الدرس في كتاب المعاملات 9، ألقاها
النجش هو الإثارة والمخادعة في البيع، وهو محرم بإجماع العلماء لأنه مخادعة للمسلمين. يظهر في صور متعددة مثل المزاد والصفقات الوهمية.
النجش محرم في البيع ويعطي المشتري خيارًا بين إمضاء البيع أو رده عند الغبن الفاحش. الإقالة في البيع مشروعة وتحث عليها السنة النبوية.
عقد المرابحة جائز إذا استوفى الشروط مثل معرفة الثمن والربح ورضا المتعاقدين. يشمل صورًا أخرى للبيع مثل بيع المواضعة وبيع المساواة.
الدرس ينتهي بتسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه، مع تعظيم الله تعالى والإقرار بعلمه الأعلى. يشير إلى أهمية الإقرار بعظمة الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الثامن من البيوع المنهي عنها النجش، ومعنى النجش في اللغة هو بمعنى الإثارة، ومنه يقال: استثير الطير. وقيل: إنه النجش من الختل، أي من الخديعة، ولذلك يسمى الصياد بأنه ختال؛ لأنه يخدع الصيد. وقيل: إن معناه الإطراء والمدح. والظاهر أن المعاني كلها متقاربة، وكلها تنصب في مصب واحد، وهو أن حقيقة النجش الإثارة والمخادعة بمدح السلعة والإطراء بها، حتى يغتر المشتري بذلك الإطراء فيدفع ثمنًا فوق ما تستحقه. وقيل: حقيقته ومعناه في الشرع هو أن يزيد شخص في ثمن السلعة المعروضة للبيع، ولا يريد شراءها، وإنما ليغر غيرهم بها، ويرغبهم فيها، ويرفع سعرها. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش، والحديث متفق عليه. وهو كما ذكر: أن يحصل فيه تغرير بالمشتري. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى للنجش صورًا. منها الصورة المشهورة، وهي أن يأتي مشتر إلى بائع ليشتري السلعة المعينة، فيأتي رجل ثالث، ويقول: بكم السلعة؟ أو كم تساوي السلعة؟ أو يكون مجموعة ممن دخلوا من أصحاب المزاد، فيقول أحدهم: بكم السلعة؟ أو نبدأ المزاد. فيكون واحد أو اثنان أو ثلاثة مشترين، والباقين إنما جاءوا لأجل رفع السلعة. يعني السلعة معروضة في المزاد، يعني المزاد: من يزيد، من يزيد. فيأتي مثلاً على سبيل المثال في سمك، أو في سيارات، أو في أرض، أو مثلاً في مصنع على مستوى الشركات، أو شركة، أو غير ذلك. فيقولون: غدًا اجتماع، أو سنبيع السلعة الفلانية مزادًا. يأتي المشترون، ويأتي من غير المشترين، غير المشترين هؤلاء أصحاب النجش الذين يرفعون الأسعار. بكم السلعة؟ السلعة مثلاً يبدأ الأول يقول: بمئة ألف. يأتي صاحب النجش يقول: وعشرة، هو ما يريد يشتري، لكن يريد أن يرفع السلعة. فيأتي أخوه فيقول: وخمسة عشر، وعشرين، وهكذا. يرى أن السعر سيتوقف، يقول: وخمسة وعشرين. من هذا النجش؟ لأجل أن ترتفع السلعة. هذه صورة من صور النجش. ومن صور النجش أيضًا أن يبدأ البائع بسعر ما، بحيث أنه يغر الحاضرين، يقول لهم: بسم الله نبدأ هذه السلعة بمئة ألف. وما في أحد قد دفع له هذا المبلغ، لكن من أجل أن يرفع السعر في السلعة. ومنها أيضًا أن يكون البائع يدخل على أنه أحد المشترين، يدخل البائع على أنه أحد المشترين، فيدخل مع المشترين: بكام؟ بمئة ألف. يقول: وخمسة، وهو بائع، هو صاحب السلعة، لكن يقول: وخمسة، وعشر، وخمسة وعشرين. يتوقف، يقول: وخمسة وعشرين، وهو صاحب السلعة، لأجل أن ترتفع السلعة. هذا أيضًا من النجش المنهي عنه. أو كذلك من النجش المنهي عنه أن يقول البائع كذبًا وزورًا وتغريرًا بالمشترين: هذه السلعة عليها مئة ألف، عليها مئة ألف، من يزيد؟ وفي الحقيقة ما أحد دفع هذا المبلغ. ما أحد دفع هذا المبلغ. يقول: عليها، وفي الحقيقة ما دفع أحد هذا المبلغ. هذا كذلك من النجش. وكذلك مما ذكر، والشيء بالشيء يذكر، ما يحصل في وسائل الإعلام من الإطراء والتغرير بالمشترين في بعض السلع. يأتي إلى السلع، يقول: أفخم أنواع كذا وكذا من السلع، وهي من النوع الفخم، وهي من النوع الممتاز، وإلى غير ذلك، بحيث أنه يرفع فوق ما تستحقه من الثمن، فوق ما تستحقه من الثمن، بسبب ما هذا؟ بسبب الإطراء والمدح لتلك السلع بواسطة وسائل الإعلام. هذا كذلك نوع من النجش. والنجش محرم بإجماع العلماء، لا خلاف في تحريم النجش؛ لأنه مخادعة للمسلمين. وحكم النجش من حيث صحة البيع وعدمه، بمعنى إذا حصل بيع، وحصل فيه نجش، ثم ظهر للمشتري أنه قد كان فيه النجش، أي من كان يرفع السعر، ويثير في رفع السعر، فما حكم هذا البيع؟ هل يكون صحيحًا أو يكون فاسدًا؟ واضح المسألة أم لا؟ قلنا: من حيث حكمها من حيث الحلال والحرام هي محرمة، ومن حيث صحة البيع وعدمه، أي من حيث الصحة والفساد، هل البيع صحيح أم يكون فاسدًا؟ قلنا: لأهل العلم في هذه المسألة أقوال، وأقربها وأظهرها - والله أعلى وأعلم - ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو أنه إذا كان الإغراء أو في السلعة بثمن مبالغ فيه، فللمشتري الخيار، يثبت للمشتري الخيار. بمعنى إن شاء أمضى، وإن شاء رد. يكون حكم كحكم غيره من البيوع التي فيها إغراء وإضرار بأحد المتبايعين، كتلقي الركبان، وكذلك بيع المصراه، وما شابه ذلك من البيوع الفاسدة. فإذا ظهر له الأمر، فهو بالخيار. إن كان غبن ذلك المشتري غبنًا فاحشًا، هو بالخيار. إن شاء أمضى البيعة، يقول: أنا راض. وإن شاء ردها، وله الرد. فيكون الخيار للمشتري؛ لأن الإغراء والإضرار وقع عليه وبه. وأما إذا كان يسيرًا، غبنًا يسيرًا، قالوا: فيعفى عنه، كمسألة المصرات ونحوها. والله أعلى وأعلم. المسألة السابعة: الإقالة في البيع. الإقالة رفع العقد الذي وقع بين المتعاقدين، وفسخه برضاهما، وتحصل بسبب ندم أحد العاقدين على العقد، أو يتبين للمشتري أنه ليس محتاجًا للسلعة، أو لم يستطع دفع ثمنها، فيرجع كل من البائع والمشتري بما كان له من غير زيادة ولا نقص. والإقالة مشروعة، وحث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أقال مسلمًا بيعته، أقال الله عثرته يوم القيامة». والحديث رواه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح. مسألة الإقالة مر معنا أن عقد البيع من العقود اللازمة لكل الطرفين. بمعنى أنه إذا تم البيع وتفرق المتبايعان، فإن البيع قد تم، ويلزم كل واحد منهما أن يأخذ ما ابتاعه. بمعنى أن المشتري يتملك السلعة، والبائع يتملك الثمن. فيكون للمشتري أن يفعل بتلك السلعة ما شاء؛ لأنه في ملكه. وللبائع أن يفعل بذلك الثمن ما شاء؛ لأنه في ملكه. لكن تأتي هنا مسألة، وهي لو أنهما تفرقا. رجل مثلاً اشترى من إنسان دارًا، نظر في البيت، أعجبه البيت، ثمن البيت، تم العقد، تبايعا، تفرقا بعد يوم أو يومين، ندم، يقول: أنا تسرعت في شراء هذا البيت، أنا أحتاج إلى هذا المبلغ. أنا من بدأ ماذا؟ يندم ندمًا على ذلك البيع. الآن هل للبائع هل له أن يرجع في البيع؟ وهل للبائع أن يرد له البيع؟ الجواب: أما بالنسبة للإقالة، يعني بالنسبة لطلب أحد المتبايعين بأن يرد البيع، بهذا اعتبار مشروع، أي له أن يقول المشتري أو البائع، يعني يقول المشتري أو يقول البائع: أحدهما ندم، إما البائع وإما المشتري، يا أخي أنا ندمت في بيعتي، أقلني، أقلني. له ذلك مشروع. لكن هل يلزم الآخر؟ هل يلزم الآخر أن يرد البيع ويحل عقد البيع؟ الجواب: ما هو الجواب؟ ليس واجبًا عليه؛ لماذا؟ ليس واجبًا عليه؛ لأن عقد البيع من العقود الملزمة لكلا الطرفين. ومعنى ملزمة لكلا الطرفين: أن كل واحد منهما يصير مالكًا لمبتاعه. إذن مسألة الإقالة كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: بابها الإحسان، باب الإقالة، أو مسألة الإقالة بابها الإحسان والتفضل، هو من باب الإحسان والتفضل، يعني من باب التفضل والتكرم للآخر، أن يسخى البيع. وإن أبى فالبيع ماض. إن أبى فالبيع ماض، ولا يلزم بشيء، ولا يلزم بشيء. لكن من باب الفضل، من باب الإحسان، من باب الإكرام، فيستحب أن يسخى الطرف الآخر أيضًا البيع. طلب منهم الطرف الأول. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على ذلك حثًا عظيمًا، فقال: «من أقال مسلمًا بيعته، أقال الله عثرته يوم القيامة». يعني انظر إلى فضل وعلى ثواب وعلى خير عظيم لمن امتثل وعمل بهذه الفضيلة وبهذا الأمر وبهذا الخير. من حيث الإلزام لا يلزم، لكن من حيث الإحسان والفضل قد رتب عليها شرعًا ثوابًا عظيمًا. فنعلم من هذا أن الإقالة مشروعة، وليست بملزمة للطرف الآخر، ولكن من باب إيش؟ من باب الإحسان والإكرام والفضل. ومن فعلها نال الأجر والثواب من الله رب العالمين جل وعلا. المسألة الثامنة: عقد المرابحة. المرابحة بيع أو بيع السلعة بثمنها المعلوم بين المتعاقدين بربح معلوم بينهما. مثالها: يقول صاحب السلعة: رأس مالي فيها مئة ريال، أبيعك إياها بالمئة وربح عشرة ريالات. فالبيع على هذه الصورة صحيح؛ إذا علم البائع والمشتري مقدار الثمن ومقدار الربح. قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وقال جل شأنه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. والمرابحة بيع تحقق فيه رضا المتعاقدين، والحاجة ماسة إلى جوازه؛ لأن بعض الناس لا يحسن الشراء ابتداء، فيعتمد على غيره في الشراء، ويزيده ربحًا محدودًا معلومًا بينهما. طيب هذه المسألة كذلك من المسائل التي تذكر في أبواب البيوع، وهي مسألة المرابحة. المرابحة صورتها كما ذكر، وكما علل. صورتها أن يشتري إنسان سلعة، مثلاً يشتري أرضًا أو يشتري دارًا أو يشتري سيارة أو يشتري غير ذلك من السلعة، يشتريها بثمن معلوم، مثلاً كما ذكر بمئة ريال. فهذا الرجل تاجر، تاجر موثوق، ثقة وأمين. فيأتي بعض الناس الذي ليس عنده خبرة في البيع والشراء، يأتي إليه بعض الناس الذي ليس عندهم خبرة في البيع والشراء، يقول له: أريد مثلاً دارًا. يقول: عندي هذه الدار، هذه الدار، انظرها. نظر الدار أعجبته. بكم؟ يقول: أنا اشتريتها مثلاً بمئة ألف، وأريد ربحها عشرة آلاف. ما حكم هذا البيع؟ البيع جائز، واضح البيع جائز؛ لأنه عرف المبيع، وعرف ثمنه، وكان البيع عن تراضي. وهذا كما هو واضح وظاهر معلوم ومستوفي الشروط، بيع مستوفي الشروط، فهو صحيح. والشيء بالشيء يذكر، هناك مسألة أخرى كذلك يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي بيع المواضعة. يعني عندنا الآن بيع المرابحة، في مقابلها يذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسألة أخرى، وهي مسألة بيع المواضعة. يعني مثلاً رجل يشتري مثلاً سيارة بعشرين ألفًا سعوديًا، فيحتاج إلى المال، وما عنده من يدفع له مال، فيقول: يأتي إلى إنسان، فيقول: هذه السيارة اشتريتها بعشرين ألفًا سعوديًا، وهذا الثمن أمامه، سأبيعها لك بتسعة عشر ألفًا وخمسمائة ريال. الآن ربح أو وضع؟ وضع. جماعة ما حكم هذا البيع؟ هيا جماعة ما حكم هذا البيع؟ هذا كذلك جائز؛ لاستيفاء الشروط، لاستيفاء الشروط، فيه المتبايعان تراضي، الثمن معلوم، المبيع كذلك معلوم. إذن استوفت الشروط. وهناك أيضًا مسألة ثالثة أو صورة ثالثة، وهي ما يسمونها ببيع المساواة. مرابحة ومواضعة وبينهما مساواة. المساواة: يأتي الرجل، يقول: اشتريت هذه السيارة بعشرين ألفًا، وسأبيعها بعشرين ألفًا، ما أريد منك ربحًا، خذها بعشرين ألفًا كما اشتريتها. ما حكم هذا البيع؟ كذلك من البيوع الصحيحة الجائزة. والناس محتاجون، البائع أحيانًا يحتاج إلى مال، أحيانًا يبيع بربح، وأحيانًا يبيعها بثمنها، وأحيانًا ربما نزل فباعها بدون ثمنها. وكذلك المشتري، بعض الناس عنده خبرة بالتجارة والبيع والشراء، فيحتاج إلى التاجر الأمين، يرجع إلى التاجر الأمين: يا أخي أريد منك سيارة، أريد منك دارًا، أريد منك أرضًا. فيقول له: نعم، أنا قد اشتريت هذه الأرض بكذا، وأبيعها لك بربح كذا. هذه مرابحة جائزة. اشتريتها كذا، وسأخفض لك مبلغ كذا وكذا. هذه مواضعة جائزة. اشتريتها بكذا، وأبيعها لك بثمنها، هنيئًا لك. هذا كذلك جائز. والصور كلها جائزة، وكلها من البيوع التي قد استوفت الشروط. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.