحيحين بألفاظ أخرى، لكن الشاهد فيه: أن الإنصاف مع الله عز وجل أن الإنسان إذا ذهب عليه ولد أو بنت توفيت، فعلى أن ينصف مع الله جل وعلا. من أين لك هذا الولد؟ أنت تمتعت بهذا الولد، تمتعت بهذه البنت، ثم أخذها الذي خلقها. فهذا الإنصاف. التسخط على قدر الله عز وجل، لا، ليس هذا من الإنصاف. لكن الإنصاف: الرضا بقدر الله سبحانه وتعالى، والصبر على ذلك، لأنها عارية كانت عندك، ثم ماذا؟ ثم ردت إلى أصحابها. وكذلك كذلك علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، معلوم ما حصل معه، أو بينه وبين عائشة رضي الله تعالى عنها. فذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها عند علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كما جاء في الصحيح، قال: "تلك خليلة رسول الله عليه الصلاة والسلام". فوصفها بأحب الأوصاف التي يوصف بها الإنسان. فما قال بها كلاماً يدل على ماذا؟ على عدم رضا عنها، مع ما حصل بينهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. لكن انظروا الإنصاف. عائشة رضي الله تعالى عنها، ما تستحق إلا الوصف الجميل، والثناء الحسن. فلم يحمل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ما حصل، إلى أن يقول كلاماً، ولا تلميحاً، ولا إشارة، وإنما قال كلاماً حسناً في حق الصديقة، بنت الصديق رضي الله تعالى عنها. وأما عائشة رضي الله تعالى عنها، فكان عروة بن الزبير رحمه الله يتكلم على حسان، ويقع في حسان، فتنهاه عائشة، فتنهاه عائشة، وتقول لعروة: "إنه كان ينافح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام"، أو "أنه ينافح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام". معلوم حصل في حادثة الإفك، حسان رضي الله تعالى عنه كان من تكلم في عائشة رضي الله تعالى عنه، مجمعين. فلم يحمل عائشة الكلام الذي قال لها حسان فيها، على أن تسكت، ولو على الأقل، ولم ترد على عروة. لا، حتى السكوت ما سكتت، وإنما ردت، قالت: "لا". وكان على الأقل بمكانها أن تسكت. وهذا لا يدل على عدم رضاها، أو رضاها عند الناس، لكنها تراقب الله عز وجل، وتنصف مع هذا الصحابي الجليل، فقالت: "إنه ينافح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام". فهكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. والرسول عليه الصلاة والسلام كذلك، لما جاء في الصحيحين في حديث عمر، في قصة حاطب بن أبي بلتعة، لما قال عمر: "يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا، فقد نافق". قال له النبي عليه الصلاة والسلام: "يا عمر، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم". إنصاف مع هذا الصحابي الجليل. والنقلات كثيرة في هذا عن السلف الصالح. كان الشافعي رحمه الله ينصف مع الإمام أحمد، ويذكر من حسناته. وهكذا كان الإمام أحمد ينصف مع الإمام الشافعي، ويذكر من حسناته. وهكذا كان السلف الصالح، كانوا منصفين، لا يتعدون، ولا يتجاوزون. وإن لو حصل بينهم شيء، ولو حصل بينهم شيء، بعض الخلاف في المسائل التي يتسع فيها مجال الاجتهاد، أو لها نظر ومحل في الاجتهاد، لا يحملهم ذلك على الكلام الذي به مجاوزة. لماذا؟ لأنهم علموا أن هذا ليس من الإنصاف الذي أمرهم به الشرع. وإلى يومنا هذا، تجد العلماء الربانيين يثني بعضهم على بعض. الشيخ الألباني يثني على الشيخ ابن باز، الشيخ ابن باز يثني على الشيخ الألباني، مع أنه ربما تحصل بينهم ردود في بعض المسائل. الشيخ الألباني يرى الصواب فيها كذا، الشيخ ابن باز يرى الصواب فيها كذا، يحصل بينهم ردود، هذا يكتب، وربما تكون في بعض العبارات شيء من الشدة، لكن لم يحملهم ذلك على عدم الإنصاف، بأن مثلاً يقول الشيخ الألباني: "ابن باز هذا لا علم عنده"، أو يقول مثلاً ابن باز: "الألباني هذا لا علم عنده". لا، كل واحد منهما يثبت العلم لصاحبه، ويثني عليه ثناءً عظيماً. هكذا كان السلف الصالح. أما في زمننا هذا، فصار زمن فوضى، زمن فوضى، وقل فيه الإنصاف. تجد الإنسان يتعدى ويتجاوز، لماذا؟ بسبب أن فلاناً خالفه في مسألة لها وجه من النظر، أو لها دليل، أو كذا، أو كذا. وهذا الأمر مما يعني يسع، يسعه الاجتهاد، فيشنع عليه، وربما ينفي عنه العلم، ويتجاوز. هل هذا من الإنصاف؟ لا، ليس هذا من الإنصاف. هذا ظلم، هذا كذب. أن يقول لشخص مثلاً، لمن يراه مخالفاً له: "لا أعلم له ثناء، ولا أعلم له طلاباً، ولا أعلم له جهوداً". سبحان الله! لا جهود له، ولا طلاب له، ولا أعلم ثناء، ثناء عالم له. كل هذا، وبالأمس ربما يثني، وبالأمس يقر أن له طلاباً، وأن له جهوداً في الدعوة، وأنه ينافح. ليوم، من الذي غير؟ من الذي نفى الطلاب عن هذا العالم؟ ومن الذي نفى تلك الجهود عنه؟ ومن الذي جعله لا يعلم ثناء عليه من عالم؟ إنه عدم الإنصاف، وإنه التحامل الذي وجد في القلب. لو ترى مخالفاً لك، أنصف معه، أنصف معه. إذا أردت أن لا تذكر له حسنات، زعمت أن ذكر الحسنات هنا المقام لا يستدعيها، فأنت على هذا. وأما أنك تكذب في حقه، وتنسب إليه أشياء، أو تقول مثلاً: "هو كذا، يفعل الفواحش"، فهذا كذب. أو تقول: "هو ما يحضر الجماعة"، وهو كذب. أو كذا، أو كذا، أو أنه يحب المال، أو أنه شحات، أو أنه كذا وكذا، وهو كذب. هذا كذب، ما هو إنصاف. أو تنفي عنه أشياء من خصال الخير، تقول: "فلان ما يعرف يعني بصدق، ولا كذا"، وأنت تعرف أن هذا الكلام غير صحيح. فهذا ليس من إنصاف. فرق بين سكوت أهل العلم عن ذكر حسنات المخالفين، وهذا منهج، منهج القرآن والسنة: لا تذكر حسنات المخالفين. لهم حسنات، لكن لا تذكر في مقامات، المقام يستدعي عدم ذكر حسنات هؤلاء، وإن كان عندهم حسنات. لماذا؟ لأن المقام يستدعيه. أو تذكر لهم حسنات في مقام يستدعيه، يستدعي ذلك المقام ذكر شيء من حسنات هؤلاء. لكن هل في القرآن أو السنة؟ وهذا كله من الإنصاف، لأنه يوافق الشرع. قد تقدم في التعريف في آخره: "بما يوافق الشرع". وهذا كله يوافق الشرع. حين يسكت عن حسنات المخالفين، لكي لا يغتر بهم، لهم أشياء، مثلاً صدقات، لهم كذا وكذا، لكنهم يمشون على طريق غير سليمة، على منهج مخالف للكتاب والسنة، فلا تذكر لهم حسنات، ويسكت عن حسناتهم، حتى لا يغتر الناس بهم. لكن ليس من الإنصاف أن نقول: "هم فيهم كذا، وفيهم كذا، وليست فيهم هذا". كذب. أو ننفي عنهم أشياء هم لا يفعلون، ولا يفعلون، ولا يفعلون، وهي كذب. فرق بين السكوت عن ذكر حسناتهم، وبين أن تنسب إلى الناس أشياء هم برآء منها، أو تنفي عنهم أشياء هي فيهم. فهذا ليس منهج القرآن، وليس منهج السنة. نعم، من الإنصاف القرآني والسني: عدم ذكر حسنات المخالفين. وليس معنى الإنصاف: منهج الموازنة، كما ظن بعض الناس. منهج الموازنة، منهج محدث، وهو أنه لابد أن تذكر حسنات والسيئات. تتكلم على شخص تحذر منه، كما حذرت منه، وذكرت السيئات له، أذكر حسناته، لابد أن تذكر حسناته. إذا لم تذكر، فأنت مخالف. لا، هذا منهج مخالف. هذا هو المنهج المخالف، الذي يلزم الناس بذكر الحسنات والسيئات دائماً، وفي كل مقام. هذا منهج مخالف للسنة. أدلته كثيرة في الكتاب والسنة. ذكر الله حسنات بعض أهل الكتاب، ولم يذكر لهم سيئات. ذكر الله بعض سيئات أهل الكتاب، ولم يذكر لهم حسنات. والرسول صلى الله عليه وسلم ذكر بعض السيئات، لم يذكر حسنات. قال لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية". قاله لأبي ذر. أين الحسنات؟ مقامات استدعت شدة وزجر، وذكر هذه المساوي للحذر منها. فيلزام الناس بذكر الحسنات والسيئات في كل مقام، منهج مخالف لمنهج السنة والجماعة. وللشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي رسالة عظيمة في الرد على هذا المنهج المحدث، وعلى أصحابه، الذين ادعوا أن هذا المنهج هو منهج الكتاب والسنة، والكتاب والسنة براء من هذا المنهج. لماذا؟ لأن لكل مقام مقال. فهناك من الإنصاف: ذكر الحسنات فقط. ومن الإنصاف أحياناً: ذكر السيئات فقط. ومن الإنصاف أحياناً: ذكر الحسنات والسيئات، إذا كان في مقام الترجمة: ترجمة ما للرجل وما عليه. فالحاصل: أن أمر الإنصاف أمر مهم، لكن يضبط بأمر الشرع، ويضبط بتطبيق النبي عليه الصلاة والسلام له، بتطبيق السلف الصالح. أما أن يخبط الإنسان فيه خبط عشواء، ويقول: "هذا بالإنصاف"، فربما يقع في الظلم، ويظن أنه من الإنصاف. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المنصفين، المتخلقين بأخلاق الإسلام. والحمد لله رب العالمين.