التعليقات على كتاب الأدب المفرد 151

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 151، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التواضع في الأفعال اليومية وعدم الاستكبار

يشرح المقطع أهمية التواضع في الأفعال اليومية مثل الأكل مع الخدم وركوب الحمار في الأسواق، ويبين أن مثل هذه الأفعال تدل على عدم وجود الكبر في القلب. يشير إلى أهمية الإحسان إلى الخدم والتواضع في استخدام وسائل النقل المتاحة.

أهمية خدمة النفس وإعانة الآخرين

يتحدث عن أهمية التواضع وخدمة النفس كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى أن الشرع يحث على العمل لكسب الرزق. كما يبين أن إعانة المسلم لأخيه المسلم من المعروف والصدقة إذا كان الشخص يعجز عن عمل ما.

تحريم الكبر والتعاظم على الخلق وتحذير المسلم منه

يذكر تواضع الصحابة وخدمتهم لأنفسهم وعدم تكبرهم، ويستشهد بحديث نبوي يبين أن العزة والكبرياء لله وحده. يحذر من التكبر والتعاظم على الخلق، مشيرا إلى أن من يفعل ذلك يستحق عذاب الله وعقابه.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأذب المفرد: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله عن عبد العزيز بن محمد، وودي وردي عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استكبر من أكل معه خادمه، وركب الحمار بالأسواق، واعتقل الشاة فحلبها». والحديث حسن، العلامة الألباني رحمه الله. وفيه بيان بعض الأخلاق التي إذا فعلها المسلم وتخلق بها لم يكن من أهل الكبر، ومن ذلك تواضعه مع خادمه الذي يخدمه، بأن يأكل معه؛ «ما استكبر من أكل معه خادمه»، لأن هذا الغالب مما يستكبر عنه الناس، تجد الرجل يستكبر ويترفع أن يأكل معه خادمه، فإذا فعل ذلك دل ذلك على عدم وجود الكبر في قلبه، وعلى تواضعه. ولهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان إلى العبيد والمماليك، وهكذا أيضا بمن كان يخدمه، إذا أتى أحدكم طعامه أو خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، هكذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان. وهكذا أيضا إذا ركب الحمار بالأسواق؛ الحمار في ذلك الزمن كان من أدنى المركوبات، كان أدنى المركوبات، وربما يترفع البعض عن ركوبه، يترفع عن ركوب هذا الحمار، فركوبه كذلك يدل على عدم الكبر. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يركب الحمار، وهو رسول الله، بل كان له حمار يقال له عفير، وهكذا أردف معه مرة معاذ، ومرة ابن عباس، وهذا من طباع النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم على مثل هذا الخلق، وليس معنى هذا أنه مثلا يذهب ويبحث له عن حمار حتى يركبه ويطوف به بالأسواق حتى يقال إنه متواضع، لا، المقصود أنه يركب ما تيسر، يركب ما تيسر من المركوبات، سواء كان حمارا أو غير حمار، دراجة أو سيارة، ولو كانت سيارة متواضعة، المهم أن يتيسر، يركب فيه. إن كان عنده مركب طيب فالحمد لله، إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن تظهر أثر هذه النعمة على عبده، إذا كان عنده مركب طيب فيركبه، وإذا ما عنده وأراد مثلا أن يذهب إلى مكان يذهب بما تيسر من المركوبات. فإذا أتى له مثلا إنسان بسيارة كما نقول «مقربعة» وأراد أن يأخذه بها، فلا يتكبر يركب هذا، يتيسر الحمد لله، هذا دليل على عدم الكبر وعلى التواضع، لكن أن يترفع عن ذلك ويستكبر ويستنكف أن يركبها، هذا دليل على وجود كبر في قلبه. قال: «واعتقل الشاة فحلبها»، يعني كذلك ليس من صفات أهل الكبر من اعتقل الشاة فحلبها، يعني أمسكها وربطها وقام بحلبها، لأن هذا أيضا ليس من فعل أهل الكبر، فالمتكبرون ربما يتكبرون عن مثل ذلك، بل يريد من يخدمه ويقوم بحلب هذه الشاة، لكن المتواضع يفعل ذلك بنفسه، ويقوم بخدمة نفسه. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، أن يخدم نفسه، وأن يفعل مثل هذه الأفعال، وكذلك يربي نفسه على التواضع، وعلى كسر هذه النفس التي تدعوه إلى الكبر والترفع، فهو يجاهدها بالأعمال التي تجعلها تنكسر وتذل وتنخفض. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا علي بن هاشم بن البريد، قال: حدثنا صالح بياع الأكسية -يعني الثياب، جمع كساء- وكثير من السلف من ينسبون إلى الحرف، وفلان الحناط أو الحذاء أو الزيات أو الحداد، نسبة إلى حرفته التي يعمل بها، قد كان كثير من السلف لهم أعمال وحرف يتأكلون بها، وهكذا يتفرغون للعلم، وليس هذا بعيب أبدا أن يكون الإنسان له عمل يعمل به يكف به نفسه ويسد به حاجته، بل هذا مما حث عليه الشرع ورغب فيه. لكن من المفاهيم المنكوسة أن يظن أن من فعل ذلك فهو ضائع أو أنه مميع أو أنه صاحب دنيا، فهذا فهم سيء وفهم رديء، هم النظرة في أدلة الشرع، وكذلك في عمل السلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله، علما خطأ هذا القول. قال: عن جدته، قالت: رأيت عليا رضي الله عنه اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته، فقلت له -أو قال له رجل-: أحمل عنك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، أبو العيال أحق أن يحمل. وهذا الأثر ضعيف، صالح وجدته مجهولان، فهو لا يصح. وجاء معناه في حديث مرفوع، أشار له الشيخ الألباني رحمه الله وذكره في الضعيفة، ولفظه: «صاحب الشيء أحق بحمله، إلا أن يكون ضعيفا يعجز عنه، فيعينه أخوه المسلم». هذا لفظ الحديث المرفوع، وهو ضعيف، لكن معناه صحيح، معناه صحيح. إذا كان عند الشخص شيء يحتاج إلى حمل وإلى عمل، وهو يعجز عنه لضعفه أو لعدم معرفته بإحسان هذا العمل، فإن من المعروف أن تعينه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». الحديث في مسلم، حديث جابر، وأيضا حديث أبي هريرة: «كل سلام من الناس عليه صدقة، تعدل بين الاثنين صدقة، تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تحمله متاعه عليها صدقة». فإعانة صاحب الحاجة فهذا من الصدقة والمعروف، وكل معروف صدقة. نعم، الأصل أن الإنسان يعمل بنفسه ويخدم نفسه، لكن يحتاج إلى من يعينه، فإن من المعروف إعانة المسلم لأخيه المسلم. والمراد من ذكر هذا الأثر هو بيان أن عليا رضي الله تعالى عنه، وهو الخليفة الرابع رضي الله تعالى عنه، كان يخدم نفسه، وهذا من تواضعه. وهو ليثبت هذا الأثر، فقد دلت آثار كثيرة على بيان تواضع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما كانوا يفعلونه من أعمال تدل على تواضعهم وعدم تكبرهم، ومن ذلك أثر أو حديث قصة عمر مع أبي بكر، وفي الصحيح في خدمة أم أيمن، وهي ممن حضنت النبي عليه الصلاة والسلام، لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قد عميت، فكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يأتي يخدمها، يكنس بيتها ويقوم بخدمتها، فأتى عمر أراد أن يفعل مثل ذلك فوجد أبا بكر رضي الله تعالى عنه قد سبقه، وهذا كذلك يدل على شدة تواضعهم رضي الله تعالى عنهم. قال: وحدثنا عمر، قال: حدثنا أبي، وهو حقص بن غياث، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن أبي مسلم الأغر، قال: حدثه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العز إزاره، والكبر رداؤه، فمن نازعني بشيء منهما عذبته». الحديث صحيح في صحيح الإمام مسلم بهذا اللفظ. «العز إزاره، والكبر رداؤه، فمن نازعني بشيء منهما عذبته». وجاء في سنن ابن ماجه: «العز إزاري، والكبر ردائي». العز إزاره -يعني الضمير يرجع إلى الله سبحانه وتعالى- والعز بمعنى العظمة والكبرية كذلك، يعني كمال الذات والملك، وكذلك حصول جميع معاني الكمال، فهي لله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث من الأحاديث التي تمر كما جاءت، كسائر أحاديث الصفات، تمر من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. والمراد من هذا الحديث بيان أن الترفع والتكبر، وأن العزة والقوة والكبرياء هو لله سبحانه وتعالى، هذه صفات لا يشارك الله عز وجل فيها أحد من خلقه. «العز إزاري، والكبرياء ردائي»، كما أن الإنسان لا يشارك أحدا في لبسه لإزاره وردائه، فكذلك هذه الصفات لا يشارك الله سبحانه وتعالى فيها أحد، لا يشارك الله عز وجل أحد في عزه وقوته وكبريائه وعظمته. فمن نازعني -أي تخلق بهذه الخلق، وهو خلق الكبر والعظمة- عذبته، أي عاقبه الله سبحانه وتعالى. في هذا الحديث بيان تحريم الكبر والتعاظم على الخلق، وأن من فعل ذلك أوجب ذلك له عذاب الله سبحانه وتعالى وعقابه، ودل على أن الكبر كبيرة من كبائر الذنوب، وجاء في لفظ عند أبي داود: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قذفته في النار». فالمسلم ينبغي له أن يحذر من التعاظم والتكبر على الخلق، هذه صفات لله عز وجل لا يتخلق بها المخلوق، فهي بالنسبة للمخلوق صفات نقص، إذا تخلق المخلوق بالكبر والتعاظم والترفع فهو ناقص، أما بالنسبة لله سبحانه وتعالى فهي صفة كمال، الكبرياء والعظمة والعزة فهي لله سبحانه وتعالى وحده. نقف إن شاء الله هنا، نكمل في درس قادم، والله تعالى أعلم.