الوصية للسلفيين

الدرس في الوصية للسلفيين، الجمعة 9 شعبان 1430هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات أهل السنة وشرح حديث حقوق المسلم وآفة الحسد

يبيّن الخطيب أن صفات أهل السنة تتمثل في التمسك بالكتاب والسنة واجتناب النواهي، مستعرضاً حديث أبي هريرة الذي نهى فيه النبي ﷺ عن الحسد والنجش والبغضاء والتدابر. ويؤكد حقوق المسلم على أخيه من دم ومال وعرض، محذراً من الحسد الذي يتمنى زوال النعمة عن الغير داعياً إلى الغبطة والدعاء للخيرين بنشر العلم والدين.

النية الصافية والرحمة في نشر الإسلام وترك الحسد والتباغض

يشدد المقطع على أهمية النية الصادقة في نشر الإسلام والفرح بكثرة العلماء والدعاة دون حسد، مبيناً أن المؤمن يتمنى الخير لإخوانه ويسأل الله البركة لهم. كما يبرز صفة الرحمة في قلب المؤمن اقتداءً بالنبي ﷺ، ويوضح مراتب الولاء والبراء ناهياً عن النجش والتباغض بين المسلمين.

الحب والبغض في الله وخطر اتباع الهوى في الموالاة والمعاداة

يؤكد المقطع أن وظيفة المؤمن والداعية هي صرف وجوه الناس إلى الله لا إلى ذواتهم، محذراً من التباغض الناشئ عن أهواء النفوس وطلب الرياسة. ويبين أن الحب والبغض يجب أن يكونا مستندين إلى الدليل الشرعي لا إلى الهوى، محذراً من قلب الموازين بمحبّة أهل البدع أو بغض أهل السنة بتأويلات باطلة، وأن أصل الإصلاح في تقوى الله ومراقبة القلب.

خطر التدليس على النفس وضرورة فقه الخلاف بين أهل السنة

يحذر المقطع من تدليس الإنسان على نفسه بتبرير المعاصي والتقصير، مؤكداً وجوب الصدق مع الله ومحاسبة النفس للنجاة. كما يبين ضوابط الهجر الشرعي، وينبه إلى خطورة استخدام ألفاظ التكفير والتضليل مع المخالفين من أهل السنة، داعياً إلى التمسك بفقه الخلاف المستمد من هدي الصحابة والأئمة في التعامل مع الاختلاف الفقهي والأصولي دون تفريق أو غلو.

أهمية وحدة السلفيين ونبذ التباغض والتحزب

يؤكد المتحدث على وجوب اجتماع السلفيين وتآلفهم، محذراً من أن التباغض والتحزب يمحوان حسنات الأخوين رغم ظهور الخير منهما، مستشهداً بوصية النبي ﷺ «لا تباغضوا» وبقول ابن رجب أن الاختلاف كثيراً ما يورث بغضاً غير مبرر. ويدعو إلى مراقبة الله ومجاهدة النفس لحفظ صفاء القلوب.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الأحبة، نحمد الله سبحانه وتعالى الذي جعلنا نتذاكر معكم ما يخص أمور الدين، وهذا من فضله سبحانه وتعالى ومنه وكرمه، في هذا الوقت وهو هذه الساعة في يوم الجمعة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم وسائر المسلمين من المستقيم المسلمين من المصدقين الصادقين المخلصين الذين يتجاوز عنهم سبحانه ويرحمهم برحمته، وأن يرزقنا وإياكم وسائر المسلمين جنة النعيم. إن من صفات أهل السنة هذا هو الإعلان الذي أعلن، وصفات أهل السنة هي كل الصفات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها عباده أن يتصفوا، فكل صفة أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتصفوا بها فهي صفات أهل السنة، وكل صفة نهى سبحانه وتعالى عنها عباده فإن من صفات أهل السنة أن يتركوها وأن يجتنبوها. إن من صفات أهل السنة هي تمسكهم بالسنة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. وحبل الله سبحانه وتعالى هو الإسلام، وهو الكتاب والسنة. ولذلك قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وصراط الله سبحانه وتعالى وسبيله الذي أمر به هو الكتاب والسنة. أيها الإخوة، وهو الإسلام الذي أمرنا بالتمسك به بما أنزل في كتابه سبحانه وبما أرسل به نبيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وإن وصية أهل السنة والجماعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها التمسك بالسنة، عندما قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». قالها بعد أن بين صلى الله عليه وسلم حيث قال: «ومن يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا». الاختلاف الكثير أمر واقع لا محالة، والله سبحانه وتعالى بين أن هذه الأمة سوف تفترق، وأن الأمم سوف تفترق، ثم أراهم سبيله وصراطه المستقيم سبحانه وتعالى. ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. فانظر إلى الذين رحمهم الله سبحانه وتعالى حيث تمسكوا بالكتاب المنزل وبسنة الرسول المرسل، فكانوا من أهل الرحمة، وكانوا من أهل الاتلاف، وأعداؤهم والمخالفون لهم من أهل الاختلاف والشقاء. وإني سوف أتحدث معكم بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الإمام مسلم وغيره، ونحن بأحوج ما نكون إلى أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في جميع أبواب الدين. وهذا الحديث لا أظنه يخفى عليكم، ولعلكم أعلم به مني، ولكن من باب المذاكرة بين الإخوان. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره. التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات. «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». هذا الحديث العظيم كحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الأخرى، فكلها عظيمة، وفيها النور، وفيها الهدى. ما أحوجنا أيها الإخوة كمسلمين، وما أحوجنا أيها الإخوة كمنتسبين للسنة والسلفية أن نتذاكر مثل هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي وردت في حقوق المسلمين على بعضهم البعض، والتي وردت أحاديث أخرى أيضا في أمراض القلوب وكيف شفاؤها، وفي تصحيح النية والصدق مع الله سبحانه وتعالى. فلذلك لا بد علينا دائما أن نتذاكر مثل هذه الأحاديث، وأن ننشرها في مجالسنا، وأن نقيم فيها الدروس بين المسلمين، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قالها، وهي من دين الله سبحانه وتعالى الذي أنزل به كتابه، والذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تحاسدوا». والحسد كما لا يخفى عليكم هو أن يتمنى زوال النعمة من الآخر، أي من المحسود. والنعمة قد تكون نعمة إيمان، وقد تكون نعمة إسلام، وقد تكون نعمة علم، وقد تكون نعمة فقه، وقد تكون نعمة حفظ القرآن، وقد تكون أي نعمة من نعم الخير والدين والشرف في الدين. فكم من إنسان قد تجده يحسد أخاه إذا رآه قد نفع الله به نفعا كبيرا بعلمه، أو بحفظه للقرآن وتعليمه له، أو بحفظه للسنة ونشرها بين الناس، أو بفقه وفتاواه التي ينشر فيها الخير ويرد على السائلين، مما يعني استمرارية هذا الدين العظيم، فيحسده بأن يتمنى زوال هذا عنه. وأما أن يغبطه فيسأل الله أن يجعل له فضلا مثل هذا الفضل فهذا لا بأس به. أنا أخبر: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها». أما مسألة أنك تحسده بأن تتمنى هذا الفضل الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياه من العلم والفقه ومحبة الناس وقبول السائلين فهذا من المرض. ولذلك تجد أن سفيان الثوري نبه على مسألة مهمة، وهي أن الرجل إذا وجد في نفسه شيئا إذا وجد غيره أكثر طلابا منه قال: «فليتهم إخلاصه». إذا وجد في نفسه شيئا إذا وجد غيره أكثر طلابا منه قال: «فليتهم نيته». أجل، أيها الحب، إن المسلم يريد الخير أن ينتشر، ويريد الناس المسلمين أن يكونوا من الخيرين، ويريد أن يكثر العلماء والفقهاء والأئمة والوعاة والدعاة لكي ينتشر دين الله سبحانه وتعالى، ويفرح إذا سمع في ناحية من النواحي عالما أو أكثر، أو فقيها أو أكثر، أو خطيبا أو أكثر، أو واعظا على السنة أو أكثر، ويتمنى الأكثر والأكثر والأكثر، يدعو لهم حتى وإن لم يعرفهم أو يعرفونه، يدعو الله سبحانه وتعالى أن يمكن لهم في أمرهم، وأن يحفظهم، وأن يكثر من عددهم، وأن ينزل القبول لهم، وأن يكفيهم شر أعدائهم في أي أرض وفي أي زمن يعيشونه. هذه النية الصافية الصادقة، وهذا الذي يريد أن ينظر للإسلام لكي ينتشر الإسلام، لا يريد المرء أن ينظر لنفسه لكي تنتشر مقولاته، وإنما ينظر للإسلام كيف ينتشر الإسلام، وكيف يكثر الذين ينشرون الإسلام في كل بقعة وفي كل أرض وفي كل بلد. ما أشد فرح المسلم عندما يسمع كثرة العلماء في اليمن، أو كثرة العلماء في العراق، أو كثرة علماء أهل السنة في السعودية، وكثرة علماء أهل السنة في اليمن، وفي الحجاز، وفي الشام، وفي مصر، وفي الغرب، وفي الشرق، وفي الشمال، وفي الجنوب، يفرح فرحا شديدا، ويرفع كفه إلى الله سبحانه وتعالى يدعو أن يوفقهم، وأن يثبتهم، وأن يجمع الناس عليهم، وأن يكيدهم شر أنفسهم وشر الأشرار، أن يتقوى الإسلام، ينتشر الإسلام، ينتشر لكثرة الناشرين له. فسأل الله عز وجل أن يكثرهم، وأن يبارك في أعمارهم، وأن يحفظهم. هذا لا يكون في قلبك شيئا من الحسد لهم، وإنما تفرح، تفرح إذا زادوا علوا، وزادوا طلابا، وزادوا من يستفتيهم، لأنك تعلم أنه سوف يستفتي سني سلفي، تعلم أنه سوف يستفتي سني سلفي يفتيه بالسنة، يفتيه بالحق، يفتيه بما قال الله وبما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السلف الصالح. كثر الله السلفيين، وكثر الله أهل السنة، وكثر الله الحق في كل أرض وفي كل زمان. إذن فالمسلم لا يحسد. كذلك المسلم لا يحسد أنعم الله سبحانه وتعالى على عبد من عباده من أمور الدنيا من مال أو جاه أو غير أو ولد أو غير ذلك، بل إنه يسأل الله أن يبارك له في ماله، وأن يبارك له في جاهه، وأن لا يكون هذا فتنة له. أجل، يحب الخير لأخيه، يحب الخير لإخوانه، أن الله يبارك لهم فيما آتاهم من أمور الدنيا، ويسأل الله أن لا تكون فتنة لهم، ويسأل الله أن يبارك لهم فيها، ويكفيهم شر كل عين حاسد، وشر كل ذي شر. هذه صفة المؤمن، قلبه طاهر، وقلبه صاف، وقلبه لا يحمل غلا على إخوانه المؤمنين، ولا يحمل حسدا، ولا يحمل بغضا، وإنما يحمل حبا ودعوة ورحمة. والله سبحانه وتعالى إنما يرحم من عباده الرحماء. وصفة الرحمة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري، عندما دفع له الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شن، ففاضت عيناه، فقال له رسول الله: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». المؤمن ذو رحمة، ذو رحمة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتاه ملك الجبال لكي يطبق الأخشبين على أهل مكة لكفرهم، قال: «لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا». ولذا نجد أن المسلمين في الشريعة الإسلامية يخيرون العدو بين ثلاثة: الأول الإسلام، والثاني الجزية، ثم بعد ذلك الثالث القتال. فانظر كيف لهم يخيرون بالإسلام مع أنهم إذا أسلموا لن يأخذوا من غنائمهم شيئا، ولكنهم عندهم أفضل غنيمة: «لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم». فأول ما يعرضون عليهم الإسلام، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر، وأمروه أن يدعوهم إلى الإسلام، وأن يبين لهم حق الله عليهم. هذه دعوة، وهذه رحمة المؤمنين، وهذه رحمة المسلمين. فأول ما يبدؤون بالإسلام. ثم انظر إلى بعد ذلك، إذا رفض هؤلاء الإسلام، لا يقاتلونهم، مع أن قتالهم لهم سوف يجعل ذراريهم وغير ذلك كلها سبايا، ويأخذون أموالهم، لا، وإنما يعرضون عليهم الجزية، والجزية تعني أنهم إذا أعطوها عن يد وهم صاغرون، هي تأتي في فترة من الزمن، ويأخذون كل أموالهم؟ لماذا؟ حرصا لعل الله يهديهم إلى الإسلام. وفعلا كثير من الفتوحات التي حصلت، أخذ عليهم الجزية، الفتوحات قبل أن تفتح البلاد التي وافقت على الجزية، تجد أنهم عندما دفعوا الجزية بعد سنوات دخلوا كلهم في الإسلام. فكانت الشام، وكانت مصر، وكانت غيرهما، وكانت بعض البلاد التي دخلت، دخل أهلها الإسلام بعد أن عاشوا فترة وهم يدفعون الجزية، ثم بعد ذلك القتال. إذن لا بد أن يكون لدينا رحمة بالناس لكي نرحمهم أن يدخلوا دين الله سبحانه وتعالى. وقامة مسألة الولاء والبراء والحب والبغض، فهذه لا بد من تحقيقها كما دلت عليها نصوص الشرع، لكن يتمنى المؤمن لو أن الكافر يسلم، لكي يأخذ، لأن يهدى الله به، والله سبحانه وتعالى كان يرسل رسله يقيمون في قومهم مئات السنين، كل ذلك من أجله، لعله يهتدي شيخ، أو يسلم شيخ، أو غير ذلك، وكان يتحمل الأذى مع قومه في مكة، ويأمر نفسه ويأمر أصحابه بالصبر، كل ذلك إرادة لدعوته للناس، وكان يعرض نفسه على القبائل، ويذهب إلى الطائف، كل ذلك يريد الناس أن تدخل في هذا الدين العظيم، وأن ينجيهم الله من النار. هذه رحمة جعل الله سبحانه وتعالى في قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن نقتدي بنبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، فنجد بما أمرنا أن نقتدي برحمته، وكذلك نريد أن نقتدي بهذه الرحمة. والرحمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في نبيه، والتي قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. ماذا قال له قبل؟ قال: «فبما رحمة من الله لنت لهم». الرحمة أيها الأحبة إذا كانت في الصدور أدى ذلك إلى زيادة التراحم بين المسلمين، لأن هذا في قلبه رحمة، والآخر في قلبه رحمة، فتلتقي الرحمتان، فيكون في ذلك الخير للجميع، ويكون في ذلك الخير للمسلمين. ولذلك تجد أن المؤمن تجده لا يحسد الآخرين، بل يرحمهم، يريد منهم أن تبقى وأن لا تزول. ثم بعد ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تناجشوا». والنجش كما قال العلماء: هو أن الرجل يرفع في السلعة لا لرغبة في الشراء، ولكن يرفعها لغيره. وفي تفصيل كثير على صوره ومسائل فيه ما يتعلق في أحكام البيوع. ثم بعد ذلك عندنا قوله: «ولا تباغضوا، ولا تباغضوا». فالمؤمنين لا بد عليهم أن لا يكون البغض بينهم. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تباغضوا». فنجد المسلمين على التباغض بينهم في غير الله، أما الكافر فنبغضه لكفره، والمبتدع نبغضه لبدعته، وإذا كانت بدعته مكفرة لا يكون بغضنا له بنفس بغضنا للكافر، وإنما نحب فيه ما فيه من إسلام، ونبغضه لبدعته. والسني الذي ليس بمبتدع ولكنه يقع في كبيرة نبغضه لكبيرته. وهكذا، فلا بد أن نعرف أن البغض يختلف بحسب الشخص المقابل. ولن نفصل في هذا الموضوع قبل أن نقيم ذلك، فصله أهل العلم، فصله النبي صلى الله عليه وسلم، ينهى عن التباغض، ينهى عن هذا التباغض الذي يكون على أهواء النفوس، ينهى عن هذا التباغض الذي يكون مصدره الشهوات، أو مصدره الشبهات، أو مصدره أمور الدنيا، أو طلب الرياسة، أو طلب الجاه، أو طلب وجوه الناس إليه، فيبغض الآخر لأن وجوه الناس انصرفت للآخر. المؤمن يسعى دائما أن يصرف وجوه الناس إلى الكتاب المنزل، وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم. المؤمن يسعى في حياته كلها أن يصرف وجوه الناس إلى الله، أن يصرفهم إلى الله، إخلاصا في أعمالهم، وتوحيدا في عقائدهم، وإخلاصا وصدقا في نياتهم. هكذا هو حاله، وهكذا هو حال الداعية، وهكذا هو حال المفتي، وهكذا هو حال العالم، أن يصرف الناس إلى الله سبحانه وتعالى. هذه وظيفته، ليست وظيفته أن يصرف وجوه الناس إليه. لا، الويل له، فقد قرأ القرآن لكي يقال قارئ، وقد قيل: «أول من تسعر بهم النار يوم القيامة...». فالذي يريد أن يصرف الناس لقراءته، أو يريد أن يصرف الناس لعلمه، أو يريد أن يصرف الناس لمكانته، أو غير ذلك، والله إنه لخاسر، وهذا من عدم الفقه، ومن نقص العقل. فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده كل شيء، وهو الخالق، والجنة جنة، والنار نار، والأمر أمره سبحانه وتعالى. فالمسلم إنما دعوته، والمسلم إنما يريد أن يصرف إلى مرضاة ربه سبحانه وتعالى، إلى أمره، وإن ينهاهم عما نهاهم عنه الله سبحانه وتعالى. هل هي مهمة؟ ليست مهمة أن يصرف وجه الناس إليه، وأن يوالي ويعادي في ذاته وفي شخصه وفي جدّه، وإنما الولاء والعداء والحب والبغض إنما في الله سبحانه وتعالى. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». هذا السلام الذي فيما بينكم فإنه يذيب شيئا من البغض الذي يكون في أنفسكم. إذا كثرت السلامة فيما بينهم، ولكنهم ليس سلام ساكت من ملائكة، والقلوب ترعى بعضها، لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما في القلوب، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾. ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. نجد أن الإسلام والله سبحانه وتعالى يأمر أن المؤمنين تتآلف قلوبهم فيما بينهم، وينهاهم الله سبحانه وتعالى، وينهاهم الله ورسوله عن كل الأسباب التي تؤدي إلى العداوة والبغض، من أهواء للنفوس، أو تحافظ عاداتها وتقاطع عليها، وتنافس فيها، مما يؤدي إلى التباغض بينهم. ولذلك لا بد دائما أن نعرف أهمية السلامة، أهمية الصلحة، وكذلك نعرف أيضا أهواء البغضة. فإن عداوة الله والبغض في الله، وأن أوثق عرى الإيمان، ولذلك لا بد على المؤمن أن يبغض في الله، وأن يحب في الله. وليست مشكلتنا هي كيفية تحقيق البغض في الله وتحقيق الحب في الله، فإن من الناس من يبغض من لا يأمر الشرع ببغضه، وإن من الناس من يحب من أمر الشرع ببغضه. فلا بد على الإنسان أن ينظر إلى الدليل الشرعي، وإلى النصوص الواردة في الكتاب والسنة، لكي ينزل البغضة في أهلها، ولكي ينزل الحب في أهله. ولا بد أن يعرف أن حتى هذا الأمر تتقلى فيه خواطر النفوس، ويدخل فيه الهوى، فقد يبغض ما لم يأمره الشرع ببغضه، ويدعي ويلوي أعناق النصوص أنها تدل على بغضه، وقد يحب ما أمر الشرع ببغضه، ويدعي ويلوي النصوص لكي يبرهن أن هذا شرع. إذن فلا بد من مثل البغض أن ينظر: من الذي أمرك الله سبحانه وتعالى بحبه، وأمرك رسول الله بحبه؟ ومن الذي أمرك بأن تبغضه؟ والله عز وجلّ والله عز وجل أمرك ببغضه. ولا بد أن تحقق هذه الصفة، أن تكون هذه الصفة متحققة فيه، أي الصفة التي إذا وجدت أحببت من أجلها، وإذا عدمت بغضت من أجلها. وتتقي هذه الصفة قد يدخل فيها الهوى، فقد تكون الصفة هذه معدومة وأنت تنفيها اتباعا للهوى وحبا لبغضه، وقد تكون هذه الصفة ليست فيه، ولكنك لحبك فيه تجد أنك تجعل هذه الصفة المحبوبة فيه وهي ليست فيه. كالذين يفعلون مع أهل البدع والضلال، تجدهم أهل بدع وضلال، يعطلون صفات الله، ويشركون أكثر من هذا، يكونون مشركين بالشرك الأكبر، ووسائل، وغير ذلك، ولكنه يتعمد لأن ينزل بهم أدلة الحب في الله، وأنهم من يجب أن يحبوا، كما يفعل إخوان المسلمين، غيرهم من جماعة تبليغ، غيرهم من أهل البدع، فيتركون النصوص التي وردت في بغض أهل الأهواء، ويتركون النصوص التي وردت في بغض دعاة الشرك والبدع، ويتركون هذا الشر، ثم يذهبون إلى عموم النصوص التي تأمر بالحب، ثم ينزلونها على هؤلاء، هنا في هوى. وأحيانا قد يجيء شخص سني سلفي، والمقابل له سني سلفي، ومن ثم يبحث عن عيب لكي يوجد لنفسه مبررا ببغضه، فينسب ما ليس له، ويمنع عن سنة ووسائل، لكي يستطيع بعد ذلك أن يوجد المبرر لبغضه والبهتان فيه، ولغيبة، ويقول: «ليس له غيبة، وليس له كذا»، فيضع مقدمات لنزع ولسنة عنان في الهوى والظلم والجهل وغير ذلك، من أجل أن يبرر ما يفعله معه بعد ذلك. هذا كله من تلبيس الشيطان، وهذا كله يرجع إلى التقوى. هذا يرجع إلى التقوى، إذا كان الإنسان تقي، حق أمر الله في محله، وإذا كان الإنسان ليس تقي، فإنه يضع أمر الله في غير محله. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما ضرب في صدره وقال: «التقوى هاهنا»، وعندما قال: «إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله»، إنما يؤكد هذا المعنى. ولذلك تجد أن الشخص من ضعف تقوى قد يلبس البدعية لباس أهل السنة فيحبه ولا يخطئه، ومن ضعف التقوى قد ينزع السنة عن السني، ثم ينزل فيه أدلة البغض، ولا غيبة لمبتدع أو غير ذلك، ثم يتكلم به. المسأة هي أن تقف بين يد الله عز وجل، سوف تقف بين يد الله عز وجل، فانظر إلى مقولتك. إن المرء قد يقول الكلمة لا يلقي لها بالا، تلقيه في جهنم سبعين خريفا. وهذا كله يرجع إلى المصداقية أيها الإخوة، يرجع إلى التدبر، يرجع إلى التقوى، يرجع إلى عدم التدليس على النفس. هذا التدليس الذي أنتم درستموه في علم المصطلح، أحيانا الشخص يدلس على نفسه، تكون مدلهمة، فيدلس على نفسها بأن لها عذرا في ذنبها، وتكون غير مطيعة، فيدلس عليها بأنها مطيعة، وتكون غائبة، فيدلس عليها أن هذا ليس من الغيبة، وإن من باب نصرة الإسلام والمسلمين، والكلام في أهل الأهواء، وهو يلبس لباس الأهواء لإخوانه، لإخوانه من هم على السنة والسلفية. أبد أن هذا المرء أن يتنبه أن لا يكون مدلسة في نفسه، عندما تتأخر في الليل وتنام متأخرا وتذهب عنك صلاة الفجر، لا تدلس على نفسك وتقول: «النوم عذر». نعم النوم عذر، ولكن قل: «إنني أخطأت». إذا آليت نفسك دائما ولم تدلس عليها، كلما ارتقيت بها إلى الكمال شيئا فشيئا بإذن الله عز وجل. وأما إذا دلست على نفسك وأولدت لها الأعذار شيئا فشيئا، كلما نزلت إلى السفول والعياذ بالله. فلا بد على المرء أن يكون صادقا مع الله سبحانه وتعالى، وأن يكون مظهرا هذا الصدق مع نفسه في محاكمتها وفي محاسبتها، حتى ينجو بها من عذاب الله سبحانه وتعالى. إذا فنجد هنا أن آله السلم نهى عن التباغض. المسلم لا يبغض المسلم، المسلم لا يبغض المسلم إلا في أمر شرعي دل عليه كتاب وسنة، والمسلم لا يهجر المسلم إلا في أمر شرعي دل عليه كتاب وسنة، فيهجر كما هو معروف لديكم التفصيل في كتب أهل السنة، الشريعة، الأجري، وغيرها، والسنة، لا تحيل، وغيرها من الكتب الأخرى التي تحدثت عن هجر النبي صلى الله عليه وسلم للثلاثة الذين خلفوا عن غزو تبوك، وغير ذلك. وهذا الحمد لله ما يحتاج من دينكم إلى تبيان، والعلماء ذكروه، ذكروا متى يهجر المرء، ذكروا هجر أهل البدع، وأنهم أصول أهل السنة، ذكروا أيضا من أصول أهل السنة الدعوة، فكاننا أننا نهجر أهل البدع، كذلك ندعوهم. لكن من الذي يدعوهم؟ الذي يدعوهم هو الذي لديه علم، وأما عامة أهل السنة فيهجرونهم، لتحقيق أمر، الأول: أمر، الثاني: للحصول السلامة لهم، حتى لا يلبس عليهم أولئك شيئا من أمور دينهم، كما ذكر ذلك أبو قلابة وغيره من العلم، وكما ذكر ذلك ابن عباس عندما قال: «لا تجلسوا إلى أهل الأهواء، فإن مجالستهم مرض للقلوب». وكل هذا مستند إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. عندما قررها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عائشة، إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله لكم، فاجتنبوهم». ولا أدلة كثيرة في هذا، ولا الحمد لله، وأنتم أهل بها مني، ولكن المقصد أن نعرف أن المشكلة التي نحن نواجهها دائما ليست فقط في هذا الباب، ففي كثير من أبواب، حتى في مسائل الفقه، وحتى في ردودنا على المخالفين من أهل الأهواء، تجد أن هؤلاء المخالفين من أهل الأهواء يستدلون بأدلة، ولكن وجه الاستدلال غير صحيح، يستدلون بأدلة من الكتاب ومن السنة الصحيحة، ولكن وجه الاستدلال غير صحيح. كذلك السني السلفي قد يستدل بأدلة ينزلها على إخوانه السلفيين، لكن وجه الاستدلال غير صحيح. وجه الاستدلال غير صحيح، قد يكون هذا السني السلفي أخطأ، نعم هو أخطأ، ولكن لا يتعامل معه هذا التعامل، لهذا الخطأ. هذا التعامل يتعامل مع الأشعري، مع الصوفي، مع الإخواني، مع التبليغي، مع التكفيري، مع البدع والضلال. ما يتعامل هذا التعامل مع هذا الخطأ. بجل أن الصحابة أخطأوا فيما بينهم، وكان يرد بعضهم على بعض، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء، والله سبحانه وتعالى أثنى عليهم، وبشر من بشر بالجنة، من الذين بشروا بالجنة، في مكان من تقاتلوا فيما بينهم، وحصل قتال بينهم، وطائفة منهم هي التي اجتهدت فأصابت، وطائفة منهم هي التي اجتهدت فأخطأت، فكان لها أجر كما هو قول أهل السنة والجماعة، ولكن لم نجد الصحابة كان يضلل بعضهم بعضا، بل إن بعضهم كان إذا وقف على أخيه وهو مقتول بكى، ولما انتهت المعركة، إذا بهم يرجعون كلهم قلبا واحدا ويدا واحدة، ولم يحصل: «جماعة الصحابة فلان، وجماعة الصحابة فلان»، ويكون هناك تداعيات لمعركة صفين أدت إلى انشقاقهم وغلوهم، بل كلهم وقفوا مع معاوية، وبايعوه، وخرجوا للفتوحات. الذين تقاتلوا أمس، تقاتلوا أمس فيما بينهم، اليوم كل منهم يخرج يحمل سيفه على الروم وعلى غيرهم، ويقاتلون، ويحمي ظهر أخيه. لابد كما أن لدينا فقه في معرفة الردود على البدع، وفقه التعامل مع المخالف للسنة، يجب أن يكون عندنا فقه في معرفة كيف التعامل مع السني إذا خالفك. لابد أن يكون عندنا فقه الخلاف بين السلفيين، فقه الخلاف بين أهل السنة. وهذا أمر ليس نأتي به من عندنا، عندنا حجة رسول صلى الله عليه وسلم، وعندنا طريقة الصحابة، وطريقة تعاملهم مع بعض، وطريقة اختلافهم في مسائل الفقهية، كيف كان بعضهم يرد على بعض، أسلوبهم في ذلك نتبعه، طريقتهم في ذلك نتبعها. إذا حصل خلاف بينهم كيف كانوا يتعاملون مع بعض، إذا انتهى الخلاف كيف كانوا يتعاملون مع بعض، كيف كانوا يعطون الخلاف حجمه الذي أعطاه الشرع، ولا يعطونه أكثر من حجمه، إلى آخره. كيف كانوا يستخدمون الألفاظ في الخلاف، كانوا عندهم ألفاظ معينة: «إذا أخطأت، خالف كذا»، ما كانوا يعطون الألفاظ التي تعطى لأهل البدع والضلال، يعطونها لأهل السنة إذا خالف. هذه هي المشكلة عندنا. المشكلة عندنا الآن، والأسف الشديد، أن البعض إذا أخطأ السلفي يعطيه من الألفاظ ما هي تستخدم مع الجهمي، مع البدع، مع الضال، والمبطل. ماذا لننظر؟ كيف رد بعضهم على بعض؟ وماذا للسلفية قديمة وحديثة؟ قديمة الشيخ مقبل رحمة الله عليه، أحيانا في بعض المسائل يخالف فيها بعض العلماء عندنا في السعودية، كبار. لم نسمع مرة من علماء في السعودية قالوا: «احذروا المقبل، أو إياكم ومقبل». ولم نسمع من مقبل رحمة الله عليه، إمام أهل السنة في اليمن، وحتى في العالم، لم نسمع من المقبل أنه قال: «احذروا ابن باز، أو احذروا ابن عثيمين». ولم نسمع ابن عثيمين وابن باز قالوا: «احذروا مقبل». سووا على هذه الأمور، وبينهم ردود، لأنهم كلهم أئمة للسنة، ونفع الله بهم نفعا كبيرا، وكل منهم يفرح إذا ارتفع شأن أخيه، لأنه يعرف أن ارتفاع شأن أخيه ارتفاع شأن للسنة. فلذلك لا بد أن نعرف فقه الخلاف، لا بد أن نعرف فقه الخلاف. ننظر إلى الإمام مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة الذين كان بينهم خلاف، وننظر إلى أئمة السلف المتقدمين الذين كانوا عاصروا بعض، وكان بينهم خلاف في رعب المسائل، وكيف طريق التعامل. مع أحمد بن معين كان حجم، حتى لو أنه قال له أخوه: «لماذا لم تفعل كذا؟» ما كان يضلله، ولا يبدعه، ولا يجعل هذه «جماعة أحمد بن حنبل»، وهذه «جماعة أحمد بن حنبل»، وهؤلاء الذين صبروا، وهؤلاء الذين لم يستطيعوا أن يصبروا، وإنما تكلموا بأمر يريدون دفع الشر عنهم. لم نسمع بعد ذلك طلاب أحمد بن حنبل صار بينهم مشكلة مع طلاب أحمد بن حنبل، عشان مسألة فتنة القرآن. لم نسمع بهذا. بل كل منهم يثني على الآخر، وكل منهم يقبل جرحة الآخر، وعلمه في المسائل العلمية. كأسف الشديد أن ضعف التقوى في هذا الزمان، وكثرة الظلم، تجعل إنسان يمسح كل الخير الموجود عند أخيه السني، هو يراه بعينه أنه ينصر دعوة التوحيد، ويدرس كتب التوحيد، وينصر الأسماء والصفات، وعقيدة الأسماء والصفات، ويرد على البدع الضلال، ويرد على الإخوان المسلمين، ويرد على التبليغ، ويرد على التكفيريين، ونفع الله به نفعا كبيرا، ويدرس السنة، ولكن كأنه لا يفعل هذا أبدا، يأخذ من الألفاظ وكأن هذا الشخص لم يفعل هذا الخير كله، من هذا الطرف، أو من ذاك الطرف، أو من هذا الطرف، أو من ذاك الطرف. أنا أتكلم بشكل عام، أنا أتكلم بشكل عام، لأنني أنا وأنت أيها الأخ المستمع، وكل سني وسلفي يحب السلفيين، ويريد جمعهم، ولا يريد فرقتهم، ويريد تآلفهم، ولا يريد تخالفهم، لأن جمعهم فيه خير لأنفسهم، وخير للإسلام والمسلمين. جمع السلفيين فيه خير. يا إخوان، السلفيون إذا كانوا مجتمعين في بلد، بينهم خصال في بعض المسائل، حتى لو رد بعضهم على بعض، حتى لو في كتاب، ما في مشكلة. إذا رأيت صاحبك أخطأ، انصحه فيما بينك وبينه. إذا رأيته لا يرجع، وأنت ترى أن هذا خطأه، انشر، انشر الثواب له، حتى لو رديت عليه، ولكن استخدم من الألفاظ ما تتناسب مع هذا المخطئ السني السلفي، ولا تكون لها تبعات هذه الأمور على مثل التكتل، وتحزب كل فريق لوحده، وكل فريق يريد أن يقضي على جهود الآخر، وكل فريق يريد أن ينسف مع الآخر من خير السنة والسلفية والسابقة. لا بد على الجميع أن يحب هذا. معناه: «لا تباغضوا»، معناه: «لا تحاسدوا». هذه الأمور التي أمرنا بها نبينا، أنت سلفي، طبق هذه النصوص، طبق: «لا تباغضوا»، كما أنك طبقت ثبات أسماء الله وصفاته، هذه قال النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه قال النبي صلى الله عليه وسلم. إذا فلابد أن تربي نفسك على السلفية، كيف؟ أي مع كل حاجة النبي صلى الله عليه وسلم التزم به، سواء ما يتعلق في الأخلاق في السلوك، أو ما كان من أمر العقيدة، أو ما كان من أمر العبادة، أو ما كان من أمر المعاملة. إذا فلابد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تباغضوا». ما يكون بين التباغض؟ بالعكس، بعض الناس قد تجد يحصل فيها التباغض إلى حرق كل ما فعله الأخ الآخر من دعوة وخير وسنة، وكأنه لا يفعل شيء، وكأنه لا ينشر إلا الشر، وهو يرى بعينه أنه ينشر الخير وينشر السنة، ونفع الله به. إذا فلابد أن يكون هناك صفاء في القلوب، صفاء في النفوس. وهذا كله يرجع إلى مراقبة الله، الإنسان إذا راقب الله سبحانه وتعالى عرف ماذا يصنع، وعرف ماذا يفعل. الإنسان إذا جاهد النفس عرف ماذا يصنع، وعرف ماذا يفعل. ولذلك يقول الإمام ابن رجب كلمة جميلة جدا، يقول فيها رحمه الله: «ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورا، وقد لا يكون معذورا، بل يكون متبعا لهواه، مقصرا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه. فإن كثيرا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق».