التعليقات على كتاب الأدب المفرد 127

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 127، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من الظلم ودعوات مستجابة

ذكر النبي ثلاث دعوات مستجابات ودعا إلى اجتناب الظلم ودعاء الوالد على ولده لما له من عواقب وخيمة. وحذر من الظلم ودعاء المظلوم.

أسباب تحصيل الرزق وتحصينه

الرزق مقدر من الله وعلى العبد أن يتخذ الأسباب مثل طاعة الله وتقواه والتوكل عليه وطلب العلم والصدق في المعاملات والإنفاق في سبيل الله. هذه الأسباب تؤدي إلى تحصيل الرزق.

عقوبات الظلم والمعاصي وغضب الله

عقوبات الظلم ونتائج البخل والمعاصي تظهر في غضب الله وعقابه، حيث يعاقب الله أصحاب الجنة الذين يمنعون حق الفقراء ويعم العقاب الصالح والعاصي إذا فرط أهل الصلاح في النصح. غضب الله يظهر عندما يجاهر العباد بالمعاصي.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأذب المفرد: حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا شيبان عن يحيى عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده». وهذا الحديث مرنا أنه صحيح، وتكلمنا فيه على قول النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوة المظلوم»، وذكرنا أن دعوة المظلوم مستجابة. يستجيب الله سبحانه وتعالى لهذا المظلوم الذي يدعو على من ظلمه، ولهذا لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذًا إلى اليمن، قال له: «اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. ومعنى ذلك أنها تصل سريعة إلى الله عز وجل، والله سبحانه يستجيب لهذا المظلوم، وربما تعجل العقوبة للظالم في الدنيا، وربما كذلك تعجل له العقوبة أو تؤجل له في الآخرة. قال: «ودعوة المسافر أيضًا كذلك من الدعوات المستجابة»، دعوة المسافر إذا دعا المسافر في سفره، فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب لدعائه. وهذا مما ينبغي أن يحرص عليه المسلم إذا كان في سفر أن يكثر من الدعاء، أن يكثر من الدعاء، فإنه موطن من مواطن التي يستجاب فيها الدعاء. وهذا طبعًا إذا توفرت شروط الدعاء، إذا توفرت شروط الدعاء وانتفت الموانع، أن لا يكون الدعاء فيه إثم، ولا قطيعة رحم، ولا يكون كذلك الداعي ممن يأكل الحرام ويلبس الحرام ويتغذى بالحرام، فإن هذا لا يستجيب الله سبحانه وتعالى دعاءه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ودعوة الوالد على ولده»، وهذه أيضًا كذلك من الدعوات المستجابة، دعوة الوالد على ولده إذا دعا عليه، فإن دعوة الوالد مستجابة. ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الوالد على ولده، كما جاء في الصحيح من حديث جابر: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، لا توافقوا من الله ساعة يستجاب لكم». يعني يدعو على ولده بدعوة، مثلًا يقول كما يقول بعض الآباء أو الأمهات إذا غضبوا على أبنائهم: الله يأخذك، أو الله يشلك، أو الله يبتليك، أو الله كذا. يأتي بدعوة يدعو بها على ولده، وما يدري إلا ووافق ساعة يستجيب الله سبحانه وتعالى فيها الدعاء، فيستجيب لدعائه على ولده، فيصيبه ما دعا به عليه. ثم بعد ذلك يحصل الندم والحسرة، ولا ينفع بسبب مخالفة الشرع. وكم من آباء دعوا على أبنائهم بدعوة، فاستجاب الله سبحانه وتعالى لهم، فلهذا ينبغي على المسلم أن يحذر أن لا يدعو على ولده، بل يحرص أن يدعو له بالخير، ولا يدعو له بالشر، فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب لدعائه. وأشهد من هذا الحديث هو قوله عليه الصلاة والسلام: «دعوة المظلوم»، أي أن من الدعوات التي يستجيبها الله سبحانه وتعالى. وفي هذا تحذير من الظلم، تحذير من الظلم، لأن المظلوم يدعو على هذا الظالم، فيستجيب الله سبحانه وتعالى له، فيكون ذلك سببًا في حصول غضب الله سبحانه وتعالى عليه. قال: باب سؤال العبد الرزق من الله عز وجل، لقوله: «ارزقنا وأنت خير الرازقين». قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال، حدثني مالك عن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر نظر نحو اليمن فقال: «اللهم أقبل بقلوبهم». ونظر نحو العراق فقال مثل ذلك، ونظر نحو كل أفق فقال مثل ذلك. وقال: «اللهم ارزقنا من تراث الأرض، وبارك لنا في مدنا وصاعنا». والحديث بهذا إسناد ضعيف، لعنعنة أبي الزبير، وأبو الزبير مدلس، فإذا روى بالعنعنة فلا يقبل تدليسه، إلا إذا روى عنه الليث، إذا كان الراوي عنه الليث، فهنا تقبل عنعنته، وذلك لأن الليث تحرى أحاديث أبي الزبير التي سمعها من جابر، فلهذا قبل العلماء رواية الليث عن أبي الزبير عن جابر. وأما إن كان الراوي عنه غير الليث، فإنه لا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالسماع. والحديث لبعض ألفاظه شواهد، كما أشار الشيخ الألباني رحمه الله في تعليقه. قال: وجملة نظره صلى الله عليه وسلم نحو اليمن ودعائه لهم بالتبريك، صححه الترمذي من حديث أنس، وهو مخرج في المشكاة. وأيضًا قوله: «وبارك لنا في مدنا وصاعنا»، هو ثابت، ذلك في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في أهل المدينة أن يبارك في مدهم وصاعهم. والحديث وإن كان ضعيف الإسناد، لكن معناه صحيح، معناه صحيح، وهو أن العبد عليه أن يسأل الله سبحانه وتعالى الرزق، كما في الآية: ﴿ارزقنا وأنت خير الرازقين﴾. إذا علم العبد أن الرزق من الله سبحانه وتعالى، وأن الذي تكفل بأرزاق العباد هو الله عز وجل، فعليه أن يسأل ربه سبحانه وتعالى أن يسأله الرزق، وأن يسأل له أسباب الرزق، وأن يدعو الله سبحانه وتعالى بذلك، ويتخذ الأسباب التي تكون سببًا في تحصيل الرزق، من طاعة الله سبحانه وتعالى وتقواه، وهكذا أيضًا من التوكل على الله عز وجل، وهكذا أيضًا أن يحرص على تعلم أحكام الدين وطلب العلم، فهو سبب من أسباب الرزق. وهكذا أيضًا الصدق في البيع والشراء، إلى آخر ذلك من الأسباب الكثيرة التي ينبغي على المسلم أن يحرص عليها. ورزق العبد مكتوب، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾. الله عز وجل هو الذي يرزق العباد. وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المخلوق وهو في بطن أمه قد كتب الله سبحانه وتعالى له رزقه، وهو في بطن أمه، فرزقه مكتوب. فما عليه فقط إلا أن يتخذ الأسباب التي تكون سببًا في تحصيله. ولن يأتيه من رزق إلا ما كتبه الله عز وجل، لن يأتيك من الرزق إلا ما كتبه الله لك، وما قدره الله سبحانه وتعالى لك. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أصبح وهمه الآخرة، جمع الله عليه شمله، وجعل غناه بين عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن أصبح وهمه الدنيا، فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتيه من الدنيا إلا ما كتب له». لم يأتِ من الدنيا إلا ما كتب له. يصبح وهمه الدنيا كيف يجمع المال، وكيف يتحصل على المال، ربما لا يبالي بطاعة الله، ولا يحافظ على الصلوات، ولا يتحرى الكسب الحلال، ويسعى ليلًا ونهارًا لجمع المال، ومع ذلك لا يأتيه من هذا المال إلا ما كتبه الله سبحانه وتعالى له. والآخر يصبح وهمه الآخرة، قلبه معلق بما عند الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل ييسر له أموره، ويجعل غناه بين عينيه، تكون عنده القناعة، تكون عنده القناعة بما أتاه الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك يفتح الله عز وجل عليه أبواب الرزق، وتأتيه الدنيا وهي راغمة. لكن هذا يحتاج إلى صدق وتوكل عظيم بالله سبحانه وتعالى، أيضًا كذلك لا ينسى حقوق الله عز وجل التي عليه. ربما كان ذلك سببًا في حصول الرزق، الإنفاق من المال والتصدق به سبب لأن الله سبحانه وتعالى يرزق العبد، كما في حديث أبي هريرة في مسلم، في قصة ذاك الرجل الذي كانت له أرض يزرعها، وكان يقسم ما يخرج منها إلى ثلاثة أقسام أو ثلاثة أثلاث: ثلث يعيده في الأرض، وثلث يأكله هو وأولاده، وثلث يتصدق به. فأرسل الله سبحانه وتعالى له سحابة خاصة حتى تمطر في أرضه، سمع صوت سمع إنسان صوتًا في تلك السحابة وهي تقول: «اسقي حديقة فلان». فتتبع ذلك السحاب حتى أمطر في شرجة من الشراج، يعني موضع من المواضع التي يسيل فيها الماء، فتتبع هذا الماء حتى وصل إلى هذه الأرض التي يعمل فيها هذا الرجل، فسأله عن اسمه، فإذا هو الاسم الذي سمعه في السماء. ثم سأله ما الذي يعمل في أرضه؟ فذكر له أنه يقسم ما يجده ثلاثة أثلاث: يأكل ثلثه، ويتصدق بثلثه، ويرجع فيها ثلثه. فانظروا كيف ساق الله سبحانه وتعالى له الرزق إلى أرضه بسبب طاعته وإنفاقه. وفي الجانب الآخر انظروا كيف يفعل الله سبحانه وتعالى بأصحاب الجنة الذين أرادوا أن يمنعوا الفقراء والمساكين، وأرادوا أن يمنعوهم مما يخرج من الأرض، فما أصبحوا إلا وقد أحرق الله سبحانه وتعالى أرضهم، وأهلك مزارعهم بسبب هذه المعصية التي أرادوا أن يفعلوها، وأيضًا هذا البخل والشح الذي شحوا به، فكان سببًا في ذهاب بركة هذه الأرض. قال: باب الظلم ظلمات. قال: حدثنا بشر قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا داود بن قيس قال، حدثنا عبيد الله بن مقسم قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم». الحديث في صحيح مسلم، قد مر الكلام عليه في الأبواب السابقة. قال: حدثنا حاتم قال، حدثنا الحسن بن جعفر قال، حدثنا المنكدر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيكون في آخر أمتي مسخ وقذف وخسف». ويبدأ بأهل المظالم. والحديث ضعفه شيخ الألباني رحمه الله، والمنكدر هذا ضعيف. إلا أن الحديث له شواهد تشهد للجزء الأول من الحديث، وهو قوله: «سيكون في آخر أمتي مسخ وقذف وخسف». جاء من حديث عائشة، ومن حديث عمران بن حسين، ومن حديث بأمامة، وأنس. صحح الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سيكون في آخر أمتي مسخ وقذف وخسف». وهذا كما جاء مبينًا في بعض الروايات: «إذا ظهرت المعاصي، إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور، فإذا تظاهر الناس بالمعاصي، يكون ذلك سببًا لغضب الله سبحانه وتعالى، ولحصول المسخ والقذف والخسف». وهذا أمر مشاهد، وهو في هذه الأزمنة كثير ممن خسف الله سبحانه وتعالى بهم بسبب فجورهم وفسقهم وتقواهم، بحصول الزلازل أو إرسال الفيضانات أو العواصف، وغير ذلك مما يخسف الله سبحانه وتعالى به هؤلاء العباد الذين عصوا ربهم سبحانه وتعالى. وهذا علم من أعلام نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبر عليه الصلاة والسلام بحصول الخسف في هذه الأمة، ووقع ما أخبر به عليه الصلاة والسلام. وهذا مما ينبأ العباد ويجعلهم يخافون من غضب الله سبحانه وتعالى. فإن الله عز وجل لو يؤاخذ الناس بما عملوا وكسبوا في هذه الدنيا لما ترك على ظهر هذه الأرض أحدًا، كما قال سبحانه: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾. ولكن مع ذلك فالله عز وجل يعاقبهم بشيء من العقاب مما يكون له أو يكون لهم راجعًا وزاجرًا لهم عما يفعلون من المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. لعلهم يرجعون، أي يتركون ما يعملون من هذه المعاصي والذنوب، ويرجعون إلى الله سبحانه وتعالى ويتوبون وينيبون. وكذلك أيضًا أن العذاب والعقاب إذا وقع فإنه يعم الجميع، يعم الجميع الصالح والعاصي، خاصة إذا فرط أهل الصلاح بالنصح وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن العقاب يعمهم جميعًا، كما قال سبحانه: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾. فتنة لا تصيب الظالمين فقط، بل تصيب الجميع، لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. وكما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في إحدى روايات هذا الحديث، لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام المسخ والقذف والخسف، قالت: يا رسول الله، نهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا ظهر الخبث، إذا ظهر الخبث»، يعني إذا ظهرت الفواحش وظهرت المعاصي، فإن الهلاك يقع، ولو كان يوجد في أوساطهم أهل الصلاح، فإن عقاب الله سبحانه وتعالى يقع ويعم. وهذا من عقوبات الظلم، هذه من عقوبات الظلم، إذا ظلم العباد أنفسهم بالمعاصي والذنوب، فإن ذلك سبب لغضب الله سبحانه وتعالى. وكما قال عز وجل: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين﴾. فلما آسفونا، أي أغضبونا، انتقمنا منهم. وفي هذا أيضًا بيان أن ربنا سبحانه وتعالى إذا غضب انتقم من عباده الذين يجاهرونه بالمعاصي والذنوب.