الدرس في Lesson 1 Part 4، tafseer of soorah al-falaq p.1 ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ تفسير سورة الفلق ويبين أهميتها في التعوذ من الشرور الخارجية. يشرح معاني الآيات وكيفية التعوذ بالسورة.
يشرح المقطع معنى الاستعاذة بالله من شر ما خلق في سورة الفلق. يبين أن الله هو رب الخير والشر وأن الاستعاذة عبادة لا يجوز أن تطلب إلا من الله.
يتناول المقطع أهمية اتقاء شرور الليل وضرورة اتخاذ الأسباب الشرعية والحسية لذلك. يبين أن اتقاء الشر في الليل يتطلب اتخاذ إجراءات احترازية.
المقطع يشير إلى انتهاء الحديث في موضوع معين مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بأن العلم من الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، نتم ما سبق السير فيه في رسالة شيخنا الوالد علامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى. وكان آخر ما وقفنا عليه الكلام على شيء مختصر فيما يتعلق بسورة الناس، واليوم نتم ذلك فيما يتعلق بما بعدها، على التدرج الذي قد علمتموه. فنقرأ إن شاء الله، أو ننظر في شيء يسير مما يتعلق بسورة الفلق، وهي أحد السورتين اللتين كما سبق أن علمنا هي من المعوذات التي أنزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام. وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب التعوذ بهن، يعني القراءة بهن، وكذلك الرقيا بهن، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث. ومعنى ينفث: يعني ينفخ نفخا خفيفا مع شيء لا يكاد يذكر من الريق في كفيه، ثم يمسح بهما على سائر جسده. قالت عائشة: فلما اشتد وجعه، يعني في المرض الذي مات فيه عليه الصلاة والسلام، قالت: كنت أقرأ عليه، لأنه كان مريضا عليه الصلاة والسلام، قالت: كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها، تجعل المسح بيد النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا من ذلك ما جاء في صحيح البخاري وغيره، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: ﴿قل هو الله أحد﴾، و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، و﴿قل أعوذ برب الناس﴾. قالت: ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. ومعناه أنه يقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾، و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، و﴿قل أعوذ برب الناس﴾، وقد نفث، يعني أول شيء يجمع كفيه، ومعنى يجمع كفيه: أن يضم الكف إلى الأخرى ويجعلهما في مقابله، ثم ينفث فيهما، يعني يجعل نفخا يسيرا مع ما لا يذكر من الريق. هكذا مثلا شيء يسير، ثم هذا يسمى نفخا، كأنه ينفث بطرف لسانه مع أسنانه وفمه، لا يخرج الريق، ثم يمسح بعد قراءة هذه السور الثلاث ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، وما أقبل يعني ما كان من جهة الأمام من الجسد، لأنه نائم على ظهره، ويفعل ذلك ثلاث مرات. ومعنى ثلاث مرات: يعني في كل مرة يجمع كفيه وينفث، ثم يقرأ السور الثلاث، ثم يمسح ما استطاع من جسده. ومن هذه الأحاديث أيضا حديث عقب بن عامر في صحيح مسلم وغيره، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس». فهذا يدل على أنها من أعظم السور التي يتعوذ بهما أو يتعوذ بها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرقي بأدعية، يعني نفسه وغيره، فلما أنزلت عليه هذه السور، أي المعوذات، صار يرقي بهن عليه الصلاة والسلام. والمعنى أنها من أحسن ما يستعمل في الرقيا. ومن حكمة الله عز وجل أن شرع قراءتها في مواضع كثيرة، فنقرأها في صلواتنا، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرأ بها في المغرب، وهكذا أيضا قرأ بها في عدد من النوافل. فهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يعتني بقراءة هذه السورة، أي سورة الفلق، مع هذه المعوذات المذكورات، ويعتني بمعرفة معناها. نعم، يترجم هذا إن شاء الله. فنقرأ السورة: ﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد﴾. فيقرأ المعلم هذه السورة على الطلاب ويكررها ويستنطق منهم نطقها، يعني يطلب منهم أن ينطقوها على ما قرأها عليهم. وهكذا أيضا المعلمة تقرأ هذه الآيات من هذه السورة على الطالبات وتستنطقهم في قراءتهم لها. ومن وجد منه خطأ في نطق بعض الحروف أو الآيات صوبها. وكما قلنا: إذا كان المجتمع فيه شيء من العجمة، يعني ليس أهله من العرب، فيدقق مع بعض الحروف الثقيلة التي تستثقل على بعض الأعاجم، مثل حرف الحاء والخاء وهكذا، وكذلك الغين ونحوه من الحروف التي ربما لا تنطق على الوجه الصحيح. وأما تفسير هذه السورة على وجه مختصر، فقوله جل وعلا: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، مر معنى الكلام على لفظ ﴿قل﴾ في سورة الناس بما يغني عن الإعادة. وهكذا أيضا مر معنى الكلام على معنى العود في سورة الناس بما يغني عن الإعادة في هذا الموضع. ومما ينتبه له: أن سورة الناس فيها التعوذ من الشرور النفسية، والشرور التي ترد على هذا الإنسان من الشيطان إلى قلبه، سواء من نفسه الأمارة بالسوء أو من وساوس هذا الشيطان في التخلف عن الواجبات أو التجاسر على المحرمات أو نحو ذلك. وهذه السورة فيها التعوذ، وهو طلب دفع الشر من الله عز وجل، من الشرور الخارجية، سواء من شياطين الجن أو من شياطين الإنس، أو كذلك من شرور كل ذي شر من الدواب أو غير الدواب من الجمادات. فمعنى أعود: كما مر معنا، ألتجئ وأعتصم وأحترز. فأنت تطلب من الله عز وجل أن يحفظك من كل سوء ومكروه. والرب هو الله عز وجل، ومر معنا معناه فيما تقدم في سورة الفاتحة. والفلق ذكر في تفسيره معاني كثيرة، فمما ذكر: نور الفجر الذي يطرد الظلام، وقيل غير ذلك. والمقصود أنك تلجأ إلى الله عز وجل الذي هو رب الخير ورب الشر، رب الخير موجده ومدبره ومحبه، وهو رب للشر بمعنى خالقه ومقدره، فهو رب كل شيء سبحانه. فإذا كان هو سبحانه رب كل شيء، فإذا تلجأ إليه، لا تلجأ إلى غيره، لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ولا إلى صالح من الصالحين، لا إلى شيء، بل إلى الله عز وجل وحده. وهذا كما تقدم من الاستدلال بربوبيته على ألوهيته. فأنت كأنك تقول: أنت يا ربي الرب الواحد الفرد المتفرد بجميع معاني الربوبية، فإذا أنا أعبدك وحدك وأستعين بك وحدك، لأن الاستعاذة من العبادة. والاستعاذة من العبادة، ومر معنا أن لفظ العود يتضمن أربعة أمور: المستعاذ به وهو الله عز وجل، والمستعاذ منه وهو الشر بأنواعه، والمستعيد وهو هذا الإنسان، والاستعاذة وهو لفظ العود. ومستعاذ به قلنا: وهو الله عز وجل، أنت تستعين بالله، ومستعاذ منه وهو الشر بعمومه، والمستعيد وهو هذا الإنسان، والاستعاذة وهو اللفظ الذي تتلفظ به أو السورة التي تقرأها. ومر معنا الكلام: أن الاستعاذة عبادة، فلا يجوز أن تطلب إلا من الله عز وجل. ولهذا كان من شرك المشركين الاستعاذة بالجن، وهذا ما يفعله المشركون قديما وحديثا، يطلبون دفع الشر من الجن ومالكي الجن من السحرة والكهنة ونحوهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعودون برجال من الجن﴾، يعني يطلبون دفع المكروه والشر من هؤلاء الرجال من الجن، ﴿فزادوهم رهقا﴾، يعني خوفا وضعفا. وهكذا أيضا قال الله عز وجل بعده: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾. وشر نكره في سياق الإثبات، تفيد الإطلاق، أي شر. وما خلق اسم موصول يفيد العموم، يعني الذي خلق. والمقصود أن هذا اللفظ يفيد أننا نتعوذ من شر كل ذي شر في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا من شياطين الجن والإنس وشرورها، وهكذا شرور سائر المخلوقات الأخرى من دواب مفترسة، مثلا كالسباع أو زاحفة كالتعابين والعقارب ونحوها، أو طائرة كأسائر أنواع ما يطير من الطيور الضارة أو الحشرات الضارة. وهكذا أيضا الجمادات من شر النار وشر الحر وشر البرد وشر الأشجار الضارة والسامة. فأنت تتعوذ بالله من شر كل ذي شر. وهكذا الشرور التي تضر بالدين، تشر الذنوب والمعاصي والهوى والنفس الأمارة بالسوء والعمل السيء والشرك والبدعة والكبيرة وسائر الشرور الأخرى التي تضر بالدين. وهكذا أيضا شرور الآخرة، وأول منازل الآخرة القبر، لأن استحضار هذه المعاني يعطيك تعظيما للسورة وتذوقا لها عند قراءتها. فأنت حين تعرف أنك حين تقرأ هذه السورة وهذه الآية على وجه الخصوص، فمعناه أنك تتعوذ من الله وبالله عز وجل من كل ذي شر، من الشرور الدينية والدنيوية، وفي الدنيا وفي الآخرة، ومن الآخرة ما في القبر من شرور، ومن الآخرة ما في البعث وما فيه من شرور، ومن الآخرة ما في الحشر وهول الموقف، ومنه المرور على الصراط، ومنه النجاة من النار ودخول الجنة، يعني السلامة حتى تدخل الجنة، أنت تطلب من الله عز وجل أن يعيدك من هذه الشرور كلها. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿من شر ما خلق﴾، استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية مع قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه الذي علم: «والشر ليس إليك». فالشر لا يضاف إلى الله عز وجل إضافة صفة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «والشر ليس إليك». ولكنه يضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق. وبهذا نعرف الجمع بين هذه الآية وهذا الحديث. فإن الله عز وجل أثبت لنفسه الشر في موضع ونفاه عنه نبينا عليه الصلاة والسلام في موضع. فالمنفي هو إضافة الصفة، لا نقول: من صفة الله عز وجل الشر، فالشر ليس إليه سبحانه. لكن نضيف الشر إلى الله عز وجل إضافة خلق، فنقول: هو سبحانه وتعالى خالق الشر، كما قال: ﴿من شر ما خلق﴾. ومع ذلك كما قال ابن القيم رحمه الله: إن هذا الشر المضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق، هذا فيما يراه الإنسان، وإلا فلله عز وجل حكمة في خلق الشر، كما أن لله حكمة في خلق الخير. وهذه الحكمة لا يعلمها الإنسان، ويعلمها الله سبحانه وتعالى. وقد يعلم الإنسان بعض هذه الحكم مما يوجب له التعظيم للرب العظيم سبحانه وتعالى. وبه نعرف أن قول أهل السنة والجماعة في باب القدر هو القول الحق الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. من أن الله عز وجل خلق العباد وخلق أعمالهم وخلق المخلوقات وخلق أفعالها، كما قال الله سبحانه: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، أي والله خلقكم وعملكم، خلقكم وعملكم. فهو خلق المخلوقات، وهي أنواع، منها ما فيه خير ومنها ما فيه شر، لحكمة سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا خلق أعمال هذه المخلوقات، كما في الآية: ﴿والله خلقكم وعملكم﴾. ومن أعمالهم ما هو خير ومنهم ما هو شر. وهكذا أيضا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في مستدرك الحاكم بإسناد حسن، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله خالق كل صانع وصنعته». فخلق الله المخلوقين وخلق أعمالهم كذلك، خيرها وشرها، خلافا لما تقوله المعتزلة، وهم من فرق الضلال من القدرية، أن نفاهل القدر. وأنا أنبه على هذا؛ لأنه يوجد في المجتمعات العلمانية العقلانية الكثير ممن يتبنى هذا الفكر المنحرف في هذه القضية، فهم يظنون أنهم بهذا يصلون إلى العدل، وهذا خطأ، بل هذا عين الظلم، للشرع وللعقل. فمن تأمل حقيقة ما عليه الناس، علم أن ما دلت عليه الأدلة الشرعية مما سبق ذكره هو العدل الذي يؤكده الشرع والعقل والحس والفطرة والواقع. فالله عز وجل خلق العباد وخلق أعمالهم، خيرها وشرها، خلافا لما يقولوا هؤلاء الضلال للقدرية النفاه، من أن الله يخلق الخير ولا يخلق الشر. وهذا جهل وخطأ، ولهذا سمي هؤلاء بمجوس الأمة، لماذا؟ لأنهم صاروا مثل المجوس يثبتون خالق للخير وخالق للشر. والحقيقة أن العقل والشرع يقضيان أن الخالق واحد، الخالق واحد، ليس هناك خالق للخير وآخر خالق للشر، بل هذا من فكر المجوس. ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾، ذكر العلماء في تفسير معنى الغاسق تفسيرات كثيرة. فمن ذلك أنه الليل، ومنهم من قال: الظلمة أو البرد أو الشياطين. ومر بنا أن شيخنا حفظه الله تعالى، قال: المتأمل لهذا المعنى يجد أنه يرجع إلى معنى واحد، وهو الليل وما فيه من الشرور. ومعنى وقب: الدخول، بمعنى زائد عن معنى الدخول المجرد، فهو دخول فيه معنى الشر أو التعب. فمعنى الآية: هو التعوذ كذلك من شرور الليل إذا أقبل ودخل بما فيه من مضر ومتعب ومؤذي. وهذا من عطف الخاص على العام. وعطف الخاص على العام يفيد معنى التنبيه على أهمية هذا الخاص، لأن هذا المعنى في الحقيقة هو يدخل في قوله سبحانه: ﴿من شر ما خلق﴾، فيدخل فيه كل شر ذي شر، ومنه شر الليل وما فيه من شرور. ولكن تخصيص ذكره للتنبيه على الاعتناء بدفع شره بالأسباب الشرعية والأسباب القدرية الكونية. ومن الأسباب الشرعية اتخاذ التعوذات الشرعية، كأذكار المساء وهكذا، كذلك أذكار النوم. وهذا مما أمرنا شرعا أن نتسبب به من شرور كل ذي شر في الليل، وظلمته، سواء شرور شياطين الجن أو شياطين الإنس، أو شر كل ذي شر من السباع والهوام والدواب وغيرها. ولهذا جاءت أدلة كثيرة تدل على الاعتناء باتخاذ الحيطة من شرور كل ذي شر في الليل، خاصة. المطلوب اتقاء الشر في كل وقت، لكن لما كان الليل بظلمته هو محل تحرك الشرور الحسية والمعنوية، أمرنا شرعا بزيادة الاعتناء بالأخذ بالأسباب في هذا الوقت، الأسباب الشرعية مثل ما سمعنا من الأذكار، والأسباب الحسية. ومن ذلك مسك الصبيان عن الخروج بعد غروب الشمس، ومن ذلك أن لا يسافر أحد في الليل وحده، ومن ذلك أن لا يبيت إنسان في بيت وحده. ففي صحيح البخاري وغيره، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان جنح الليل -وفي رواية: إذا أمسيتم- فكفوا صبيانكم، إذا أمسيتم فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فحلوهم». ومعنى حلوهم: ليس تركهم يخرجوا، ولكن معناه: إذا احتجتم الخروج فلا بأس. والخروج بعد مرور ساعة من الليل. والمعنى أن خروج الشياطين وانتشارهم في أول الليل، ثم قال: «وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله؛ فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا». وهذه كلها من الأسباب الحسية التي دل عليها الشرع وأمرنا أن نتخذها. وهكذا ما سبق من عدم السفر بالليل وحده، وعدم المبيت في البيت وحده، أي في الليل. هذا كله من اتخاذ الأسباب؛ لأن الليل هو محل الأرواح الشريرة. فإذا كان كذلك، فعلى المسلم أن يتخذ الأسباب الشرعية والأسباب الحسية في اتقاء شرور الليل. وأنتم ترون ذلك في واقعكم، اللصوص أكثر ما ينتشرون مثلا متى؟ هل ينتشرون في النهار؟ أم ينتشرون في الليل؟ الجواب: في الليل، حيث يسهل اختفاؤهم. وهكذا أيضا يضعف الإنسان في قوته وتعاونه مع غيره، وغير ذلك. وهكذا أيضا الشرور الأخرى. حتى إذا سافر الإنسان في سفر وأراد أن يبيت، أمر النبي عليه الصلاة والسلام إذا بات بالليل ألا يبات في الطريق، ولكن يميل عنه يمنة أو يسرة. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الطريق ما مرت الدواب، يعني في الليل. فكان ينهى أن يبات المسافر في الطريق، يعني مثلا أنت على راحلتك، سيارة أم دابة، حمار أم خيل أم ناقة، وكنت تمشي في الليل في سفر، فتعبت، لا تنام في المكان الذي كنت تمشي فيه، مل عن الطريق، أخرج من الطريق. وذكر العلماء في هذا حكمة من هذه الحكمة: أن الدواب تتتبع طريق الناس؛ لأن طريق الناس يسقط منهم أشياء أثناء أكلهم في الطريق، فتتتبع هذه الدواب هذه الأشياء، سواء تعابين أو عقارب أو سباع أو غيرها. وهذا كله قليل من كثير من شرور الليل. وهكذا الشرور المعنوية: ظلمة الذنوب والمعاصي، وظلمة البدع، وظلمة كل ذي ظلمة. فأنت تعتني بالأخذ بالأسباب الحسية والشرعية لاتقائها. ومن الشرعية: الدعاء، تدعو الله عز وجل أن يجنبك ظلمة الشرك، وظلمة البدعة، وظلمة المعصية، كما كان إبراهيم يدعو عليه الصلاة والسلام: «وأن يجنبني وبني أن نعبد الأصنام»، وهو إبراهيم إمام الموحدين عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك دعا الله عز وجل أن يجنبه وبنيه أن يعبدوا الأصنام. فكل موضع فيه معنى الظلمة الحسية والمعنوية، فالإنسان يتخذ الأسباب الشرعية من الدعاء، والأسباب الحسية الأخرى من اجتناب أسباب الوقوع فيها. وهذا هو المناسبة من ذكر الظلمة بعد الشر العام، يعني كأنه قال: وأعظم الشر ينبغي أن يتقى شر كل ذي شر فيه ظلمة، ظلمة حسية مثل الليل، وما كان بمعنى من المخلوقات التي فيه ظلمة، ومنه ظلمة البحر في أعماقه، وظلمة الدواب المظلمة، أو الظلمة المعنوية مثل ظلمة الشرك، وظلمة البدعة، وظلمة المعصية. فكل ما فيه ظلمة فإنه من أعظم ما ينبغي الاعتناء باتقائه بالأسباب الشرعية والأسباب المعنوية. ولهذا نحن ندعو بما أمرنا الله من دعاء أن يجنبنا الظلمات جميعا، كما قال الله: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. فهذا من عطف الخاص على العام للتنبيه على أهمية الاعتناء. مثل: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، أي صلاة العصر، لأهميتها. نكتفي بهذا القدر، ونترك إن شاء الله الباقي في درس لاحق؛ ففيه مباحث تحتاج إلى تنبيه ووقوف بوقفات مهمة. فإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.