الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء بدليل القرآن والسنة، وأن من ادعى النبوة بعده كافر مكذب لله ورسوله. كما يبين عقيدة أهل السنة في الخلفاء الراشدين الأربعة وأن ترتيبهم في الخلافة يعكس ترتيبهم في الفضيلة رداً على من يفضل علياً على من سبقه.
يوضح المقطع أن تقديم الله لأبي بكر وعمر وعثمان في الخلافة يدل على رضاه وحكمته، وأن اختصاص صحابي بفضيلة لا يقتضي أفضلية مطلقة على من سبقه بالإجماع. ويستدل بإجماع الصحابة على تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان مع ضرب الأمثلة بخصائص الصحابة.
يبين المقطع أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم لقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مستعرضاً فضائلها ككثرة الأتباع وكونها أكثر أهل الجنة. ويؤكد أن خير أجيالها الصحابة ثم التابعون مع وجوب الجمع بين الخوف والرجاء وعدم الاغترار بالانتساب.
يذكر المقطع حديثاً يبين أفضلية الصحابة ثم التابعين ثم أتباع التابعين في الغزو والنصر، ثم يشرح معنى المحدث الملهم بأنه من يلهمه الله الصواب فتتوافق أقواله مع الوحي كما وقع لعمر بن الخطاب.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال مصنفه رحمه الله تعالى، الشيخ محمد صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، في رسالته "عقيدة أهل السنة والجماعة": قال رحمه الله: "ونؤمن بأنه لا نبي بعد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ادعى النبوة بعده أو صدق من ادعاها فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين". بين رحمه الله أن نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام هو خاتم النبيين، فبه ختمت النبوات. دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فالله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. فهذه الآية في كتاب الله جل وعلا فيها بيان أن نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء. فمن ادعى أنه نبي فقد كذب القرآن، وكذب خبر الله جل وعلا، ومن كذب خبر الله سبحانه وتعالى فهو كافر. وهكذا من صدق من ادعى النبوة، الذي يصدق من ادعى النبوة يكون كافرًا؛ لأنه مكذب لخبر الله جل وعلا، ولخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. والنصوص كثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام التي فيها بيان أن النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "فضلت على الأنبياء بست"، كما في الصحيحين، وذكر منها: "وختم بي النبيون، وختم بي النبيون". وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "ألا تريد أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، إلا أنه لا نبي بعدي". في حديث ثوبان في مسلم، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيُدّعى أناس النبوة، فأخبر عن خروج أدعياء النبوة وأنهم كذابون، ذكر ثلاثين عليه الصلاة والسلام. وهذا لا يقضي الحصر، وإنما المراد أن هؤلاء هم الذين يدعون النبوة وتكون لهم شوكة، ويشتهر أمرهم اشتهارًا عظيمًا، وإلا فربما يكون أكثر من ذلك من يدعي النبوة لكن لا يشتهر أمره بين الناس. فذكره عليه الصلاة والسلام لهذا العدد لا يراد به الحصر، وإنما هؤلاء من يخرج ويدعي النبوة ويشتهر أمرهم بين الناس، وتكون بهم فتنة عظيمة. فهذا يدل على أن من ادعى النبوة كاذب ومكذب لخبر الله ولخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام من أدعياء النبوة من النساء، من النساء، حتى من النساء من يدعي النبوة. جاء في بعض الأحاديث: "أربع نسوة يحصل منها ادعاء للنبوة". وهذا من أمارات الساعة، من أمارات الساعة، ومن علامات الساعة خروج أدعياء النبوة. هو تكذيب وكفر، وهو كذلك أمارة وعلامة من علامات الساعة وأشراطها. ورأس هؤلاء مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، ومن هؤلاء كذلك الأسود العنسي من صنعاء، كذلك ادعى النبوة، وهكذا السجاح، وهكذا المختار بن عبيد الثقفي، وكذلك محمد أمين ميرزا، وهكذا محمود طه السوداني، وأُعدم، أعدمته الحكومة السودانية. فهؤلاء ادعوا النبوة، وغيرهم ممن سيدعي النبوة، ويختم هؤلاء رأسهم المسيح الدجال الذي يدعي الربوبية في آخر الزمان. فالنبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن هؤلاء كذبة، وأنه لا نبي بعده عليه الصلاة والسلام، فهو خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. وهذا واضح بيّن، أن من ادعى النبوة أو صدق من ادعاها كفر بالله جل وعلا؛ بأنه كذب خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: "ونؤمن بأن للنبي صلى الله عليه وسلم خلفاء راشدين خلفوه في أمته علمًا ودعوة وولاية على المؤمنين، وبأن أفضلهم وأحقهم بالخلافة أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين". وهكذا كانوا في الخلافة قدرًا كما كانوا في الفضيلة. وما كان الله تعالى وله الحكمة البالغة ليولي على خير القرون رجلًا وفيهم من هو خير منه وأجدر بالخلافة. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع بأن النبي عليه الصلاة والسلام خلفه خلفاء راشدون من أمته عليه الصلاة والسلام، خلفوه في دعوته عليه الصلاة والسلام، وفي ولايته عليه الصلاة والسلام على المؤمنين. فهم خلفوا النبي عليه الصلاة والسلام دعوة وولاية على المؤمنين، وهم يتفاضلون فيما بينهم. الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم يتفاضلون فيما بينهم. أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فمن خالف في ذلك فهو أضل من حمار أهله، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. لأن أمر أهل السنة في هذا الباب على هذا: أن أحق الناس بالخلافة أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا هو أفضل الصحابة. ثم بعد ذلك عمر، ثم بعد ذلك عثمان، ثم بعد ذلك علي. لكن حصل خلاف بين أهل السنة والجماعة سابقًا فيما يتعلق بأفضلية عثمان وعلي: هل عثمان أفضل أم علي؟ فقوم من أهل الكوفة فضلوا عليًا على عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ليس في الخلافة وإنما في الأفضلية. أمرهم واحد فيما يتعلق بالخلافة، أي بأحقية الخلافة، وأن الحق بالخلافة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وفي الأفضلية: أبو بكر، ثم عمر. لكن الخلاف: هل أفضل عثمان أم علي؟ لكن استقر أمر أهل السنة والجماعة بعد ذلك على تفضيل عثمان على علي، على ما جاء في حقهم بالخلافة. فترتيبهم في الخلافة هو كذلك يدل على ترتيبهم في الفضل. ترتيبهم في الخلافة يدل على ترتيبهم في الفضل. فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وهكذا في الخلافة: هم أبو بكر، عمر، عثمان، علي. رضي الله تعالى عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أجمعين. لذلك قال رحمه الله: "وهكذا كانوا في الخلافة قدرًا كما كانوا في الفضيلة". هذا الذي استقر عليه أمر أهل السنة والجماعة بعد حصول ذلك الخلاف في الزمن السابق. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة. فالله سبحانه وتعالى حكيم وعليم جل وعلا، فلا يولي من هو لا يستحق ويترك من هو يستحق. فالله سبحانه وتعالى قدم هؤلاء، وجعل في قلوب الناس المحبة لهم، والمكانة، والتعظيم، والاختيار لهم في الخلافة. فهذا من القبول الذي يجعله الله سبحانه وتعالى لهؤلاء في قلوب الناس. فهذا الأمر جرى واستقر بمشيئة الله سبحانه وتعالى، مما يدل على رضا رب العالمين جل وعلا على هذا، على هذا الذي جرى وقدر من أن يكون الخليفة الأول أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. خلاف ما تقول الشيعة الرافضة، عليهم من الله ما يستحقون، أن هذه الأمور ليست صحيحة، وأن الأفضل علي، يفضلونه على الصحابة كلهم، ويغلون فيه. كل هذا باطل. فقال لهم: إن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة، كيف يولي على خيرة الخلق في أرضه جل وعلا من يوجد من هو خير منه وأفضل منه؟ فمدام أن الله سبحانه وتعالى أدان بذلك قدرًا، دل هذا على رضاه سبحانه وتعالى على ذلك. فالله جل وعلا لا يمكن من كان غير أهل أو لا يستحق أن يكون خليفة، أو أن يفضل على غيره، وتكون له المكانة في قلوب الناس، ويستقر أمره، وتكون له الغلبة في ذلك والرفعة أبدًا. هذا ينافي الحكمة، والله جل وعلا هو الحكيم العليم سبحانه وتعالى. ولهذا أشار المصنف رحمه الله تعالى إلى هذا بقوله رحمه الله تعالى: "وما كان الله تعالى وله الحكمة البالغة ليولي على خير القرون رجلًا وفيهم من هو خير منه وأجدر بالخلافة". فيقال للشيعة الرافضة: لو كان علي رضي الله تعالى عنه أحق بالخلافة من أبي بكر، أو من عمر، أو من عثمان، لولاه الله سبحانه وتعالى، لولاه الله سبحانه وتعالى وجعله خليفة؛ لأنه لحق بذلك، والله جل وعلا هو الحكيم، والحكيم هو الذي يضع الأمور في مواضعها. وبهذا يتبين لنا أن ادعاء الرافضة أن عليًا أحق بالخلافة، هذا فيه طعن، فيه طعن في حكمة الله سبحانه وتعالى. كيف يولي أبا بكر على هذه الأمة وعلي أفضل منه وهو حق بالخلافة؟ فلا شك أن كلام هؤلاء باطل وظاهر البطلان. قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن المفضول من هؤلاء قد يتميز بخصيصة يفوق فيها من هو أفضل منه، لكنه لا يستحق بها الفضل المطلق على من فضله، لأن موجبات الفضل كثيرة متنوعة". أشار رحمه الله تعالى هنا إلى مسألة، إلى مسألة تتعلق بوجود بعض الفضائل التي تكون عند بعض الصحابة، فيتميز بعض الصحابة بفضائل عن غيرهم. فهل إذا وجدت فضيلة، خصيصة تميز بها صحابي وفضل بها على غيره من الصحابة، هل يجب من هذا أنه أفضل من ذلك الصحابي الذي فضله بهذه الخصيصة؟ الجواب: لا، لا يلزم من وجود خصيصة وفضل تميز به صحابي عن آخر أن يكون هذا الصحابي الذي تميز بهذه الخصيصة أفضل من الصحابي الآخر. مثالًا: عمر رضي الله تعالى عنه، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه محدث ملهم، كما جاء في الصحيح، قال: "إن في أمتي محدثين، إن يكون منهم أحد فعمر". وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الشيطان يفر من عمر، فقال: "إيهن يا ابن الخطاب، والله ما رآك الشيطان سالكًا فجا إلا سلك فجا غير فجك". وهكذا نزل القرآن بموافقته في مواضع. فهل هذا يدل على أن عمر أفضل من أبي بكر؟ الجواب: لا. وإن تميز عمر رضي الله تعالى عنه بهذه الفضائل التي تميز بها عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، من أنه محدث ملهم، وأن الشيطان يفر منه إذا رآه سالكًا فجا إلى آخر ذلك، لا يدل على أن عمر رضي الله تعالى عنه أفضل من أبي بكر. بل أبو بكر رضي الله تعالى عنه أفضل من عمر، أفضل من عمر، وهذا عليه إجماع، وهذا عليه إجماع الصحابة. كما ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في البخاري، قال: "كنا نقول: أفضل هذه الأمة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان"، والنبي عليه الصلاة والسلام يسمع ذلك منهم، ويدل هذا على إقراره عليه الصلاة والسلام لهذا. وكذلك كذلك لما سُئل، سئل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عن أفضل الصحابة، قال: "أبو بكر". سأله ابنه رضي الله تعالى عنه: "ثم من؟" قال: "عمر". قال: "فخشيت أن يقول عثمان، فقلت: ثم أنت؟" قال: "ما أنا إلا رجل من المسلمين، ما أنا إلا رجل من المسلمين". فإجماع الصحابة منعقد، إجماع الصحابة منعقد على أن أفضل الصحابة أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم عثمان، عمر. فإذا وجود فضيلة لعمر تميز بها عن أبي بكر لم توجد في أبي بكر، لا يدل ذلك على فضل عمر على أبي بكر. بل الإجماع على أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هو أفضل من عمر، وأحق بالخلافة من عمر. ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. لذلك أشار المصنف رحمة الله تعالى إلى هذا الأمر، إلى هذه المسألة، بقوله رحمه الله: "ونؤمن بأن المفضول من هؤلاء قد يتميز بخصيصة يفوق فيها من هو أفضل منه، لكن لا يستحق بها الفضل". وهكذا يقال في علي. فمثلًا: النبي عليه الصلاة والسلام أعطى الراية يوم خيبر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. فهذه ميزة تميز بها علي. عمر رضي الله تعالى عنه لم يعطَ الراية. عمر رضي الله تعالى عنه في هذه الغزوة لم يعطَ الراية، ولا أبو بكر رضي الله تعالى عنه. بل حتى قال عمر رضي الله تعالى عنه، كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله: "ما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ"، أي يوم خيبر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا الرجل الذي سيعطى الراية رجل يحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فأبو بكر رضي الله تعالى عنه وعمر وسائر الصحابة يريدون هذا الفضل العظيم، وهو محبة الله جل وعلا لهم ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام أعطى الراية عليًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهل هذا يدل على أن عليًا أفضل من أبي بكر وعمر لأنه تميز بهذا الفضل؟ الجواب: لا. أبو بكر أفضل من علي رضي الله تعالى عنه، وعمر أفضل من علي رضي الله تعالى عنه، وعثمان كذلك أفضل من علي رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم. فترتيبهم في الخلافة، وكذلك ترتيبهم في الفضل. وعلى هذا فقس. حذيفة بن اليمان، أمين سر رسول الله عليه الصلاة والسلام، عنده أسماء المنافقين. تميز بهذه الفضيلة. النبي عليه الصلاة والسلام أطلعه على أسماء المنافقين. حتى جاء عمر رضي الله تعالى عنه إلى حذيفة، قال: "أناشدك الله، هل سماني رسول الله عليه الصلاة والسلام مع من سمى؟" فقال له: "لا، ولن أخبر أحدًا بعدك". فالشاهد من هذا أن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه تميز بهذه الفضيلة، حيث خصه النبي عليه الصلاة والسلام بإبلاغه عن أسماء المنافقين، ولم يخبر أبا بكر، ولم يخبر عمر، ولم يخبر عثمان. فهل يدل هذا على أن حذيفة رضي الله تعالى عنه أفضل من أبي بكر، أو أفضل من عمر، أو أفضل من عثمان، أو أفضل من علي، أو أفضل من العشرة الآخرين؟ الجواب: لا، الجواب: لا. بل الخلفاء الراشدون الأربعة هم أفضل الصحابة. وبعدهم بقية الستة، بقية الستة الذين بشروا بالجنة. هذا مراد المصنف رحمه الله تعالى بقوله: "نؤمن بأن المفضول من هؤلاء قد يتميز بخصيصة يفوق فيها من هو أفضل منه، لكنه لا يستحق بها الفضل المطلق على من فضله، لأن موجبات الفضل كثيرة متنوعة". يعني تتنوع الفضائل من صحابي إلى آخر. بل حتى فيمن جاء بعدهم، بل حتى فيمن جاء بعدهم من التابعين. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أويس القرني، وأنه من مجابي الدعوة. حتى قال عمر رضي الله تعالى عنه: "إذا جاء أقوام اليمن، وهو اليمن، يسأل عن أويس القرني، رجل من قرن، به برص فشفاه الله سبحانه وتعالى إلا موضع درهم". فهذه أيضًا من الفضائل التي خص بها بعض التابعين، كأويس القرني. أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، بل أرشد عمر رضي الله تعالى عنه النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو له، كان بارًا بوالدته رحمه الله تعالى، أي أويس القرني، وهو خير التابعين، وهو خير التابعين رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن هذه الأمة خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل". يقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. هذه الأمة، أمة النبي عليه الصلاة والسلام، هي أفضل الأمم، كما أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. فخير أمة هي أمة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الأمة الوسط، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بفضائل لهذه الأمة فضلت بها على غيرها من الأمم. فهذه الأمة أكثر الأمم تبعًا، أكثر الأمم تبعًا لنبيها محمد عليه الصلاة والسلام. كما جاء في حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين، في عرض الأمم على النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: "عُرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. لكن انظر إلى الأفق. قال: فنظرت، فإذا سواد أعظم. قيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب". سُئل عن هؤلاء النبي عليه الصلاة والسلام، بعد أن خاض الصحابة في معرفة هؤلاء في صفاتهم، قال عليه الصلاة والسلام: "هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون". فهذا الحديث يدل على أن أكثر الأمم اتباعًا لنبيها هي أمة النبي عليه الصلاة والسلام. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أكثر أهل الجنة، أكثر أهل الجنة من أمته عليه الصلاة والسلام. جاء في حديث عبد الله بن مسعود الصحيح، أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا تحبون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟" قال عبد الله بن مسعود: "فكبرنا". ذكر الثلث أولًا: "ثلث أهل الجنة". ثم قال: "شطر أهل الجنة"، أي نصف أهل الجنة، فكبرنا. وجاء في بعض الروايات الأخرى أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، من هذه الأمة ثمانون صفًا، ثمانون صفًا. فيدل على أن أكثر أهل الجنة من أمة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذا لا يجعلنا نغلب الرجاء. فمن هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، والسابقون من التابعين، وأمم كثيرة. فلذلك الإنسان إذا سمع مثل هذه النصوص لا يغلب الرجاء، يقول: نحن أكثر أهل الجنة، فيقول: أنا منهم، أي أنا منهم. لا يا عبد الله، ما يدريك؟ فأنت عليك بأن تنظر في نصوص الوعد والوعيد، تنظر في نصوص الوعد والوعيد. كما أنك ترجو رحمة الله، وبلغك نصوص كثيرة فيما يتعلق بما وعد الله سبحانه وتعالى وأكرم به هذه الأمة، كذلك عليك أن تنظر إلى النصوص الأخرى التي فيها الوعيد والعقاب. فتجمع بين الخوف والرجاء، ويكون الخوف والرجاء لك كالجناحين للطائر، كما قال إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد رحمه الله تعالى: قال على الإنسان أن يجعل الخوف والرجاء كما يجعل كالجناحين للطائر، لا يمكن أن يطير الطائر بجناح واحد، يتخبط. فهكذا أنت إذا نشأت على رجاء تتخبط، مكسور الجناح الثاني. وإذا غلبت الخوف كذلك. لكن كن بين الخوف والرجاء. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا هو حال أهل الإيمان: يرجون رحمته ويخافون عذابه، يرجون رحمته ويخافون عذابه. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، رغبا ورهبا، يعني رغبا فيما عند الله سبحانه وتعالى، ورهبا أي من عقابه جل وعلا. وفضائل هذه الأمة كثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. منها: أن هذه الأمة أول من يشفع لها من الأمم يوم القيامة، وأول الأمم كذلك دخولًا الجنة. كما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم، حيث يأتي النبي عليه الصلاة والسلام إلى باب الجنة فيقرع باب الجنة، فيقول له خازن الجنة: "من؟" فيقول النبي عليه السلام: "محمد". فيقول خازن الجنة: "نعم، أمرت أن أفتح لك، لا أفتح لأحد قبلك". فيدخل النبي عليه الصلاة والسلام الجنة، وبعد ذلك الأنبياء يدخلون الجنة، ثم الأمم. وأول الأمم دخول الجنة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ومن نظر في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام يجد الفضائل الكثيرة التي فضل الله سبحانه وتعالى بها هذه الأمة على غيرها. نصرت بالرعب، وجعلت لها الأرض مسجدًا وطهورًا، وحلت لها الغنائم. كل ذلك من الفضائل التي ميز الله سبحانه وتعالى بها هذه الأمة على سائر الأمم. وسبب ذلك قيام هذه الأمة بشرع الله جل وعلا. يعني أفضليتها وكرمها وشرفها إنما يكون تبعًا لقيامها بشرع الله سبحانه وتعالى. وهذا واضح بيّن في الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. هذا الأمر الذي جعل هذه الأمة أكرم الأمم عند الله جل وعلا، وأشرف الأمم عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن خير هذه الأمة الصحابة، ثم التابعون، ثم تابعوهم". خير الأمة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمران بن حسين رضي الله تعالى عنهما في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال عمران رضي الله تعالى عنه: "لا أدري أذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعد قرنه، بعد قرنه قرنين أم ثلاثة". فهذا حديث نص واضح بين من النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الأمة الصحابة، وهو قرنه عليه الصلاة والسلام الذي فيه الصحابة. ثم الذين يلونهم هم التابعون، التابعون. ثم الذين يلونهم وهم أتباع التابعين، أتباع التابعين. وجاء في حديث آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح أيضًا، أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن في أمم يغزون، فيقال لهم: فيقال لهم: "هل فيكم من رأى النبي عليه الصلاة والسلام؟" فيقولون: "نعم"، فيفتح لهم. ثم يغزون، فيهم من الناس، فيقال لهم: "هل فيكم من رأى من رأى النبي عليه الصلاة والسلام؟" والمراد بهم التابعون، فيقولون: "نعم"، فيفتح لهم. ويغزو أمم من الناس، يقال لهم: "هل فيكم من رأى من رأى من رأى النبي عليه الصلاة والسلام؟" والمراد بهم أتباع التابعين، فيفتح لهم. فهذا الحديث أيضًا يدل على هذا: أن أفضل الأمة الصحابة، ثم بعد ذلك التابعون، ثم بعد ذلك أتباع التابعين. هنا سائل يقول: ما معنى "محدث ملهم"؟ يعني أن الله سبحانه وتعالى جعله من المحدثين الملهمين الذين يلهمون، يكون عندهم الفراسة في الأمور، فيذكرون أمورًا ويحكمون فيها، فيكون الأمر كما وفقوا لذلك. وكما سمعتم في الحديث أن النبي أخبر أن من كان محدثًا ملهمًا فأعمر. ولذلك واضح أن القرآن نزل بموافقته في مواضع، فيما حكم. هذا من ما جعله الله سبحانه وتعالى له من هذا الإلهام الذي يقذفه في قلبه جل وعلا، فيقول شيئًا فيأتي ما يؤيده. فهذا المراد به هذا الأمر: محدث ملهم. مواصلة إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا.