الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى انفراد الله تعالى بالملك بوصفه من توحيد الربوبية مستدلاً بالقرآن والسنة وإقرار المشركين. ويبين أن ملك المخلوقين قاصر ومحدود ومقيد بالشرع وزائل بالموت فلا ينافي ملك الله الكامل الدائم.
يؤكد المقطع عجز المخلوقين عن دفع الضر مستدلاً بآية الذباب، مفصلاً أن الله متفرد بالملك التام. ويوضح أن الخلق نوعان: إيجاد من العدم لله وحده، وتصوير وتكوين للمخلوقين لا ينافي تفرد الله.
يقرر المقطع أن خلق المخلوقين تشكيل لمواد موجودة بينما خلق الله إيجاد من عدم، والتدبير كله لله وحده. ثم ينتقل لتوحيد الألوهية معرفاً إياه بإفراد الله بجميع أنواع العبادة كالدعاء والنذر والذبح.
يعرض المقطع تعريف ابن تيمية للعبادة كاسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ويبين أن حقيقتها من جانب العبد التعبد والتذلل والخضوع، وغايتها محبة الله مع الذل مستندين للكتاب والسنة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنواصل في ذكر ما ابتدأ به المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين، طيب الله ثراه، في هذا المؤلف الذي هو «عقيدة أهل السنة والجماعة». قال رحمه الله تعالى: «فنؤمن بربوبية الله تعالى، أي بأنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، ونؤمن بألوهية الله تعالى، أي بأنه الإله الحق، وكل معبود سواه باطل، ونؤمن بأسمائه وصفاته، أي بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ونؤمن بوحدانيته في ذلك، أي بأنه لا شريك له في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته». قال الله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى في ما يتعلق بذكر ما يتضمنه الإيمان بالله جل وعلا، وهو الركن الأول من أركان الإيمان. فلما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «عقيدتنا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»، شرع في بيان ما يتعلق بالإيمان بالله جل وعلا، وبيّن رحمه الله أن الإيمان بالله جل وعلا يتضمن أو يستلزم الإيمان بانفراده جل وعلا في ربوبيته، وانفراده جل وعلا في ألوهيته، وانفراده جل وعلا في أسمائه وصفاته. وقد تقدم أيضًا أن الإيمان بالله جل وعلا يتضمن الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى، وذكرنا أن وجود الله جل وعلا دل عليه دليل الشرع والعقل والفطرة والحس. انفراده جل وعلا بربوبيته: معنى إفراده جل وعلا بملكه وخلقه وتدبيره، فمعنى إفراد الله جل وعلا بربوبيته أي إفراده بأفعاله سبحانه وتعالى، أن نفرد الله جل وعلا في أفعاله، هذا هو توحيد الربوبية: أن يفرد العبد الرب جل وعلا بأفعاله من ملك وخلق وتدبير. إفراده جل وعلا بالملك: قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال أيضًا: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام في تلبيته قال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». لا شريك لله جل وعلا في ملكه سبحانه وتعالى، أي أنه منفرد جل وعلا به الملك. وأما تلبية المشركين: «لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك»، ف حتى تلبية المشركين فيها الإقرار بأن الله جل وعلا هو المنفرد بالملك، حتى هذا الذي يجعلونه شريكًا مع الله جل وعلا يعترفون بأنه إنما هو ملك لله جل وعلا، هذه الأصنام: هبل، واللات، والعزى، ومناة، هذه الآلهة يقرون بأنها ملك لله عز وجل: «إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك». ف هذه النصوص دلت على إفراد الله جل وعلا بالملك. لا ينافي هذا ولا يعارضه أن الله جل وعلا أثبت الملك للمخلوقين، فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، فأثبت ملك الأيمان، فجعل للبشر ملكًا وأنهم يملكون، وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾، فأثبت ملكًا للمخلوقين. فهل إثبات الملك للمخلوقين يعارض إفراد الله جل وعلا بالملك؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن ملك المخلوقين ملك قاصر، ملك محدود، فهم يملكون هذا الشيء ولا يملكون غيره، يملكون هذا المال الذي بحوزتهم وهذه القصور وهذه الدور وهذه الحيوانات، لكن لا يملكون ما عند غيرهم، فملكهم قاصر محدود، والله جل وعلا مالك كل شيء، فإذا لا يعارض إثبات الملك للمخلوقين إفراد الله جل وعلا بالملك. وهكذا كذلك هذا الملك الذي أثبته الله جل وعلا للخلق لا يتصرفون فيه كيف شاء، وإنما يتصرفون فيه بما أذن به الشرع، فالإنسان مثلًا إذا ملك أموالًا قال: «أحرق هذه الأموال، هذا ملكي وأنا أتصرف في ملكي كيف أشاء، أحرق هذه الأموال وأفسد هذه الأموال»، هل يجوز له ذلك؟ لا يجوز له ذلك، يقول: «ملكي»، نقول: وإن كان تملك هذا الشيء فإن ملكك لهذا الشيء إنما هو ملك وجب عليك تجاهه أن تعمل فيه بما أذن الشرع. قال: «هذه الإبل وهذه البقر وهذه البهائم وهذا الغنم ملكي، أعذبها، أحرق من شئت منها»، نقول: لا يجوز، نقول: «ملكي»، نقول: وإن كان ملكك لا يجوز لك أن تتصرف فيه إلا بما أذن فيه الشرع، بما يوافق الشرع. وهكذا فإذن هو ملك قاصر محدود، صاحبه لا يتصرف فيه كيف شاء، وإنما يتصرف فيه بما يوافق الشرع. أيضًا هذا الملك زائل، ملك الله جل وعلا باقٍ، لكن ملك المخلوق زائل، لا بد له من زوال، إذا مات من هذه الدنيا انتقل إلى الدار الآخرة صار لا يملك شيئًا، تلك الأموال التي كان يملكها صارت لورثته، تلك القصور وتلك الدور وتلك السيارات وتلك العمارات صارت للورثة، زال ملكه وانقطع وانتهى هذا الملك وانتقل إلى غيره. أيضًا هذا الملك الذي هو للمخلوق: الإنسان عاجز عن رد شيء منه إذا أخذ، إذا أخذ شيء من ماله ربما يعجز ما يستطيع أن يرده، وهذا يدل على ضعف هذا الملك الذي هو بيد المخلوق. فمثلًا: يسرقه سارق، يقتحم بيته ويأخذ ماله وهو لا يدري، أو يأخذ سيارته وهو لا يدري، الله جل وعلا لا يستطيع أحد أن يأخذ من ملكه شيئًا سبحانه وتعالى، فملك البشر قاصر محذوذ، وهم عاجزون عن رد شيء منهم منه إذا أخذ منهم. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم مبينًا هذا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فالله جل وعلا يضرب في هذه الآية مثلًا عظيمًا في هذه الآلهة التي تدعى من دونه جل وعلا، المشركون يجعلون على أصنامهم الطيب وكذا وكذا من هذه الأمور، يأتي الذباب ويأخذ الطيب من هذا الصنم ومن هذا الوثن، ما يستطيع المشركون أن يردوا هذا الذي أخذ من هذه الآلهة، ولا هذا الصنم يستطيع أن يرد ذلك الذي أخذه هذا الذباب، ضعف الطالب والمطلوب، فالطالب ضعيف والمطلوب ضعيف، وهذا يدل على بطلان هذه الآلهة لأنها عاجزة، يؤخذ منها الشيء ما تستطيع أن ترده، يأتي الثعلب ويبول على هذه الآلهة وعلى هذا الصنم، ما يستطيع أن يدفع هذا الصنم هذا الأذى، إله يبول ثعلب عليه، هانت من بالت عليه الثعلب وهو عاجز ما يستطيع أن يدفع ضرًا عن نفسه فضلًا عن أن يجلب نفعًا لأحد، وهذا هو شأن كل من دعي من دون الله جل وعلا، هو عاجز وضعيف في رد مكروه قضاه الله جل وعلا عليه. فلذلك هذا يدل على أن إثبات الملك للمخلوقين الذي أثبته الله جل وعلا لا ينافي إفراد الله جل وعلا بالملك، لأن ملك المخلوقين قاصر ومحدود، ولا يتصرفون فيه إلا بما يوافق الشرع، وهكذا كذلك إذا أخذ شيء من هذا الملك لا يستطيعون رده، فالله جل وعلا منفرد بملكه سبحانه وتعالى، وهذا مما يتضمنه توحيد الربوبية: إفراد الله جل وعلا بملكه، لا أحد يشارك الله جل وعلا في ملكه سبحانه وتعالى. وهكذا إفراده جل وعلا بالخلق، فالله جل وعلا منفرد بخلقه سبحانه وتعالى، قال جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، هذه الآية فيها حصر الخلق والأمر وأنه لله جل وعلا، لأنه قدم فيه الخبر، والقاعدة البلاغية أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فحصر الله جل وعلا الخلق والتدبير له جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، أي ليس لغيره، وإنما هو له جل وعلا وحده لا شريك له. فالله جل وعلا منفرد بخلقه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وهكذا الآيات كثيرة في إثبات الخلق لله جل وعلا وأنه سبحانه وتعالى منفرد بالخلق، لا يوجد خالق آخر مع الله جل وعلا يخلق شيئًا، وإنما الخالق هو الله جل وعلا وحده لا شريك له: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فالله جل وعلا منفرد بخلقه سبحانه وتعالى. وإثبات كذلك الخلق للمخلوقين، وإن سماه الشرع خلقًا، فهو لا يعارض إفراد الله جل وعلا بالخلق، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، ومن يخلق من البشر إنما هو بمعنى يصنع، خلق تكوين وتصوير، الخلق الذي أثبته الشرع للمخلوقين سماه خلقًا، هو خلق تصوير، ليس خلق إيجاد، فخلق الله جل وعلا خلق إيجاد، إيجاد بعد عدم، هذه السماوات وهذه الأرضون وهذه الجبال وهؤلاء البشر وهؤلاء الجن وهؤلاء الإنس إلى آخر مخلوقات الله جل وعلا كانت عدمًا فأوجدها الله سبحانه وتعالى، هذا خلق الله جل وعلا الذي هو إيجاد بعد عدم. لكن الخلق الذي أثبته الشرع للمخلوقين وسماه خلقًا هو خلق تصوير، يسمى الذي صنع الباب أنه خلق الباب، وهكذا خلق الطائرة وخلق السيارة، نعم، خلق التمثال، خلق التمثال بمعنى صنعه وكونه بهذه المادة، سواء كانت من الحديد أو من الخشب أو من الطين، فهو صور هذا الشيء بشيء آخر. النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «إن الله جل وعلا يقول للمصورين: أحيوا ما خلقتم، أحيوا ما خلقتم»، فسمى فعلهم خلقًا، وهم ماذا فعلوا؟ صوروا التماثيل، صوروا التماثيل، شكلوها، سماه الشرع خلقًا، فالله جل وعلا يقول: «أحيوا ما خلقتم»، بمعنى: ما صنعتم وما صورتم، لأنهم بهذا ضاهوا خلق الله جل وعلا، هذا فيه مضاهاة لخلق الله سبحانه وتعالى. في الحديث الآخر في الصحيحين أيضًا من حديث عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله جل وعلا يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، فسمى فعل هؤلاء المصورين المجسمين ماذا؟ خلقًا، سماه خلقًا. فإذا سمى الشرع هذا العمل خلقًا، هل معناه أنه ينافي أو يعارض إفراد الله جل وعلا بالخلق؟ لا، لماذا؟ لأنه خلق تصوير وتكوين، ليس هو خلق إيجاد بعد عدم. فمثلًا: هذا الذي خلق التمثال بمعنى صوره، هل هو الذي خلق الحديد الذي صنع منه هذا التمثال؟ وهكذا هذا النجار الذي صنع هذا الباب أو صنع تمثالًا من الخشب، هل هو أوجد الخشب؟ أبدًا، وما أوجد شيئًا كان معدومًا وكان عدمًا، وإنما صور، أصل الشيء موجود، الطائرات والأبواب إلى آخر ذلك، أصل الشيء موجود، إما الحديد وإما الألومنيوم أو كذا إلى آخر ذلك، أو الطين أو خشب، كل هذا موجود أصلًا، مادتها موجودة، الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها، وإنما هذا صور، أخذ من الحديد أو من النحاس أو من الخشب أو كذا وفعل. فإذا هذا الخلق الذي أثبته الشرع للمخلوقين وسماه خلقًا لا ينافي إفراد الله جل وعلا بالخلق، لأن خلق الله جل وعلا إيجاد بعد عدم، أوجد السماوات بعد أن كانت عدمًا، وهكذا الأرضون، وهكذا البشر والجبال والبحار إلى آخر ذلك. وإفراده جل وعلا بالتدبير: قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، والأمر بمعنى التدبير، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾. فالله جل وعلا هو الذي دبر سبحانه وتعالى، دبر أمر خلقه من الرزق والإحياء والإماتة والإجارة، فالناس إنما هم بتدبير الله جل وعلا، أفعالهم بتدبير الله سبحانه وتعالى، وما يتحصن عليهم الرزق، وهكذا مماتهم ومحياهم، كل ذلك بتدبير الله جل وعلا، لا يشاركه جل وعلا أحد في هذا التدبير، لا أقطاب ولا أولياء ولا ملائكة ولا رسل أبدًا. والذين يدعون أن أقطابًا يدبرون مع الله جل وعلا، هؤلاء أشركوا في ربوبية الله جل وعلا، ولم يفردوا الله جل وعلا بربوبيته بأنه جل وعلا هو الواحد الأحد الذي يدبر، وإنما جعلوا معهم هؤلاء الأقطاب، القطب الذي في بلد كذا هو قائم بأمر هؤلاء، وهكذا، أو الذين يجعلون عليًا رضي الله تعالى عنه له التصرف، أو يجعلون الملائكة، أو يجعلون الأنبياء، كل ذلك شرك في ربوبية الله جل وعلا، لأنهم لم يفردوا الله جل وعلا بالتدبير، كأنهم يقولون: هناك من يدبر مع الله جل وعلا. الله جل وعلا في القرآن يبين أنه هو الذي يدبر الأمر، وهؤلاء يقولون: هناك مع الله من يدبر، إذن هذه معارضة ومحادة لما جاء في كتاب الله جل وعلا، الله ينفي وجود مدبر معه سبحانه وتعالى، وهؤلاء يثبتون مع الله جل وعلا مدبرين يدبرون، فقولهم هذا يعارض ما ثبت في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من بيان أن التدبير إنما هو لله جل وعلا وحده لا شريك له. البشر يدبرون ما مكنهم الله جل وعلا منه أن يدبروا، وهم يدبرون تصريف أموالهم وبناء بيوتهم، وهكذا سعات أعمارهم، ماذا يفعلون؟ يفعل خطة شهرية أسبوعية أنه سيفعل فيها كذا وكذا وكذا وكذا، هذا تدبير للبشر، مكنهم الله جل وعلا من أن يدبروا ما يصلح أمورهم في هذه الدنيا، لكن هذا التدبير إنما هو بتدبير الله جل وعلا وبأمر الله جل وعلا، ما يستطيع الإنسان أن يدبر استقلالًا، ما يستطيع أي مخلوق أن يدبر استقلالًا أبدًا، وإنما يدبر بتدبير الله جل وعلا له، فإن مكنه الله جل وعلا من فعل هذا التدبير حصل، وإن لم يمكنه لم يحصل، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فمثلًا: إذا أراد الإنسان مثلًا أن يسافر، يقول: «غدًا سأسافر إلى السعودية مثلًا، سأخرج في الساعة الفلانية صباحًا وأركب السيارة وأذهب إلى المطار وأصعد الطائرة وأذهب إلى السعودية وأذهب إلى الحرم وآتي بعمرة إلى آخر ذلك»، هذا يدبر الآن، هذا التدبير إنما هو بتوفيق الله وبمشيئة الله جل وعلا، قد يتحصل الإنسان على ذلك ويفعل ذلك، وقد لا يحصل الأمر، الله عز وجل ربما يخرج من بيته وتأتيه منيته، أو يصعد في السيارة فيفعل حادثًا، وهكذا، ما يستطيع، الأمر لله جل وعلا من قبل ومن بعد، والناس يدبرون ويخططون ويغفلون عن ربهم جل وعلا وعن خالقهم، يظنوا أن هذا لا بد سيحصل، لا، ما هو لا بد سيحصل، الأمر لله عز وجل، أنت تأخذ بالأسباب وتتوكل على الله جل وعلا، وحصول الأمر إنما هو بإذن الله جل وعلا وبمشيئة الله سبحانه وتعالى، وإلا فكم من الناس من قد دبر أمورًا ثم بعد ذلك لم يحصل على شيء منها. ويذكرون في هذا قصة صاحب جرة العسل، الذي كانت له جرة فيها عسل، جلس في بيته وعلق الجرة، جرة العسل، وعلقها وجلس، وجلس يدبر، يقول: «أبيع هذه الجرة بكذا وكذا من المال، ثم بعد ذلك أتزوج، ثم بعد ذلك أبني قصرًا، أشتري إبلًا، أشتري بقرًا، تكثر الأموال، وأفعل وأفعل وأفعل وأفعل، وأتزوج، يأتي الولد، نعم، ولا بد أن كذلك يسعى ويأتي بمال، وهكذا، ولا بد يأتي بمال، وإلا فالعصا، ورفع العصا وكسر الجرة، وانتهى كل شيء، انتهى كل شيء». فالتدبير إنما هو لله جل وعلا، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فهذا ما يتعلق بتوحيد الربوبية: إفراده جل وعلا بملكه وخلقه وتدبيره. وإفراده جل وعلا بألوهيته: معناه إفراد الرب جل وعلا بأفعال العباد، أن يفرد العباد أفعالهم لله جل وعلا، من دعاء، استغاثة، نذر، ذبح، توكل، محبة، خوف، تعظيم، رغبة، رهبة، خشية، إنابة، استعانة، استعاذة، كل عبادة، كل عبادة يجب أن يفرد العبد ربه جل وعلا بها في فعله، فلا يصرفها لغير الله جل وعلا. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة العبودية، وهذا تعريف للعبادة بالمفعول، العبادة تعريف من حيث للعبادة بفعل العبد وهو التعبد والتذلل والخضوع، إلى آخر ذلك، كما قال رحمه الله تعالى: «وعباد الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان بالأمر، قال الله، قال رسوله، لا بالهوى والنفس والشيطان». إن شاء الله تعالى نواصل في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اشتركوا في القناة.