التعليقات على كتاب الأدب المفرد 184

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 184، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب واستجابتها

يروي صفوان بن عبد الله عن زيارته لأبي الدرداء، حيث دعا لأبي الدرداء بظهر الغيب، واستدل على استجابة دعوة المسلم لأخيه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث يدل على فضل الدعاء بظهر الغيب واستجابته.

فضل الدعاء بظهر الغيب ومكافأة الداعي

الدعاء بظهر الغيب يدل على سلامة الصدر وإخلاص النية ومحبة الخير للآخرين، وقد ورد في الحديث أن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب تستجاب ويستحق الداعي مثل ما دعا به. يحصل الداعي على خير مماثل لما دعا به لأخيه.

حكم سؤال الدعاء من الغير واستثناءاته

لا ينبغي للمسلم أن يسأل أحدا أن يدعو له دعوة خاصة، إلا إذا كان قصده نفع الداعي أيضا، واستثنى بعض أهل العلم جواز سؤال الدعاء العام للناس جميعا. يبين المقطع ضوابط طلب الدعاء من الآخرين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا يحيى، عن أبي غسان، قال: أخبرنا عبد الملك، عن أبي سليمان، وأبو سليمان اسمه ميسرة، وعبد الملك ثقة، وثقه أحمد بن حنبل، قال: عن أبي الزبير، وهو أبو الزبير المكي، محمد بن عبد الله، عن طاووس، وهو أيضا ثقة، وثقه أحمد بن حنبل، ومن المدينة غيرهما، ويروي كثيرا عن جابر، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، وكانت تحته الدرداء بنت أبي الدرداء، فهو زوج الدرداء بنت أبي الدرداء، وهو ثقة، وقد ثقه الإمام النسائي رحمه الله، قال: قدمت عليهم الشام، فوجدت أم الدرداء في البيت، ولم أجد أبا الدرداء، وأم الدرداء هي أم الدرداء الصغرى التابعية، اسمها جهمة، ويقال: جهيمة بنت حيي الأوصابية الدمشقية، وكانت من أهل العلم، وهناك أم الدرداء الكبرى، وهي الصحابية، واسمها خيرة بنت أبي حدرد، قال: وجدت أم الدرداء في البيت، ولم أجد أبا الدرداء، وأبو الدرداء صحابي جليل، واسمه عويمر، قالت: أتريد الحج العام؟ قلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن دعوة المرء المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال: آمين، ولك بمثل». قال: فلقيت أبا الدرداء في السوق، فقال مثل ذلك، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث صححه شيخ الألباني رحمه الله، وهو في صحيح الإمام مسلم من طريق عبد الملك، عن أبي سليمان به، وفيه رواية أنها قالت: «حدثني سيدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال»، وذكرت الحديث، يعني زوجها. وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة لما بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب: «دعوة الأخ بظهر الغيب»، وجعل الجواب غير مذكور، استدلالا بما في هذا الباب من الحديث، وهو ظاهر من أنها مستجابة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن دعوة المرء المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال: آمين، ولك بمثل». ففي هذا الحديث بيان فضل دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب، والمراد بظهر الغيب: أي في غيبته وعدم حضوره، يدعو له فيما بينه وبين نفسه، وهذا كما قلنا يدل على سلامة صدره، وهكذا أيضا على إخلاصه وصدقه، ويدل كذلك أيضا على محبته له أو لأخيه أن يناله من الخير ما يحب أن يناله هو. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فهو يدعو له بظهر الغيب حتى يستجيب الله سبحانه وتعالى له بما يحب له من الخير، وهذا كان من شأن الرسل عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أمره الله عز وجل أن يستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات. وهكذا أيضا قال الله عز وجل حاكيا عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، فهذه دعوة من إبراهيم عليه السلام لسائر المؤمنين بالمغفرة، فدل ذلك على أن هذا من شأن الرسل، ومن طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم يدعون لغيرهم من أهل الإيمان في ظهر الغيب. ومن فضل ذلك أن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب تستجاب، وهكذا أيضا يدعو له الملك أن يعطيه الله سبحانه وتعالى بمثل ما دعا، قال: «وعند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال: آمين، ولك بمثل»، كلما دعا هذا المسلم لأخيه بخير من خير الدنيا والآخرة، قال الملك الموكل: «ولك بمثل»، أي: بمثل ما دعوت، لك بمثل ما دعوت، فهذا أجر عظيم يناله المسلم إذا دعا لأخيه في ظهر الغيب. وفي هذا الحديث كذلك أيضا ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من حسن الصلة والمعاملة مع أقاربه وأصهاره من زيارتهم، وهكذا أيضا تفقد أحوالهم، فهذا صفوان بن عبد الله عندما أراد الحج زار أم الدرداء، وهي خالته أم زوجته، وهكذا أبا الدرداء، وهو في عرفنا عمه، أم يعتبرون أصهاره. وهكذا أيضا في قول أم الدرداء لصفوان: «فادع الله لنا بخير»، فإنها طلبت منه أن يدعو الله سبحانه وتعالى لهم، وقد ذكر أهل العلم أنه لا ينبغي للمسلم أن يسأل أحدا أن يدعو له، لا ينبغي أن يسأل أحدا أن يدعو له دعوة خاصة به، لأن هذا كما قال الإمام الشافعي رحمه الله يدخل في عموم ذنب المسألة. وما روي أو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى عمر رضي الله تعالى عنه إذا رأى أويس القرني أن يسأله أن يستغفر له، كما في صحيح مسلم، فهذا خاص بأويس، علم النبي صلى الله عليه وسلم له فضلا وأنه مجاب الدعوة، فحث على من لقيه أن يستغفر له، فهذا خاص به. ولهذا ما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل أحد من أحد أن يدعو له ممن هو أفضل من أويس، كأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، هو أفضل هذه الأمة وأفضل من أويس القرني، ومع ذلك ما حث النبي صلى الله عليه وسلم على سؤال الدعاء منه، ولا من غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهكذا أيضا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من سؤال بعض الصحابة له أن يدعو لهم، فهو كذلك خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. لكن قال بعض أهل العلم: إذا دعا أو سأل الإنسان من غيره دعوة، وأراد منه أن يدعو بدعوة عامة للناس جميعا، فهذا لا بأس به، كان يسأله دعوة يدعو بها بنزول الغيث، وكذلك حصول الخير وذهاب الفتن نحو ذلك، فهذا جائز. أما دعوة خاصة به، فلا ينبغي إلا إذا كان قصده بذلك نفع هذا الداعي مع حصول النفع له، يقول له: ادع الله لي بكذا وكذا، وهو يريد وينوي بذلك أن يحصل له هذا الخير، وأن يحصل هذا الخير كذلك لهذا الداعي، ويقصد ما جاء في هذا الحديث أن يدعو له الملك بهذه الدعوة، ويقول له: «لك بمثل»، فإن هذا لا بأس به. وعليه يحمل قول أم الدرداء هنا لصفوان: «فادع الله لنا بخير»، فإنها أرادت حصول هذا الخير لها ولزوجها وأهل بيتها، وكذلك حصوله لصفوان، ولهذا ذكرت له هذا الحديث الذي فيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن المسلم إذا دعا لأخيه بظهر الغيب فإن دعوته مستجابة، وهكذا أيضا: «عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل: لك بمثل، آمين»، أي: اللهم استجب، ولك بمثل، أي: بمثل ما دعوت، فيحصل بهذا الخير للداعي، ويحصل كذلك أيضا للمدعو له.