التعليق على تقريب التدمرية 30

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 30، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

وجوب الإيمان بصفات الله ونهي السؤال عن كيفيتها

يؤكد المقطع وجوب الإيمان بصفات الله كاستوائه على العرش كما جاءت في الكتاب والسنة دون تكييف أو تمثيل، محذراً من السؤال عن كيفيتها بدعة وتنطع. ويستدل بغضب الإمام مالك على من سأله عن كيفية الاستواء، مبيناً أن الغلو في الدين أهلك الأمم السابقة.

إنكار السؤال بـ «كيف» وبيان بدعية تأويل النزول

يبين المقطع أن السؤال عن كيفيات صفات الله بدعة لم يسلكها السلف، والواجب الإيمان بالمعنى وإرجاع الكيفية إلى الله. ويرد على تأويل الأشاعرة لنزول الرب إلى السماء الدنيا معتبراً إياه تحريفاً للنص ومخالفة لمنهج السلف، مستدلاً بقدرة الله المطلقة التي تبطل قياس الخالق على المخلوق.

وجوب التسليم لصفات الله ونفي التشبيه بالخالق

يشدد المقطع على وجوب التسليم لصفات الله كنزوله في الثلث الأخير من الليل دون اعتراض على الكيفية، لأن قياس الخالق على المخلوق باطل. ويوضح أن الاشتراك في الاسم لا يستلزم الاتفاق في الكيفية، مستدلاً بمثل نعيم الجنة الدنيوي والأخروي.

ختام المجلس بالصلاة والسلام على النبي

يختتم المتحدث درسه بالصلاة والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين. وهي سنة متبعة في ختام المجالس والخطاب الشرعي طلباً للبركة والأجر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فكان آخر الكلام في الدرس السابق عند ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الوجه الثالث الذي يدل على أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو بالخبر الصادق، أو بالخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتفٍ في استواء الله عز وجل على عرشه. وهذا يدل على أن السلف يثبتون للاستواء كيفية لكنها مجهولة لنا، وهذا تقدم الكلام فيه. قال رحمه الله: «وقوله: والإيمان به واجب»، أي أن الإيمان بالاستواء على هذا الوجه واجب؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، وأصدق قيلا، وأحسن حديثا، فاجتمع في خبره كمال العلم، وكمال الصدق، وكمال الإرادة، وكمال الفصاحة والبيان، فوجب قبوله والإيمان به. الإيمان بكل خبر في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام واجب، أن الإيمان إيمان بما أخبر الله جل وعلا به في كتابه، أو أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته، واجب. الإيمان بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما ذكر ومما أخبر عنه، الإيمان بالغيبيات وغير ذلك. الإيمان بالغيب: أن تؤمن بأمور لم تشاهدها، لم تشاهدها، ومع هذا أنت مأمور بالإيمان بها. ومن ذلك الإيمان بصفات رب العالمين جل وعلا، وأنهم اتصفوا بالصفات العلا، وهذا من الإيمان بالغيب الذي أخبر الله جل وعلا عنه في كتابه الكريم. وهكذا ما يتعلق بما يحدث في اليوم الآخر من أمور غيبية لم تشاهدها، وجب عليك الإيمان بها. فكل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام وجب الإيمان به. ومن ذلك الإيمان بأن الله جل وعلا استوى على عرشه، لأن هذا خبر الله جل وعلا في كتابه: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، ثم استوى على العرش، وجب الإيمان بذلك. وهكذا بقية الصفات، وكل الصفات الواردة في الكتاب والسنة. وذكر رحمه الله تعالى أن الذي أخبر بهذا هو من قوله الصدق، ومن حديثه أحسن الحديث، ولا أحد أحسن من حديثه، وهو رب العالمين جل وعلا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. وهكذا أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أعلم بمراد الله جل وعلا من أمره بإخبار الناس بهذه الصفات، وهو عليه الصلاة والسلام كذلك أصدق الناس، وأصدق الخلق، وأصدق الناس بيانا. نعم، فاجتمع في هذه الأخبار القول الصدق، والحديث الحسن، والبلاغة، والبيان، والفصاحة. فكيف بعد ذلك يرد هذا الخبر؟ كيف يرد خبر تضمن معنى الصدق، والحسن، والبلاغة، والفصاحة، والبيان؟ ماذا بعد ذلك؟ إذن كيف يقبل الخبر إذا لم يقبل الخبر وتوفرت فيه هذه الأمور: الصدق، والحسن، والفصاحة، والبيان، والبلاغة؟ نعم، ومعنى هذا أن خبر الله جل وعلا في كتابه، وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته، هو خبر حق، وخبر صدق، وخبر واضح، بين، فصيح، لا إشكال فيه ولا غموض فيه، فوجب قبول خبر الله جل وعلا وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «وقوله: والسؤال عنه»، أي عن كيفيته، بدعة؛ لأن السؤال عنها لم يعرف عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا خلفائه الراشدين، وهو من الأمور الدينية، فكان إرادته بدعة. ولأن السؤال عن مثل ذلك من سمات أهل البدع. ثم إن السؤال عنه مما لا تمكن الإجابة عليه، أو لا تمكن الإجابة عليه، فهو من التنطع في الدين. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون». السؤال عن كيفية صفة من صفات الله جل وعلا بدعة، سوى الاستواء أو غير الاستواء. إذا قال الشخص: كيف ينزل ربنا؟ يسأل بـ «كيف»؛ هذه بدعة. كيف يأتي؟ بدعة. كيف يجيء؟ بدعة. كيف يضحك؟ بدعة. كيف يرضى؟ كيف يغضب؟ نعم، كل سؤال عن كيفية لصفات من صفات رب العالمين جل وعلا فهي بدعة. وهذا السؤال بدعة لماذا؟ لأن هذا أمر ديني وأمر شرعي. لو جاز السؤال، لو جاز هذا السؤال، لسأل الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام عن كيفية صفات الله جل وعلا، لكن لم يسألوا، لم يسألوا، وإنما قبلوا ذلك، قبلوا خبر الله جل وعلا في كتابه، وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته. استوى، استوى، يعلمون معنى الاستواء، ما قالوا: كيف استوى؟ ينزل، ينزل، يعلمون معنى النزول، ما قالوا: كيف ينزل؟ يعلمون معنى الرضا، معنى الغضب، معنى... إلى آخر الصفات: معنى الوجه، معنى السمع، البصر، معنى اليدين. ما قالوا: كيف السمع؟ كيف البصر؟ كيف اليدين؟ أبدا، ما سألوا عن كيفية صفات الله جل وعلا، وإنما قبلوا ذلك وسلموا. وهذا هو الإيمان الحق: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فالواجب التسليم، التسليم، وعدم الاعتراض، وعدم التنطع، وعدم التنطع في السؤال أو في الفعل أو في الاعتقاد. كل ذلك من الغلو الذي هو سبب الهلاك. إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرت سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. الإسجار التي هي من قبيل التنطع، التكلف، هذا غلو. وهكذا الغلو في الاعتقاد، والغلو في العبادات، والغلو في الأعمال، في الأشخاص، كله منهي عنه، كله منهي عنه. جاء النهي عنه في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، والنهي شامل لأهل الكتاب ولغيرهم. فقد نهى أيضا النبي عليه الصلاة والسلام عن الغلو، وعن التنطع، وعن التنطع. قال عليه الصلاة والسلام: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ»، كما في مسلم، من حديث أبي هريرة. وهكذا حذر من الغلو، وبيّن السبب: هلاك الأمم الغلو في الدين، بمثل هذه أو بمثل هؤلاء. رُميَ لما أخذ حصيات الرمي، قال: «نَعَمْ، بِمِثْلِ هَؤُلَاءِ رُميَ». وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين، الغلو. ومن الغلو: تنطع في السؤال، سؤال فيه تنطع. ومن ذلك السؤال عن كيفية صفة رب العالمين جل وعلا. قد قال عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثا: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». كرر ذلك وأكد هذا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، قضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولذلك الإمام مالك رحمه الله لما سأله ذلك السائل: كيف استوى؟ غضب، غضب رحمه الله، حتى علاَه الغضب، نعم، أو علاَه العرق من الغضب، عليه الرحضاء من الغضب، يعني العرق. غضب على هذا الرجل السائل لأنه ابتدع وجاء بسؤال مبتدع: كيف استوى؟ فبين له أن الاستواء معلوم، والكيف مجهول، أو غير معقول في لفظ، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدع، وأمر بإخراجه رحمه الله تعالى. لتبين بهذا أن السؤال بـ «كيف» عن صفة من صفات الله جل وعلا إنما هو من سمات أهل البدع، من سمات أهل البدع، ومما أحدثه أهل البدع. وإلا فالصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يسألوا، ولا التابع، ولا غيرهم. نعم، وإنما هذا أحدث، أحدث، وحذر السلف من ذلك، وزجروا من سأل بـ «كيف». وكما ذكر رحمه الله تعالى أن هذا لا يمكن الإجابة عنه، يكون هذا من التنطع. سؤال لا يمكن أن يجاب عنه. إذا قال شخص: كيف استوى؟ هل لهذا جواب؟ أبدا، ما له جواب. لماذا؟ لأنه لا أحد، لا أحد يعلم كيفية استواء الرب جل وعلا، لا يعلم أحد. وهكذا بقية الصفات. فذلك لماذا يسأل عن الكيفية؟ كيف يسأل عن شيء يعلم أنه لا جواب عليه، لا جواب عليه؟ وإنما جوابه: الله أعلم، الله أعلم. وأيضا سؤال فيه تنطع، سؤال فيه تنطع، وفيه غلو، لأنه لم يكن في عهد الصحابة، ولا من سار وتبعهم بإحسان. قال رحمه الله تعالى: «وهذا القول الذي قاله مالك وشيخه، أي ربيعة، يقال في صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، وغيره من الصفات: إنها معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، وإن الإيمان بها على الوجه المراد بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة». هذه قاعدة عامة. هذا الكلام العظيم الذي قاله ربيعة، شيخ الإمام مالك، قاله الإمام مالك رحمه الله. قاعدة عظيمة تقال في جميع الصفات، تقال في جميع الصفات: في الاستواء، وفي غير الاستواء، في النزول. هكذا نقول: هكذا النزول معلوم، والكيف مجهول، أو غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وهكذا بقية الصفات، يقال فيها هكذا، يقال فيها هكذا. ومن سأل: كيف ينزل؟ يقال له: كيف ذات الرب جل وعلا لا يعلم، كيف تعرف كيف صفة نزوله؟ ويبين له أن هذا من سمات أهل البدع، سؤال عن كيف صفات الله جل وعلا. والنزول صفة النزول كما جاء في الحديث، حديث أبي هريرة في الصحيحين، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» وهذا الحديث واضح ظاهر. أضاف النبي عليه الصلاة والسلام النزول إلى الله، قال: «ينزل ربنا، ينزل ربنا». ما قال: تنزل رحمة ربنا، وما قال: ينزل ملك. نعم، هل يعجز النبي عليه السلام أن يقول: ينزل ملك، تنزل رحمة، ينزل أمره؟ لا، ما يعجز عن ذلك. قال: «ينزل ربنا جل وعلا». وهذا مؤكد بقوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟» الملك ما يجوز له أن يقول: هل من سائل؟ ولا يقول: هل من مستغفر؟ لأنه ليس هو رب العالمين، هو ملك مخلوق، مخلوق من خلق الله جل وعلا، لا بيده مغفرة لأحد، ولا كذلك بيده إعطاء أحد. هذا إنما هو لله، هو الذي يقول لعباده: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له. الملك لا يقول ذلك، والرحمة لا تقول ذلك، ما في رحمة تقول: هل من سائل؟ ولا في رحمة تقول: هل من مستغفر؟ نعم، ولا الأمر كذلك، ما في أمر يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ والذي يقول: هل من سائل؟ وهل من مستغفر؟ هو رب العالمين جل وعلا. وهذا واضح، بين، ظاهر. ومع هذا يعطل الأشاعرة هذه الصفة، صفة رب العالمين جل وعلا، عن المراد الذي أراده الله جل وعلا، وهو النزول الحقيقي الذي يليق به، نزول يليق به جل وعلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ومع هذا قالوا: ينزل أمره، تنزل رحمته، ينزل ملك من ملائكته. وهذا كله يسمونه تأويلا، وهو تحريف وتعطيل للنصوص. أولا: خالف ظاهر النص، فظاهر النص: «ينزل ربنا»، هم قالوا: ينزل ملك، تنزل رحمة، ينزل أمر. ثانيا: لا دليل عندهم على أن المراد بنزول الرب هنا في هذا الحديث «ينزل ربنا» أي ينزل ملك. نقول لهم: هلموا الدليل، ما هو الدليل عندكم الذي وجدتموه أن المراد بنزول الرب في هذا الحديث نزول أمره، أو نزول رحمته، أو نزول ملك من ملائكته؟ ما عندهم دليل. الثالث: يقال لهم: خالفتم منهج السلف الصالح، لم ينقل عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، أنهم قالوا: إن المراد في هذا الحديث «ينزل ربنا» ينزل أمر ربنا، أو رحمة ربنا، أو ملكه. من قال هذا من الصحابة؟ من قال هذا من التابعين؟ من قال هذا من السلف الصالح، من الأئمة الأربعة؟ لا أحد. إذن أنتم خالفتم ما كان عليه السلف الصالح. السلف الصالح قبلوا هذا النص وأبقوه على ظاهره: «ينزل ربنا». خوطبوا بلغة العرب، يعلمون معنى النزول، فأثبتوه. الكيفية يعلمون أنهم لا يعلمونها، قالوا: على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. نعم، والواجب التسليم، الواجب التسليم. الإنسان لا يعترض بعقله الضعيف القاصر. نعم، كما يعترض بعض الناس، ويأتون بشبهة، يقولون: ينزل ربنا في الثلث الآخر من الليل. طيب، الآن نحن مثلا هنا في اليمن في أول الليل، مثلا يكون آخر الليل مثلا في إندونيسيا تقريبا، الآن يكون آخر الليل عندهم، يكون عندهم آخر الليل في إندونيسيا مثلا. طيب، قالوا في الحديث: ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر. طيب، بعد ثلث الليل الآخر في إندونيسيا، يكون ثلث ليل آخر في مكان آخر في بلاد أخرى، وبعد هكذا ينتقل ثلث الليل الآخر إلى بلاد أخرى، وبعد ذلك إلى بلاد أخرى، وهكذا. نعم، هذا أولا ممنوع، لا يجد الإنسان أن يأتي بهذا. بل الواجب التسليم. والذي يقول هذا الكلام، أصلا منشأ هذا الكلام أنه قاس الخالق بالمخلوق، قاس الخالق جل وعلا بالمخلوق. نعم، وإلا لو قال: ينزل على ما يليق بالله جل وعلا، وهو على كل شيء قدير. نعم، ينزل كيف شاء ومتى شاء، على كل شيء قدير جل وعلا. نعم، لا يستحيل في حقه شيء، ولا يمتنع في حقه شيء، سبحانه وتعالى. البشر الضعيف المخلوق، نعم، ما يمكن يقول: فلان في المسجد، ومسجود السوق، وهو في الشحر، وفي المكلا، وهو في بلاد كذا وبلاد كذا، ما يمكن، إما في المكلا، ولا في الشحر، وإما في السعودية، ولا في الصين. هذا المخلوق. أما رب العالمين جل وعلا، لا يقال فيه هكذا، لأن الله جل وعلا على كل شيء قدير. أنت تؤمن بأن الله جل وعلا الآن يعلم ما يجول بخواطر الخلق، كم في الدنيا من البشر؟ ما يقارب ستة مليارات، ستة مليارات من البشر في أرض الله جل وعلا، ما يجول بخواطرهم يعلمه الله سبحانه وتعالى. وإذا تحدثوا سمعهم ربنا سبحانه وتعالى، يسمع الجميع، ويعلم ما يجول بخواطر الجميع. تؤمن بهذا أو لا تؤمن؟ إذا لم تؤمن، كفرت. إذا قلت: لا أؤمن، فأنت كفرت بالله جل وعلا. نعم. وإذا قلت: نعم، أنا أؤمن، يقول لك: طيب، كيف؟ كيف يسمع هؤلاء كلهم، وما يجول بخواطرهم؟ نعم، هل يمكن للمخلوق أن يسمع، أن يجول ما بخواطر الموجودين في المسجد الآن، الذين هم في المسجد عندنا، عددهم كذا؟ نعم، يجول في خواطرهم أشياء، هل من أحد يعلم ما يجول بخواطرهم؟ ولا واحد، حتى واحد، ولا شخص واحد، ما أحد يعلم ما يجول بخاطره، لأن المخلوق ضعيف. نعم، فلا يقاس الخالق بالمخلوق، لا يقاس الخالق بالمخلوق. فإذا آمنت بأن الله جل وعلا يعلم ما يجول بخواطر خلقه، ويسمعهم جميعا، ألا يقدر على أن ينزل كيف شاء ومتى شاء؟ كيف شاء ومتى شاء؟ بلى، وهو على كل شيء قدير. لا تقول: كيف؟ وأي ثلث ليل؟ فأي بلاد؟ هذا ما يقال. إذا قيل هذا في حق مخلوق، لك أن تقول وتستبعد، لك أن تستبعد وتعترض، لأنك عرفت عجز المخلوق ونقص المخلوق، لا يمكن أن يسمع عشرة، هذا يتكلم، وهذا يتكلم، وهذا يتكلم، ما يمكن. نعم، يتكلم، يعني عشرون شخصا، ما يستطيع أن يسمعهم كلهم، لضعفه وعجزه. لكن تؤمن الله جل وعلا يسمع الإنس والجن، والدواب، والبهائم، نعم، وغيرها من مخلوقات الله جل وعلا. هذا يمتنع في حقه أن ينزل كيف يشاء في ثلث الليل الآخر؟ لا. فإذن عليك بالتسليم. ورضي الله تعالى عن ابن عباس، لما قيل: كيف يكلم الله جل وعلا الناس كلهم يوم القيامة؟ قال: كما رزقهم كلهم. كيف رزقهم كلهم؟ كيف رزق الله جل وعلا هؤلاء كلهم؟ الخلق، رزق الإنس والجن، والدواب، والبهائم، والأشجار، الكل رزقه الله سبحانه وتعالى. الذي رزق هؤلاء الخلق كلهم، يعجز أن يكلمهم كلهم؟ لا. فإذن لا تستبعد شيئا في حق الله جل وعلا، لا تقيس الخالق بالمخلوق. نعم، هؤلاء الذين ما قدروا الله حق قدره، هم الذين يستبعدون خبر الله جل وعلا: كيف هذا يكون؟ كيف هذا يمكن؟ لا. الواجب في خبر الله الرضا والتسليم، الرضا والتسليم. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. وهكذا كل ما جاء في خبر الله، وجب التسليم والإيمان به. لا تعترض، لا تقول: كيف، وكذا وكذا. لا. ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. الله جل وعلا نزول فعله، نزول الرب جل وعلا فعل من أفعاله، وصفة النزول صفة فعلية. لا يسأل الإنسان كيف ذلك، بما أن الرب جل وعلا لا يسأل عما يفعل. فما فعله لا يسأل، لا يقال: كيف، ولا يقال: كذلك كذا وكذا، وكيف يحصل كذا؟ ويأتي الإنسان بألغاز، يظن أن الرب جل وعلا مثله. لا، أنت ضعيف، حقيق. لا تقيس الرب جل وعلا بنفسك، بل اثبت وآمن، وقُل: كما أخبر الله على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا سبحانه وتعالى». وبهذا تسلم، وبهذا تسلم من وساوس الشيطان، تسلم من وساوس الشيطان. من انقطع سرب... من انقطع سرب. والواجب أن ينقطع الإنسان، لا يسترسل مع هذه الوساوس، وإلا فالشيطان حريص على أعظم من هذا، على أعظم من هذا. ليس فقط يقول لك: كيف ينزل؟ في أي ثلث؟ وفي كذا وكذا؟ لا، هو حريص على أعظم من هذا، يشككك حتى في رب العالمين جل وعلا: من خلقك؟ تقول: الله خلقني. طيب، من خلق الله؟ إلى هذا الحد يصل الشيطان. من خلق الله؟ فما هو الواجب إذا تسترسل معه؟ لا، تنقطع، تقول: آمنت بالله ورسوله. هذا العلاج الذي وصفه رسول الله عليه الصلاة والسلام، حين أخبر أن الشيطان يأتي ويوسوس، فأنت اقطع الباب، اقطع الباب على الشيطان، لا تسترسل معه. سلم فيما جاء، سلم لما جاء في خبر الله، وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، الأمور الغيبية، وفي إثبات الصفات. نعم، لا تعترض، ولا يعني تستبعد شيئا، ولا غير ذلك. هؤلاء ما أوقعهم فيما وقعوا فيه إلا أنهم استرسلوا مع الشيطان، استرسلوا مع الشيطان، حتى أوصلهم إلى هذا الحد. ولذلك قالوا: إذن ما ينزل ربنا. لماذا لم تسلموا؟ فتحوا الباب للشيطان، لعب عليهم لعبا، وأوصلهم إلى هذه الأوهام، حتى قالوا: إذن لا نقول، ردوا خبر الله الذي أخبر عنه رسول صلى الله عليه وسلم، أو أخبر عنه ربنا عز وجل في كتابه الكريم، بسبب الاسترسال في هذه الأمور. فالإنسان يستسلم، ويقطع على الشيطان هذه الوساوس، يسلم. قال رحمه الله تعالى: «وأما المثلان فأحدهما نعيم الجنة، فقد أخبر الله تعالى أن في الجنة طعاما وشرابا، ولباسا، وزوجات، ومساكن، ونخلا، ورمانا، وفاكهة، ولحما، وخمرا، ولبنا، وعسلا، وماء، وحلية من ذهب، ولؤلؤ، وفضة، وغير ذلك، وكل حق على حقيقته، وهو في الاسم موافق لما في الدنيا من حيث المعنى، لكنه مخالف له في الحقيقة. أما موافقته لما في الدنيا في المعنى، فلأن الله تعالى قال عن القرآن: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ولولا موافقته له في المعنى... قالوا: أما مخالفته له في الحقيقة، فلقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء. فإن كانت هذه الأسماء دالة على مسمياتها حقيقة، وكان اتفاقها مع ما في الدنيا من الأسماء لا يستلزم اتفاق المسميات في الحقيقة، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله. فإن مباينة الخالق للمخلوق أعظم وأظهر من مباينة المخلوق للمخلوق، لأن التباين بين المخلوقات تباين بين مخلوق ومخلوق مثله، فإذا ظهر التباين بينها، كان بينها وبين الخالق أظهر». ألا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع مثلين، وهذان المثلان أراد بذكرهما أيضا بيان الحق فيما يتعلق بإثبات الصفات لله جل وعلا، وأن إثبات هذه الصفات لله جل وعلا، وإن تسمى المخلوق بها، فالاشتراك في الاسم لا يستلزم الاتفاق في الكيفية. نعم، بل كله على ما يليق به. فذكر في هذا المثل ما عدّ الله جل وعلا في الجنة لعباده المتقين، وهذه الأسماء لها يعني تماثل في الأسماء في الدنيا. في الجنة تفاح، في الدنيا تفاح. في الجنة رمان، في الدنيا رمان. وهكذا فاكهة، ونخل، نعم، وعسل، ولبن، وماء، ومساكن، نعم، وأشجار، إلى آخر ذلك مما هو في الجنة من نعيم الله سبحانه وتعالى. وهكذا في الدنيا أشياء تسمى بهذه الأسماء. نعم، تفاح، والرمان، والفاكهة، وغير ذلك. هل فاكهة الدنيا كفاكهة الآخرة؟ هل تفاح الدنيا كتفاح الجنة؟ إلى آخر ذلك. وهذا إن شاء الله نتركه للدرس اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.