الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 182، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث كعب بن عجرة في فضل الذكر، وبين صحة الحديث ورجاله الثقات. الحديث روي موقوفا ومرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
شرح معنى الحديث النبوي حول المعقبات وهي كلمات الذكر، وبين دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا يخيب قائلهن. يوضح معاني هذه الكلمات العظيمة.
شرح معاني كلمات الأذكار بعد الصلاة مثل التسبيح والحمد والتكبير، وبين أهمية هذه الأذكار والحفاظ عليها لنيل الأجر العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: قال: حدثنا أحمد بن يونس، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: به الإمام أحمد رحمه الله، شيخ الإسلام، قال: حدثنا زهير وابن معاوية، أبو خيثمة مالكوفي -وهو ثقة- وثقه جماعة من الحفاظ كأبي حاتم وابن معين والنسائي، إلا في روايته عن أبي إسحاق السبيعي، فيها ضعف؛ لأنه روى عنه أو سمع منه بعد الاختلاط. قال: حدثنا منصور -وهو ابن زاذان الواسطي، أبو المغيرة- وهو أيضا كذلك ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم وغيرهم، وكان رجلا عابدا كثير الصلاة والقراءة، حتى قاله شعيب أحد تلامذته: لو قيل لمنصور بن زاذان إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل؛ لشدة عبادته. وذكر عنه أنه كان يصلي الفجر، ثم يجلس يسبح حتى تطلع الشمس، ثم يصلي إلى الظهر، وهكذا يصلي من الظهر إلى العصر، وهكذا أيضا من المغرب إلى العشاء، ثم يحدثهم بعد العشاء، وهكذا أيضا كان يقرأ القرآن. قال: عن الحكم -وهو الحكم بن عتيبة الكندي- وهو أيضا كذلك ثقة، وثقه ابن مهدي والنسائي وأبو حاتم وابن معين، قال: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى -وعبد الرحمن بن أبي ليلى من كبار التابعين- وهو أيضا كذلك وثقه جمع من الحفاظ، وقال فيه أحد السلف: ما كنت أظن أن النساء تلد مثله. قال: عن كعب بن عجرة -وهو كعب بن عجرة الأنصاري، صحابي جليل- وهو الذي نزلت فيه آية الفدية في الحج، قال: «معقبات لا يخيب قائلهن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، مئة مرة». قال: رفعه ابن أبي أنيسة، وعمر بن قيس. الحديث صحيح، وقد رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فاروي هذا الحديث موقوفا من قول كعب بن عجرة، واروي مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وإمام مسلم رحمه الله ساق بعض الطرق في رواية هذا الحديث مرفوعا، وأشار إلى نحو ذلك الشيخ الألباني رحمه الله في تعليقه، فلا يضر مجيء هذا الحديث من هذه الطريق موقوفا على كعب بن عجرة؛ فإنه قد ثبت عنه كذلك مرفوعا من طريق أخرى أو طرق أخرى. وقوله: «معقبات لا يخيب قائلهن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» ومعنى معقبات: أي يؤتى بها عقب الصلوات، كما جاء في رواية الإمام مسلم: «معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة، دبر كل صلاة». وعلى رواية الإطلاق، فإن المراد تكرار هذا الدعاء بأن يأتي به الإنسان مرة بعد مرة، فيتعاقب ذكره لهذا الدعاء. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يعني: الملائكة يعقب بعضها بعضا. وقوله: «لا يخيب قائلهن»: أي من قال هذه الكلمات وأتى بهذا الدعاء، فإنه لا يخيب، أي: لا يكون له الخسران والخيبة التي هي معنى الخيبة. ومعنى ذلك: أن من أتى بها فإن له الفلاح، وله كذلك أيضا الفوز. وهذه المعقبات هي هذه الكلمات العظيمة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، مئة مرة. وسبحان الله -قال أهل العلم- هو مصدر من التسبيح، وهو بمعنى التنزيه، بمعنى الإبعاد عن السوء. فسبحان الله: أي أنزه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص، وعن كل سوء، وعن كل عيب، وعن كل نقص في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه. فتنزه الله سبحانه وتعالى أن يوصف جل وعلا بالنقص، ومن ذلك ادعاء الكافرين له الولد والصاحبة، وكذلك الشريك أو غير ذلك، وكل ذلك من النقص الذي ينزه عنه الله سبحانه وتعالى. وهكذا الحمد لله، الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. فالله جل وعلا موصوف بصفات الكمال، وجميع المحامد لله عز وجل. وفي الحمد للإثبات والإطلاق، فجميع وكل المحامد هي لله سبحانه وتعالى. واللام في رب الجلالة للاختصاص أو كذلك الاستحقاق، أي: أن الحمد يستحقه الله عز وجل أو يختص به الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يحمد لكماله ولفضل إنعامه، فالله جل وعلا كامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله. وهكذا أيضا يحمد جل وعلا لفضل إنعامه، فإن نعم الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى. ومهما أراد الإنسان أن يشكر نعم الله عز وجل وأن يقابل تلك النعم بالشكر والحمد، ما استطاع أن يوفي ذلك. لكن يأتي بهذا الشكر ومقابلة هذا الإنعام بما يستطيع. فقولك الحمد لله -كما قلنا- بمعنى وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. وهذا القيد لإخراج المدح؛ لأن المدح قد يكون فيه ثناء، لكن لا يكون مع محبة وتعظيم. فالإنسان قد يمدح إنسانا وهو لا يحبه، لكن لمصلحة كما يفعل بعض الشعراء الذين كانوا يمدحون ملوكهم لأجل مصالح وأغراض دنيوية، وهو يمدحه ربما يكرهه، فهذا يسمى مدحا لا يسمى حمدا؛ أنك تثني على شخص من غير محبة. بخلاف الحمد، فإنه لا يكون حمدا إلا مع المحبة والتعظيم. قال: «ولا إله إلا الله»، وهذه الكلمة الثالثة، وهي كلمة التوحيد. لا إله: نفي لجميع الآلهة. وإلا الله: إثبات الألوهية لله سبحانه وتعالى وحده. ومعنى ذلك: أنه لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. وهذه الكلمة العظيمة هي التي بها يدخل المرء في دين الإسلام إذا أتى بها صادقا مخلصا من قلبه، ثم أتى كذلك بمكملات التوحيد من الواجبات والفرائض التي فرضها الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا بها يعصم دم المرء، وهكذا يعصم ماله وعرضه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». وهي كذلك أيضا التي إذا أتى بها المرء في آخر رمق من حياته كانت سببا في دخوله الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». وهذا لا يوفق له إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى، وثبته على نطق هذه الكلمة العظيمة عند الموت. قال: «والله أكبر»، وهذه الكلمة الرابعة في هذا الدعاء. الله أكبر: أي أكبر من كل شيء. فالله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء. قوله: «مئة مرة»، يعني: يأتي بهذه الكلمات مئة مرة، يكررها مئة مرة. وهذه الرواية كما هي عندنا رواية مطلقة في إتيان الإنسان بهذا الذكر من غير تقييد بالصلاة. وقد جاء في رواية الإمام مسلم -كما سمعنا- تقييدها بعد الصلوات: «لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة». فيدل ذلك على جواز الإتيان بها مطلقا -يعني من غير تقييد بعد الصلاة- يجلس الإنسان يذكر الله سبحانه وتعالى، فيأتي بهذا الذكر: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يكررها مئة مرة. أو كذلك يأتي بها بعد الصلاة، فإن هذا من الأذكار المستحبة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام بعد الصلاة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، مئة مرة. وجاء في بعض الأحاديث حديث أنه يقول: سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، والله أكبر أربعا وثلاثين مرة. وجاء في بعضها: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين، وتمام المئة: لا إله إلا الله. وكل ذلك ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فينبغي علينا أن نحرص على هذا الذكر العظيم، وكذلك أيضا أن نذكر الله عز وجل به؛ حتى ننال هذا الأجر العظيم، سواء كان بعد الصلوات أو كان كذلك في غير أدبار الصلوات.