الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 135، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الحديث بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم للحمى وطلبها منه أن يبعثها إلى أهله، مما يدل على علم من أعلام النبوة. النبي صلى الله عليه وسلم استجاب لطلبها وبعثها إلى الأنصار.
زار النبي عليه الصلاة والسلام الأنصار بيتا بيتا ودعا لهم بالعافية، مما يظهر تواضعه ورحمته بهم. كما خير امرأة من الأنصار بين الصبر على المرض ودعاء الله لها بالشفاء.
الصبر على البلاء سبب لدخول الجنة، والحُمى تكفر الذنوب وتطهر العبد وتجعل كل عضو يأخذ نصيبه من الأجر. بعض الصحابة كانوا يفضلون الحمى لعظم أجرها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا قرة بن حبيب، قال: حدثنا ياسم بن أبي تميمة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، قال: جاءت الحمى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: ابعثني إلى آثاري أو إلى آثاري أهلك عندك - يعني أفضل أهلك ومن تؤثرهم -، قال: فبعثها إلى الأنصار، فبقيت عليهم ستة أيام ولياليهن، فاشتد ذلك عليهم، فأتاهم في ديارهم، فشكوا ذلك إليه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدخل دارا دارا، وبيتا بيتا، يدعو لهم بالعافية - يعني من الأنصار -، فقالت: والذي بعثك بالحق، إني لمن الأنصار، وإن أبي لمن الأنصار، فادع الله لي كما دعوت للأنصار، قال: ما شئت، إن شئت دعوت الله أن يعافيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، قالت: بل أصبر، ولا أجعل الجنة خطرا. وهذا الحديث صحيح، الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وقوله: «خطرا»، كما قال رحمه الله في تعليقه: جاء في النهاية: الخطر بالتحريك، في الأصل الرهن، وما يخاطر عليه، فكأنها تقول: لا أجعل الجنة خطرا غير مضمون بإثارها الدعاء منه صلى الله عليه وسلم لها بالشفاء، وإنما تضمن الجنة بالصبر الذي به ضمن لها النبي صلى الله عليه وسلم الجنة. هذا ما بدا لي بعد التباحث مع بعض الإخوة الفضلاء، وهذا ما ذكره عامة أصحاب اللغة: أن الخطر هو ما يؤخذ في الرهن، هو الذي يؤخذ، أو السبق الذي يراهن عليه، وما يؤخذ في الرهن. وأرادت هذا المعنى، ذكره رحمه الله: «لا أجعل الجنة خطرا»، أي: لا أجعل الجنة التي هي غير مضمونة لي إلا بالصبر الذي جعله النبي عليه الصلاة والسلام سببا في نيل الجنة، فكأنها تقول: فإني ربما لا أصبر، وحينئذ فلن أنال الجنة، لكن سآخذ ما هو يقين ومضمون، وهو دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك أرادت وأقدمت دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث بيان علم من علام النبوة للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو مخاطبته للجمادات وما لا يعقل. في هذا الحديث خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الحمى، وخاطبته، قالت: «ابعثني إلى آثر أهلك عندك»، فبعثها إلى الأنصار. وليس هذا بشيء غريب يحصل للنبي عليه الصلاة والسلام، فقد حصل له أمثال ذلك كثير من مخاطبة الحجر للنبي عليه الصلاة والسلام، والشجر، والحيوانات، كالإبل، إلى غير ذلك. وبهذا أيضا دليل لما استدل به أهل السنة: أن الجمادات لها إرادة، أن الجمادات لها إرادة. ودليل ذلك أدلة كثيرة، ومنها قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. وهكذا لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. وهكذا ما سمعنا مما ثبت في السنة من حنين الجذع، وهكذا سلام الحجر على النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لا أعلم حجرا كان يسلم علي بمكة». وهكذا أحاديث كثيرة تدل على هذا الأمر. وكذلك أيضا في فضيلة للأنصار، إذن النبي عليه الصلاة والسلام حين سألته الحمى من آثر أهله، فقال: «الأنصار»، فبقيت فيهم ستة أيام وليالهن - يعني بقيت الحمى فيهم ستة أيام بليالها -، فاشتد ذلك عليهم - يعني تألموا من ذلك وتوجعوا - رضي الله تعالى عنهم، فشكوا ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليهم دارا دارا، وبيتا بيتا، يدعو لهم بالعافية. وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام وشفقته ورحمته. ثم اتبعته هذه المرأة، وأخبرته أنها من الأنصار، فأرادت من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو لها بالعافية، فخيرها عليه الصلاة والسلام، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة»، قالت: «بل أصبر، ولا أجعل الجنة خطرا». وقولها: «بل أصبر»، يدل على أنها قدمت الصبر على دعوة النبي عليه الصلاة والسلام الذي به تنال الجنة. وعلى هذا، فيكون قولها: «ولا أجعل الجنة خطرا»، في شيء من الإشكال، لكن ظاهر - والله أعلم - أن مرادها: لا أضيع الجنة، بما أنها قد عرضت علي بهذا العمل، وهو الصبر، فإن قدمت الصبر حتى أنال الجنة، ولا أجعل الجنة خطرا، يعني: لا أجعلها بمنزلة السبق والرهن الذي يوضع، فيكون غير مضمون، فكأنها تقول: أضمن الجنة بما ضمنه النبي عليه الصلاة والسلام بالصبر. وفي هذا بيان أن الصبر على البلاء سبب من الأسباب التي تنال بها الجنة، سواء كان حمى أو غير ذلك مما يبتلى به العبد، فإذا صبر كان ذلك سببا لنيل الجنة. وهذا مما يحث المسلم أن يصبر على البلاء، ويحتسب حتى ينال هذا الأجر العظيم. قال: وعن عطاء، عن أبي هريرة، قال: «ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى؛ لأنها تدخل في كل عضو مني، وإن الله عز وجل يعطي كل عضو قصته من الأجر». وهذا الأثر الموقوف على أبي هريرة من قوله - رضي الله وتعالى عنه - صحيح إليه، كما قال الحافظ رحمه الله. وفيه بيان أن من أفضل ما يبتلى به العبد من الأمراض، ويكون أنفع وأكثر أجرا له: الحمى؛ لأن الحمى تدخل في كل عضو منه، فيكون في ذلك تطهير له من الذنوب، ويأخذ كل عضو قصته ونصيبه من الأجر. وهذا كما دلت عليه الأدلة الكثيرة: أن الحمى تكفر الذنوب، وتطهر العبد مما يصيبه ويرتكبه، فلذلك كانت الحمى أحب إليه - رضي الله تعالى عنه - من سائر الأمراض. وليس معنى هذا أنه يتمنى المرض، لا، الإنسان يتمنى العافية، ويدعو الله عز وجل أن يعافيه، لكن إذا ابتلي فإنه يصبر. وإذا كان بلاؤه بمرض الحمى، فهو أحب إليه؛ لأنها أعظم أجرا، وكذلك أيضا مطهرة للعبد من ذنوبه وخطاياه. قال: وحدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي نحيلة - وأبو نحيلة صحابي، أثبت له الصحبة ابن عيينة وابن المديني والبخاري -، قيل له: «ادع الله»، قال: «اللهم انقص من المرض، ولا تنقص من الأجر». قيل له: «ادع، ادع»، فقال: «اللهم اجعلني من المقربين، واجعل أمي من الحور العين». وهذا الأثر كذلك صحيح. وقد ذكر الحافظ رحمه الله في الإصابة: أن سبب قوله حين قيل له: «ادع الله»: أنه أصيب بسهم في غزوة من الغزوات، فقيل له: «انتزعه أو انزعه»، فقال: «اللهم اجعلني من المقربين، واجعل أمي من الحور العين». وفي رواية: «اللهم انقص مني المرض، ولا تنقص مني الأجر»، يعني: أنه سأل الله عز وجل أن يخفف عليه من المرض، وأن يكمل له الأجر، ولا تنقص من الأجر. وهذا أيضا فيه بيان ما مر من الصبر على المرض والابتلاء، وكذلك حرص المصاب أن ينال الأجر كاملا. وإذا انتقص مرضه وخف، فإنه يرجو أن ينال الأجر كاملا. ثم ذكر رحمه الله حديث المغيرة السوداء، نتركه في درس قادم، والله تعالى أعلم.