وصايا من الكتاب والسنة 4

الدرس في وصايا من الكتاب والسنة 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقيقة التقوى كلباس دائم وخطر الرياء في السر والعلن

يشرح المقطع تفاسير السلف للتقوى كاجتناب المحارم وأداء الطاعات، مؤكداً أنها لباس لا يُخلع أبداً في كل زمان ومكان. ويحذر من حال من يظهرون التقوى أمام الناس وينتهكون محارم الله في الخلوة، فتذهب حسناتهم هباءً منثوراً يوم القيامة.

استواء التقوى في السر والعلانية ووعيد المجاهرين بالمعصية

يؤكد المقطع أن التقوى الحقيقية تتطلب استواء طاعة الله في السر والعلانية، ولا يبرر ارتكاب المعاصي في الخلوة. ويبين شدة وعيد المجاهرين بالذنوب، مضرباً مثل الرجل الصالح الذي قال لعاصٍ: "والله لا يغفر الله لك"، فأحبط الله عمله وغفر للعاصي.

الفرق بين المجاهر بالمعصية والكافر وفضائل التقوى

يبيّن المقطع أن المجاهر بالمعصية لا يُكفّر ما لم يستحل الحرام، ويرد على منهج الخوارج في التكفير بالذنوب. ثم يستعرض فضائل التقوى العظيمة من نيل الجنة ورضا الله، وأن العبادات شُرعت لتحقيق التقوى في السر والعلن.

دعاء بالتقوى وحسن الخاتمة

يسأل الداعي الله أن يجعله من عباده المتقين في السر والعلن، وأن يحييه ويميته على التقوى. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي بعض تفاسير السلف عن التقوى، وآخر ما ذكرنا تفاسير أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن التقوى، فقال رضي الله تعالى عنه: «السائل: ألم تمشِ بأرض بها شوك؟ قال: نعم. قال: فما فعلت؟ قال: تجنبت. قال رضي الله تعالى عنه: تلك التقوى». وفسر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، قال رضي الله تعالى عنه: «أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر». أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. أي: الإتيان بالطاعات، وترك المعاصي، وذكر الله جل وعلا، وعدم الغفلة والنسيان عن ذكر الله عز وجل، وهكذا الشكر لله سبحانه وتعالى وعدم الكفران. هكذا فسر رضي الله تعالى عنه. وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يُتقى». إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يُتقى. يعني: اتقوا أموراً عظيمة، لا ليست بالهينة، وليست بسهلة أي يسهل اتقاؤها، لكن لأنهم متقون حقاً اتقوها. اتقوا ما لا يُتقى، بمعنى: لا يتقيه كل أحد، اتقوا أموراً لا يستطيعها الكثير، وذلك لصدق تقواهم لله عز وجل. فقال رحمه الله: «إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يُتقى». وهكذا فسر بعض السلف التقوى أنها ترك بعض الحلال مخافة الوقوع في الحرام. وتفاسير كثيرة عن التقوى جاءت عن السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم. ويُذكر في هذا الموضوع ما يتعلق بهذه الوصية العظيمة، وهي الوصية بتقوى الله جل وعلا، أن يعلم أن التقوى لباس يجب أن لا يُخلع. أي: أن يلبس فلا يُخلع أبداً، هذه حقيقة التقوى. وأنها لباس يجب أن يلبس فلا يُخلع، ليست هي مثل اللباس الحسي الذي يلبسه الإنسان، يلبس ثوباً أو إزاراً ثم يُخلع هذا اللباس عنه متى شاء. التقوى لباس، ولكنه لباس يجب أن يلبس دائماً فلا يُخلع. يلبس في كل زمان وفي كل مكان، يلبس في السر والعلن، وفي الجهر والخفاء، ويلبس سواء كان الإنسان لوحده أو كان عند الناس. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. سماه جل وعلا لباساً، ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. فالتقوى لباس يلبسه المسلم ويتزين به ويتحلى به دائماً في حله وترحاله، في سوقه وبيته، في المسجد وفي الشارع، السر والعلن. لا يلبس هذا اللباس في المسجد ثم يخلعه إذا خرج من المسجد. لا يلبس هذا اللباس أمام الناس، وإذا كان في خلوته وبعيداً عن الناس خلع هذا اللباس. كمن يظهر التقوى في المساجد: إذا كان في المسجد كان تقياً مراقباً لألفاظه وذاكراً لربه جل وعلا، وتاركاً للذنوب والمعاصي، ومبهراً للتقوى والصلاح. لكن إذا خرج من المسجد ترك تلك الأمور، فإذا هو يقع في محارم الله جل وعلا. فهذا اتقى الله عز وجل في المسجد، ولم يتق الله جل وعلا في الشارع. اتقى الله في المسجد، ولم يتق الله جل وعلا في البحر. اتقى الله جل وعلا في المسجد، ولم يتق الله في السوق. اتقى الله عز وجل في المسجد، ولم يتق الله في غرفته وفي بيته. فهذه ليست بتقوى. اتق الله حيث ما كنت، حيث ما كنت: في المسجد، الشارع، في البيت، في الأرض، في الجو، في البحر، في بطن الحوت، في أي مكان. ما دمت حيا فأنت مطالب بتقوى الله: تحت الأرض أو فوق الأرض، في البحر أو في الجو، في المسجد أو في السوق. فلا يكن الحال مثل ذلك الحال الذي ذمه عليه الصلاة والسلام، وتوعد من كان عليه، وهو إظهار التقوى في الجهر والعلن، وترك التقوى في السر والخفاء. كما جاء في حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه في سنن ابن ماجة، صححه الألباني رحمة الله تعالى عليه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «يأتي أقوام يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، أو أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله جل وعلا هباء منثوراً». أي: لا ينتفع أصحاب هذه الأعمال بهذه الأعمال، وتضيع عليهم الحسنات والأجور، فتذهب هباء منثوراً. ما السبب في ذلك؟ سأل الصحابة رضي الله تعالى عنهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من هم يا رسول الله؟ صفهم لنا، جلهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هم من بني جلدتنا، يأخذون من الليل ما يأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». انظروا السبب الذي كان لأجله عدم انتفاع هؤلاء بأعمالهم، فذهبت عليهم أجورهم وحسناتهم هباء منثوراً. السبب: أنهم إذا كانوا بين الناس أظهروا التقوى وأظهروا الصلاح والاستقامة، فغضوا أبصارهم عن الحرام، وكفوا أسماعهم عن الحرام، وكفوا ألسنتهم عن قول الحرام. لكن هذا كان في الجهر وعند الناس. أما في الخلوة، تغير حالهم، انتهكوا محارم الله جل وعلا، فنظرت أعينهم إلى الحرام، وسمعت آذانهم الحرام، وقالت ألسنتهم الحرام في الخفاء. «ولكنهم أقوام إذا خلوا في الخلوة بمحارم الله انتهكوها». فهؤلاء أظهروا التقوى في الجهر وفي العلن، وتركوها في السر والخفاء والخلوة، فما نفعتهم تلك التقوى، لأنها كانت في مكان فقط، وفي أمكنة معينة فقط، وفي أزمنة محددة فقط. ولا ينتفع الإنسان بتقواه إلا إذا كانت تقواه دائمة في سره وعلانيته، وفي خلوته وعدم خلوته. وليس معنى هذا أن الإنسان إذا ابتلي بانتهاك محارم الله جل وعلا في الخلوة أنه يظهرها في العلن. لأن بعض الناس أفهمهم معكوسة، فيفهم غير المراد، فيقول مثلاً: «ما الفائدة؟ أنا في الخلوة وأنا بعيد عن الناس أسمع الغناء، لما أكون في منزلي وفي بيتي أسمع الغناء وأنظر إلى التلفاز وهكذا، ولما أكون عند الناس لا أفعل ذلك، لا أسمع الغناء وأبتعد عنه، ولا أنظر إلى التلفاز». والنبي عليه السلام يتوعد من يفعل هذا، فيحكم على نفسه أنه ما دام أنه لم يتق الله عز وجل في الخلوة، فهكذا يكون في الجهر أمام الناس. بعض الناس مثلاً يخزن في بيته، يقول: «أنا أخزن في البيت، أخزن أمام الناس، أنتهك محارم الله في بيتي، فأفعل أمام الناس. أدخن في بيتي، أدخن أمام الناس. أشرب الخمر - عياذ بالله - إذا كان يشرب الخمر في بيتي، أشرب أمام الناس». لا، ليس هذا المراد. وإنما مراد النبي عليه الصلاة والسلام: أنك يا عبد الله، كما اتقيت الله عز وجل في الجهر، عليك أن تتقي الله جل وعلا كذلك في السر وفي الخلوة، في السر وفي الخلوة. هكذا تقوى الله عز وجل تكون. أما إذا كنت تتقي ربك جل وعلا في الجهر، وفي الخلوة لا تتقيه جل وعلا، فأنت متوعد بهذا الوعيد. وأعظم من هذا: أنك إذا فعلت الذنوب والمعاصي، وتركت التقوى في السر والعلن، هذا أعظم ووعيده أشد. فهذا الذي أظهر التقوى أمام الناس، وفي الخلوة ترك التقوى، متوعد بهذا الوعيد الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وآخر ترك التقوى في الخلوة وعند الناس في الجهر، هو تارك للتقوى، فهذا وعيده أعظم. وبهذا يتبين معنى ذلك الحديث الذي فيه الوعيد. فلا شك أن الإنسان إذا صار يفعل الذنوب والمعاصي أمام الناس وفي الجهر، فإنه يكون بذلك مجاهراً، يكون بذلك مجاهراً بالذنوب والمعاصي، فيكون إثمه أشد ووعيده أعظم. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». كل أمتي معافى إلا المجاهرين. فخص المجاهرين به عقوبة أشد ممن كان يذنب ولا يجاهر، وإنما يذنب ويستتر، يستتر بهذه الذنوب، يفعلها بعيداً عن أنظار الناس، يستتر بها. فإثم المجاهر أعظم. وليس معنى ذلك أن المجاهر بالذنوب والمعاصي كافر، كما ضل في هذا الباب أناس وأقوام، ظنوا أن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»، أي أن المجاهر كافر، المجاهر بالمعصية. وهذا باطل. بل المراد من الحديث شدة الوعيد في حق هذا المجاهر. لماذا؟ لأنه قد جاهر بذنبه ومعصيته أمام الناس، سترها الله جل وعلا عليه، فأبى إلا أن يعلم الناس بها، يصبح ويقول: «قد فعلت وفعلت» على أمور المنكر. في السر بينه وبين الله، ثم لما أصبح يتحدث بها، كحال من يتفاخر - والعياذ بالله - بالذنوب والمعاصي: «فعلت كذا، فعلت كذا»، يتبجح - والعياذ بالله - والأعظم من هذا أنه يفتخر أنه فعل هذه الفواحش، فالإثم أعظم. لكن ليس معنى ذلك أنه كافر. وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر عن ناس جاهروا بذنوبهم ومعاصيهم، وغفر الله جل وعلا لهم. ولو كانوا كفاراً، فلا مغفرة للكافر إذا لم يتب. ومن ذلك ذلك الحديث، وهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي فيه أن رجلين: أحدهما كان طائعاً، وكان الآخر عاصياً. فكان يأتي هذا الطائع ويقول للعاصي: «اتق الله، واترك ما أنت عليه من هذه الذنوب». كان يظهرها. كان يظهرها. ولكن كيف يعلم هذا أنه يفعل هذه الذنوب حتى يأتي ينصحه؟ لو كان يستر بها لما علم هذا الذي ينصحه. لكنه كان يظهرها، فيأتي هذا ويراه على معصيته، يجاهر بها ويظهرها، فيقول له: «اتق الله، اترك هذه المعصية». فيقول هذا: «خلني وربي، لم تبعث علي رقيباً». خلني وربي، بيني وبين ربي. فيتركه. ويأتيه في اليوم الثاني، ويجده على معصيته التي يظهرها، وينصحه، وهو يأتي بهذا الجواب: «خلني وربي، لم تبعث علي رقيباً». وهكذا، إلى أن أتى يوم، وقال لهذا العاصي: «اتق الله، واترك هذا الذي أنت عليه». قال: «أو خلني وربي، لم تبعث علي رقيباً». فقال هذا الطائع لهذا العاصي: «والله لا يغفر الله لك». أقسم بالله، وحلف بالله: «والله لا يغفر الله لك». المغفرة هي لله عز وجل، عز وجل هو الذي يغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء. ليس لأحد أن يمنع رحمة الله عن أحد، أو يمنع مغفرة الله عن أحد. هذا تدخل فيما هو من خصائص الله جل وعلا. من أين لك أن الله لن يغفر لفلان؟ هل علمت الغيب؟ هل أخبرك أحد، أو أخبرك الله أنه لن يغفر لفلان؟ انظروا هنا: هذا الخطأ العظيم الذي وقع من هذا الطائع: «والله لا يغفر الله لك». فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له، وأحبط عملك». فقد غفرت له، وأحبط عمله. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «قال: قال كلمة أوبقت عليه دنياه وآخرته. كلمة واحدة: قال: والله لا يغفر الله لك، كانت سبباً في هلاكه مع طاعته». مهما بلغ الإنسان في الطاعة، لا يغتر بنفسه، ولا يتدخل فيما هو من خصائص الله. مهما بلغ من الطاعة، من العبادة، لا يمنع مغفرة الله عن أحد، أو رحمة الله. فلذلك عاقبه الله عز وجل: «فقد غفرت لذلك، وأحبط عمله». الشاهد من هذا الحديث: أن هذا الرجل كان يظهر المعصية، وكان يجاهر بها، ومع هذا غفر الله جل وعلا له. فإذا هو ليس بكافر. فالمجاهر بالمعاصي ليس بكافر. ولو كان يشرب الخمر بين الناس، ليس بكافر، ما دام أنه لم يستحلها. فهو عاصٍ مجاهر بالمعصية. ليس معنى أنه كافر. الذي يفتح الأغاني في الاستوديو ويرفع الصوت في الأسواق وغيرها، ليس بكافر. نعم هو مجاهر، مجاهر بالمعاصي، لكن ليس هو كافر. الكافر هو الذي يستحل الحرام، الحرام الذي لا شبهة معه، فواضح الحرمة، معلوم من الدين بالضرورة حرمته، لا عذر له في ذلك، ولا تأويل، ولا شبهة. فهذا يحكم عليه. أما ما يفعله بعض المتهورين ممن يسمون أنفسهم بالجهاديين، أو بالغيورين، الغيورين على دين الله، فهو ليس من دين الله عز وجل في شيء. فبعض الناس يأتي إلى بعض الاستوديوهات مثلاً ويفجرها، يفجر الاستوديوهات الغناء. ما لك يا فلان؟ قال: «هؤلاء مجاهرون كفار، فجرهم». يأتي عن مكان مثلاً يصنع، يصنع فيه خمر، سوى كان في بيت، أو كان في فندق، أو كان في كذا، يعلم أنهم يصنعون الخمر في هذا المكان مثلاً، فيأتي ويفجر. ما لك؟ قال: «هؤلاء كفار». لماذا كفار؟ قال: «يجاهرون بالمعاصي». فهذا ضلال، وهذا من اعتقاد الخوارج: التكفير بالذنوب والمعاصي. أهل السنة والجماعة لا يكفرون بالذنوب والمعاصي، ما دام أن هذا المذنب لم يستحل هذه الذنوب والمعاصي، وإنما يقع فيها وهو يعلم أنه مفرط ومقصر ومذنب. فلذلك الشاهد من هذا الكلام في حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، في قول النبي سلم: «ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». هذا المراد. فإذا جاهروا بها كان إثمهم أعظم، لأنهم صاروا يجاهرون، وكل أمتي يقول النبي سلم: «معافى إلا المجاهرين». فإذا التقوى لباس يلبس في السر والعلن. ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل رحمة واسعة، إذ يقول: «إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت، ولكن قل عليّ رقيب. ولا تحسبن الله يغفل ساعة، ولا ما يخفى عليه يغيب». إذا خلوت الدهر يوماً، فلا تظن أنك قد خلوت، بل تذكر مراقبة الله جل وعلا لك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. ولكن قل: عليّ رقيب. فالله جل وعلا لا يغفل، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم. فالله جل وعلا لا يغفل عن عباده، مطلع على عباده وعلى أمورهم، لا تخفى عليه خافية جل وعلا. ورحم الله القائل: «إذا ما خلوت بريبة في ظلمة، والنفس داعية إلى العصيان. فاستحي من نظر الإله، وقل لها: إن الذي خلق الظلام يران». إذا ما خلوت بريبة في ظلمة، والنفس داعية إلى العصيان، فاستحي من نظر الإله، وقل لها: إن الذي خلق الظلام يران. قل لهذه النفس، قل لنفسك الأمارة بالسوء، الداعية إلى العصيان، لأن الله جل وعلا يراها، ويرى الأعمال، ولا تخفى عليه خافية جل وعلا. تقوى الله سبحانه وتعالى لها فضائل كثيرة في الكتاب والسنة. من أعظم الفضائل: تحصيل الجنة. قال جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. أُعدت للمتقين، جنة عرضها السماوات والأرض، أعدها الله جل وعلا للمتقين. قال جل وعلا: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾. الآيات. من فضائل التقوى: قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. الآيات. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. وقال سبحان وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾. وقال سبحان وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وشرع الله جل على العبادات لأجل تحصيل التقوى. فشرع الصيام لأجل تحصيل التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أمر الله جل وعلا بالقصاص في الأرض وإقامة الحدود لأجل تحصيل التقوى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أمر الله جل وعلا باتباع الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام لتحصيل التقوى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وآيات وأحاديث كثيرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق». تقوى الله وحسن الخلق. وكان نبي سلم يقول كما في حديث ابن مسعود عند مسلم: «اللهم، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». ففضائل التقوى كثيرة جداً في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من عباده المتقين الذين اتقوه جل وعلا في السر والعلن، وأن يحيينا على التقوى، وأن يميتنا عليها. والحمد لله رب العالمين.