التعليقات على كتاب الأدب المفرد 168

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 168، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث الحياء

يبدأ الشرح بتوضيح أهمية خلق الحياء وأنه يبعث على ترك القبيح، مع شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت". يُبين أن قلة الحياء من علامات موت القلب.

تفسير حديث "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" وتأويلاته

يتناول المقطع تفسير حديث "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" ويوضح اختلاف العلماء في تأويله بين كونه تهديدًا أو حثًا على الحياء، مشيرًا إلى أن الحياء يمنع من ارتكاب القبيح.

وصف حياء النبي وعلاقة الحياء بالإيمان

يصف حياء النبي صلى الله عليه وسلم ويبين أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، ويشير إلى أن الحياء شعبة من الإيمان، مع ذكر حديثين نبويين يؤكدان أهمية الحياء.

الحياء وإنكار المنكر في سلوك النبي

يُوضح أن خلق الحياء لا يتعارض مع إنكار المنكر، مستدلًا بسلوك النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان ينكر المنكر دون أن يمنعه الحياء من ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب الحياء، حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير وابن معاوية، قال: حدثنا منصور، الربيع بن حراش، قال: حدثنا أبو مسعود، عقبة، وابن عامر البدري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». وهذا الحديث صحيح، كما ذكره رحمه الله في صحيحه في باب الحياء. وأراد رحمه الله ذكر ما يتعلق بهذا الخلق العظيم، وهو خلق الحياء. والحياء كما قال ابن القيم رحمه الله: ما أخذ من الحياة. ومنه الحياة للمطر؛ لأن بنزول المطر تحيا الأرض ويحيا العباد. وهكذا الحياء في قلب المرء، وكلما كان قلب المرء حيا، كان عنده خلق الحياء. وقلة الحياء من موت القلب. والروح والحياء عرف بأنه خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. فذكر رحمه الله في هذا الباب أحاديث، منها هذا الحديث الأول، وهو حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». ومما أدرك الناس يعني مما وجد الناس، ومما حصل الناس من كلام النبوة، أي مما اتفق عليه الأنبياء وأطبقت عليه الرسل، وهو مما بقي ولم ينسخ. وجاء في رواية عند أبي داود زيادة: «الأولى من كلام النبوة الأولى»، يعني قبل نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». وهذا قيل: المراد به الخبر، يعني إذا لم يكن عندك حياء فاصنع ما شئت. ومعناه أن من لم يتحلى بخلق الحياء فإنه يصنع ما شاء. وقيل: المراد به التهديد، «اصنع ما شئت؛ فإنك ستجاز به». كما قال الله عز وجل للكافرين: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وهذا من باب التهديد. ومثل ما يقول الأب لولده: افعل ما شئت، يعني ستجاز عليه بعد ذلك. فيكون المراد: «فاصنع ما شئت»، أي فإنك ستجاز على ما تعمل. وقيل: المراد: «اصنع ما شئت»، يعني انظر فيما تريد أن تفعله، فإن كان مما لا يستحيا منه ففعله، وإن كان مما يستحيا منه فدعه. وقيل: المراد الحث على الحياء والتنويه بفضله. ذكر هذه الأقوال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح، ورجح الإمام ابن القيم رحمه الله أن المراد به التهديد: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»، يعني فإنك ستجاز على ما تفعل. وليس المراد به التخيير أو الإباحة كما قد يظن. ويستفاد من هذا الحديث أن من لم يكن عنده الحياء فإنه يرتكب الأفعال القبيحة، ويفعل الأفعال التي تنافي الحياء؛ لأن الذي يمنع الإنسان من فعل القبيح هو الحياء إذا كان حييا ويستحي، فإنه يجتنب. وإن لم يكن عنده حياء فإنه سيفعل ما شاء، ولا يستحي من الله عز وجل ولا من خلقه. قال رحمه الله: وحدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن سهيل، عن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». والحديث في الصحيحين. وفي هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان خصال وأجزاء، أفضلها كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله»، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. وهذا يدل على فضل الحياء وأن الحث عليه والتخلق به مما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال: وحدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن عبد الله بن عبيد الله مولى أنس، قال: سمعت أبا سعيد يعني الخدري، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه». قال: وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى وابن مهدي، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة مولى أنس بن مالك، عن أبي سعيد الخدري مثله. وفي هذا الحديث يخبر أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أشد حياء من العذراء في خدرها، يعني أشد حياء من البكر في خدرها، يعني في سترها. وذلك أدعى لها للحياء. فهو عليه الصلاة والسلام أشد حياء، فهو حيي عليه الصلاة والسلام. وهذا من خلقه عليه الصلاة والسلام. وهذا الخلق لا يمنعه من إنكار المنكر، ولهذا قال: «وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه». إذا كره شيئا تغير وجهه عليه الصلاة والسلام وأنكره. وما منعه الحياء من إنكاره. وهذا يدل على أن خلق الحياء الشرعي لا يمنع من إنكار المنكر ومن ترك القبيح. والله تعالى أعلم.