عقيدة أهل السنة والجماعة 53

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ثمرات الإيمان بالقدر: التوكل على الله والطمأنينة

الإيمان بالقدر يدفع المؤمن إلى التوكل على الله وحده عند الأخذ بالأسباب، مدركاً أن السبب والمسبب بقضاء الله. كما يورث القلب طمأنينة وراحة نفسية لرضاه بما قدر الله، فيعيش أطيب عيش وأسعده.

أثر الإيمان بالقدر في صلاح القلب وطرد الإعجاب بالنفس

الإيمان بالقدر يصلح القلب فينصلح الجسد، ويمنح الرضا والصبر عند المصائب. كما يزيل الإعجاب بالنفس والكبر لأن العبد يعلم أن كل خير بيد الله لا بجهده فقط.

الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه

يختم الدرس بالدعاء بالصلاة والسلام والبركة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يؤكد هذا الدعاء تكريمهم وطلب الرحمة والرضوان لهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن ثمرات الإيمان بالقدر: أولاً: الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب؛ لأن السبب والمسبب كلاهما بقضاء الله وقدره. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في ختام هذه الرسالة شيئاً من ثمرات الإيمان بالقدر، فمما ذكر رحمه الله تعالى: أن الإيمان بالقدر يثمر الاعتماد على الله جل وعلا عند فعل الأسباب؛ لأن السبب الذي يفعله العبد، والمسبب الذي أراد حصوله، حصوله هو بقضاء الله جل وعلا وقدره. فلذلك يعتمد على الله؛ لأنه يعلم أن فعله للسبب إنما هو من باب الأخذ بالأسباب، وإلا فإنما يريد حصول أمره من عند الله جل وعلا. ولذلك حين يفعل السبب لا يوجد عنده التفات في قلبه، لا يوجد في قلبه التفات لهذا السبب واعتماد عليه، وإنما هو فعل للسبب فقط، وأما الاعتماد فهو على الله سبحانه وتعالى؛ لأنه آمن بالقدر، وعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما قدر الله جل وعلا أن يكون يكون. والأسباب إنما هي أسباب، قد يفعل السبب ويتأخر المسبب؛ لأنه بقدر الله جل وعلا. كم من الناس من يفعل الأسباب لحصول أمور، ومع هذا لا تحصل لهم تلك الأمور التي أرادوها؟ لماذا؟ لأن الأمر بقدر الله جل وعلا. فإذا قدر الله جل وعلا حصول ذلك حصل، وإذا لم يقدر الله جل وعلا ذلك لم يحصل، مهما فعل الإنسان من أسباب. فالعبد مطالب بفعل الأسباب لتحصيل مطلوبه ومصالحه، ثم بعد ذلك هذه المطالب وهذه المصالح قد تتحقق له وقد لا تتحقق؛ لماذا؟ لأن ورودها وحصولها إنما هو بقدر الله جل وعلا. من آمن بالقدر أيقن بهذا تماماً، من آمن بقدر الله جل وعلا أيقن بهذا تماماً: أن فعل السبب إنما هو من باب الأخذ بأسباب تحصيل المطالب، وأما حصول المطالب والمنافع إنما هي بأمر الله، بقدر الله، متى قدرها حصلت وكانت. فلذلك يكون الاعتماد منه على الله جل وعلا حين يفعل هذه الأسباب، ولا يوجد عنده التفات لهذه الأسباب، أو أن ما أراد حصوله بفعله لهذا السبب أنه سيحصل. الأمر موكول إلى رب العالمين جل وعلا، والاعتماد عليه سبحانه وتعالى؛ لأن السبب الذي يفعله العبد هو من خلق الله، وهكذا المسبب الذي أراد حصوله هو بقضاء الله وقدره، من خلق الله. الإنسان إذا أراد المال، فالسبب هو العمل؛ يعمل لأجل حصول المال، يأكل ويشرب ويلبس. فالعمل سبب لحصول المال، العمل والمال بقضاء الله جل وعلا وقدره، ومن خلق الله جل وعلا. خلق الله جل وعلا عمل هذا العبد وهو فعله للسبب، وخلق الله جل وعلا ذلك المال الذي أراد أن يحصله ليأكل منه ويشرب منه ويلبس منه. فالسبب والمسبب بقضاء الله جل وعلا وقدره. من أراد الولد تزوج، فعل السبب لتحصيل الولد. شخص يريد أولاداً، يفعل السبب، ما هو السبب لتحصيل الأولاد؟ السبب هو الزواج. ففعله للزواج سبب لتحصيل الأولاد، أما حصول الأولاد فهذا بقدر الله. قد يتزوج ولا ينجب له أولاد، فيتأخر المسبب؛ لأنه بقضاء الله جل وعلا وقدره. متى ما قضاه وقدره حصل، وإلا لم يحصل. فإذا هو حين يتزوج يفعل السبب لتحصيل الأولاد يعتمد على الله. من آمن بالقدر اعتمد على الله؛ لأنه علم أن الزواج إنما هو سبب، وأما حصول الأولاد فهذا بقدر الله جل وعلا. نعم، فإذا الاعتماد على الله؛ لأن الذي أراد حصوله هو بقدر الله جل وعلا، والسبب إنما هو من باب الأخذ بالأسباب؛ لأن الله جل وعلا أمر بذلك، أمر بأخذ الأسباب لحصول المطالب التي يريدها العباد. فالذي يؤمن بالقدر لا يلتفت إلى الأسباب، ولا يعتمد على الأسباب، ولا يوجد في قلبه التفاتة إلى هذه الأسباب. كل هذا من ثمرات الإيمان بالقدر؛ فإنه يثمر الاعتماد على الله جل وعلا؛ لأن العبد علم أن فعله للسبب، والمسبب الذي سيحصل بفعله لهذا السبب، كلاهما بقضاء الله جل وعلا وقدره. السبب والمسبب خلق، ومن خلق الله جل وعلا. قال: ثانياً: راحة النفس وطمأنينة القلب؛ لأنهما يعلمان أن ذلك بقضاء الله تعالى، وأن المكروه كائن لا محالة. ارتاحت النفس، واطمأن القلب، ورضي بقضاء الرب. فلا أحد أطيب عيشاً وأريح نفساً وأقوى طمأنينة ممن آمن بالقدر. وهذا من ثمرات الإيمان بالقدر: طمأنينة القلب وراحة النفس. فالذي آمن بالقدر هو أطيب الناس عيشاً، وأهناء الناس عيشاً، وأسعد الناس في هذه الدنيا. لماذا؟ أنه إذا حصل له مكروه، علم أن هذا بقضاء الله جل وعلا وقدره، وأن هذا لا يفوته، لا محالة حاصل. حاصل ماذا منه؟ وقعت مصيبة، حصلت به. نعم، ابتلاء حصل، فهذا بقدر الله، وهو كائن لا محالة. فإذا يطمئن قلبه، ولا يتأسى، ولا يحزن على فوات محبوب. كل هذا يثمره الإيمان بالقدر. وأعظم هذه الثمار: طمأنينة القلب؛ لأن القلب إذا طمأن اطمأنت الجوارح. القلب إذا طمأن اطمأنت الجوارح. النبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». فهذه المضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وصلاح هذه المضغة، ألا وهي القلب، من ذلك إيمان العبد بالقدر. تصلح نفسه ويصلح قلبه بإيمانه بالقدر. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾. قال علقمة رحمة الله تعالى عليه: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. فسر هذه الآية بهذا التفسير: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾، معناه: أنه إذا نزلت به بلية أو مصيبة، علم أنها بقضاء الله، فصبر على ذلك، فاهتدى قلبه واطمأنت نفسه، فاهتدت بعد ذلك جوارحه، فصارت جوارحه في سعادة، فصار سعيداً لأن قلبه سَعِدَ بإيمانه بقدر الله جل وعلا. وهكذا لا يتأسى بما فات، وكذلك لا يكون مهموماً مغموماً. كثير ممن يصاب بالهم والغم، بسبب ضعف الإيمان بالقدر. سبب الضعف في هذا الباب: من ضعف إيمانه بالقدر، فإنه أكثر الناس هماً، وأكثر الناس غماً. كما أن من آمن بقدر الله جل وعلا أسعد الناس حياة وأطيبهم عيشاً، كذلك من ضعف إيمانه بالقدر، فإنه بحسب ضعفه في هذا الباب يكون الهم والغم والحزن والأسى، بسبب ضعف إيمانه بقدر الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ثالثاً: طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد؛ لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير والنجاح، فيشكر الله تعالى على ذلك، ويدفع الإعجاب. الإيمان بالقدر يمنع العبد من الكبر. فمن آمن بالقدر طرد الإعجاب بنفسه؛ لأن ما حصل على يديه إنما هو بقضاء الله وقدره. من آمن بالقدر علم يقيناً أن ما حصل له وعلى يديه من أمور إنما هي بقضاء الله جل وعلا وقدره، ليست من عند نفسه. فهذا يطرد الإعجاب بالنفس. وما يقع من الناس في الإعجاب بالنفس والكبر والخيلاء إلا بسبب ضعف الإيمان بالقدر. من الذي دفعهم يختالون؟ ومن الذي دفعهم يعجبون بأنفسهم؟ ومن الذي دفعهم يتكبرون؟ دفعهم ذلك ضعف إيمانهم بالقدر. ظنوا أن حصول هذه الأشياء على يديهم إنما هو بسبب ذكائهم، أو بسبب مهارتهم، أو بسبب خبرتهم، أو بسبب جهدهم الذي بدلوه، وغير ذلك. إذن هنا التفات ونظر، هنا التفات ونظر إلى غير الله جل وعلا، وإلى أسباب. مهارة العبد سبب في حصول، مثلاً، ماذا؟ في حصول النجاة، في حصول النجاة من الهلكة مثلاً. قائد سفينة في البحر، رجل ماهر، فاستغل هذه المهارة في نجاة أصحاب السفينة. هذا سبب من الأسباب. نعم، وما يحصل من النجاة إنما هي بقدر الله جل وعلا. وإلا مهما بلغت مهارة الإنسان وذكاء الإنسان، ومهما بدل من جهود، إذا لم يقدر الله جل وعلا حصول ذلك لم يحصل. فلا تنفع المهارة، ولا ينفع الذكاء. نعم، لكن ذلك بقدر الله سبحانه وتعالى. فمن الناس من يلتفت لهذه الأسباب، يلتفت لهذه الأسباب، فيلتفت لمهارته. فإذا حصلت النجاة مثلاً له، سواء كان قائداً لسفينة، أو قائداً لطائرة، أو قائداً لسيارة، نعم، حصل منه التفات لهذا السبب، وكأنه يظن أن مهارته التي اكتسبها لها دخل، أو هي مما كان حصل لأجله. هذا مع الغفلة عن المسبب، وهو رب العالمين جل وعلا. فهذه الالتفاتات إنما تحصل من ضعاف الإيمان بالقدر، ممن ضعف إيمانهم بالقدر. ويشابهون في هذا قارون، الذي قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾. فجعل العلم الذي هو سبب من الأسباب التي تحصل بها على ما قدر الله جل وعلا، ولكنه سبب فقط، يفعل ولا يلتفت إليه، وأن له مشاركة في حصول ما حصل من خير، أو دفع ما دفع من شر. فهذه الالتفاتات إنما تحصل بسبب الضعف في الإيمان بقدر الله جل وعلا. وإن لمن عظم إيمانه بالقدر فإنه لا يلتفت إلى هذه الأسباب، مهما حصل على يديه من مصالح للناس، من نجاتهم من هلكة، أو من إرشادهم إلى أمور خير، وحصلت على يديه. نعم، لا يلتفت قلبه إلى هذه الأسباب التي امتنّ الله جل وعلا بها عليه حين فعلها، فحصل قضاء الله جل وعلا وقدره الذي كان فيه الخير للناس. فحصول هذا الالتفات من القلب إلى هذه الأسباب، هذا من ضعف الإيمان بالقدر. وإن لمن قوي إيمانه بقدر الله جل وعلا، فإنه إنما يعتمد على الله جل وعلا. فإذا حصلت له نعمة قال: هذا بفضل الله وبرحمته. وإذا قيل له: يا شخص، ما شاء الله مهارتك، يعني جعلت جعلتنا ننجو، يقول: لا، لا، إنما هو فضل الله جل وعلا علينا وعليكم. فضل الله جل وعلا الذي تفضل به حيث نجانا من هذه الهلكة، وما فعلنا إلا سبباً من الأسباب التي أمرنا بفعلها، بالسير في طريق آمن، أو بالتريث في الأمور والتفكير الصحيح، الذي يكون معه أن ننجو إلى بر السلامة. فإذا لا يلتفت الإنسان إلى الأسباب إلا بسبب ضعف الإيمان بالقدر. فمن آمن بالقدر طرد العجب من نفسه، وطرد الكبر من نفسه. نعم، فلا يتكبر على أحد، ولا يعجب بنفسه؛ لأن ما يحصل إنما هو بقضاء الله جل وعلا وقدرته، ليس بمهارته، ولا كذلك بذكائه، ولا بعلمه، ولا بجهده الذي بدله. فكل ذلك إنما هي أسباب أمر بها الشرع، ومما يحصل تبعاً لها إنما هو فضل من الله جل وعلا وحده. وجب أن يشكر الرب جل وعلا على ذلك، ولا يلتفت القلب إلى الأسباب، بل يلتفت إلى المسبب، وهو الرب سبحانه وتعالى، الذي خلق السبب والمسبب. قال رحمه الله تعالى: رابعاً: طرد القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه؛ لأن ذلك بقضاء الله تعالى، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو كائن لا محالة، فيصبر على ذلك ويحتسب الأجر. هذا من ثمرات الإيمان بالقدر: أن فيه طرداً للقلق والضجر. فمن آمن بالقدر هو أبعد الناس عن القلق، وأبعد الناس عن الضجر. فما يوقع كثيراً من الناس في القلق وفي الضجر إلا ضعف الإيمان بالقدر. لما ضعف إيمانهم بقدر الله جل وعلا، حصل لهم القلق، وحصل لهم الضجر. بخلاف من آمن بالقدر، فهو على طمأنينة، وعلى راحة، وعلى سعادة. إن جاءت النعم، وأمتن الله جل وعلا عليه بالنعم، شكر الله عز وجل. وإن أصابته المصائب والابتلاءات، صبر. وذلك الإيمان بالقدر. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث صهيب رضي الله عنه: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ». فالمؤمن شاكر عند السراء، صابر عند الضراء، لأنه مؤمن، آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. فأثمر هذا الإيمان هذه الثمار العظيمة. وهذا أبعد الناس عن الحزن، لا يحزن إذا فات محبوب، علم أن ذلك بقضاء الله عز وجل، فقال: الحمد لله، ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾. فالشيطان حريص على حزن ابن آدم. إنما النجوى من الشيطان لحزن الذين آمنوا، وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله. الشيطان حريص على حزن ابن آدم، ومن حرصه على حزن ابن آدم أنه يفتح عليه باب «لو». أنه يفتح عليه باب «لو». فإذا فاته مثلاً أمر، نعم، قال: لو فعلت كذا لحصل كذا وكذا، لو ليتني فعلت كذا وكذا، وسارعت وسابقت لحصلت على كذا وكذا. فتح الشيطان عليه هذا الباب، وهذه النافذة، ليحزنه. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح حديث أبي هريرة: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». فإن «لو» تفتح عمل الشيطان. فالذي يؤمن بالقدر يغلق على نفسه هذه الأبواب، ويسد على الشيطان الرجيم اللعين هذه الأبواب، فلا يأتيه من هذه المنافذ؛ لأنه قد آمن بالقدر. فإذا فاته شيء ما قال: لو، لو، لو فعلت، ولو، لو، وليتني تقدمت خمس دقائق، قد حصلت على هذا. ولو تقدمت الخطوبة، ما سبقني فلان، خطب ابنة فلان، وأنا تأخرت يوماً واحداً فقط. هذا كلهم من باب «لو» التي تفتح عمل الشيطان. لكن عنده إيمان بالقدر، يقول: خلاص، دام حصل كذا، هذا قضاء الله وقدره، مهما فعلت، هذا قضاء الله، وهذه قسمة الله، ولا محالة أن ذلك كائن. وهذا الإيمان بالقدر يثمر الشجاعة. الإنسان يعلم أن الموت قد قدر عليه، ولابد أن يموت. فلذاك لا يمنعه ذلك، مثلاً، من الخروج في الجهاد في سبيل الله، وإنما يخرج في سبيل الله. لكن الذي ضعف إيمانه بالقدر ربما يتأخر عن الجهاد، لا يخرج في الجهاد في سبيل الله، جهاد الشرعي، لماذا؟ لأنه يخاف أن يموت. لكن من آمن بالقدر يعلم أن يومه قد كتب عليه، فلا يمنعه ذلك من الخروج في سبيل الله، وفي الجهاد في سبيل الله. لماذا؟ لأنه يعلم أن الله جل وعلا قد قال: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾. أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة. أينما تكون يدرككم الموت، فالله جل وعلا قد كتب الموت. لو بنى الإنسان بروجاً مشيدة، وشيدها، ودخل فيها، أدركه الموت. فهذه بعض الثمار التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في ختام هذه العقيدة المباركة. وختم ذلك بقول الله جل وعلا: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾. قال: فنسأل الله تعالى أن يثبتنا على هذه العقيدة، وينفعنا بثمراتها، ويزيدنا من فضله، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب. والحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان. تمت بقلم مؤلفها محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وصحبه وسلم وبارك على نبينا محمد، صحبه وسلم. الله وسلم وصحبه وسلم وبارك على نبينا محمد، صحبه وسلم.