الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
سورة الإخلاص تُسمى بذلك لاختصاصها ببيان توحيد الله وصفاته كالأحد والصمد، ونفي الولادة والكفؤ عنه. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ثلث القرآن في الأجر لا في الإجزاء.
يدل اسم الواحد على أحدية الله في ذاته وصفاته وأفعاله وألوهيته، فلا شبيه له ولا مثيل ولا شريك. وقد تكرر ذكره في القرآن لتقرير التوحيد وإبطال الشرك.
يؤكد المقطع تفرد الله بالألوهية والربوبية مستدلاً بآيات تنفي وجود إله سواه، وتبين أن تعدد المعبودات يؤدي للاضطراب. ويخلص إلى أن ألوهية الله حق مطلق وما سواه باطل وعبادة غيره شرك مردود.
يجب على العباد توحيد الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم معترفين بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية. ويتحقق ذلك بإفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة القلبية والقولية والبدنية دون شريك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: الأحد والواحد. قال: أما اسمه تبارك وتعالى "الأحد" فقد ورد في موضع واحد من القرآن في سورة الإخلاص، وهي السورة العظيمة التي ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ثلث القرآن. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، يعني في الأجر والثواب، والحديث في البخاري ومسلم. وليس معنى هذا أنها تعدل ثلث القرآن في الإجزاء، يعني لو قال إنسان: والله لأقرأن ثلث القرآن، يقول: خلاص، إذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن سأقرأها وأكتفي بها. لا تعدل ثلث القرآن في الإجزاء، بل أجرها كأجر ثلث القرآن. لكن في الإجزاء ما تجزئ، إذا حلفت أنك تقرأ ثلث القرآن فلابد أن تقرأ ثلث القرآن، فتقرأ عشرة أجزاء. لكن إذا أردت الأجر فإنك ستنال الأجر بقراءة سورة الإخلاص، تنال أجر ثلث القرآن، فإذا قرأتها ثلاث مرات نلت بذلك أجر القرآن كله، وهذا أجر عظيم يدل على عظم هذه السورة عند الله سبحانه وتعالى. قال: لكونها أخلصت لبيان أسماء الرب الحسنى وصفاته العظيمة العليا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فسميت بسورة الإخلاص لأنها تدل على إخلاص التوحيد لله سبحانه وتعالى، وأنه عز وجل هو الواحد الأحد الذي لا إله غيره ولا رب سواه. ﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ الذي تصمد إليه الخلائق في قضاء حوائجها، فإنها لا تتجه إلا إلى الله الواحد الأحد سبحانه وتعالى. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لم ينفصل عن شيء ولم ينفصل عنه شيء لكماله سبحانه وتعالى. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي لم يكن له من يكافئه ومن يماثله ومن يكون نظيرًا له سبحانه وتعالى لتفرده جل وعلا بالألوهية. قال: وأما اسمه "الواحد" فقد تكرر مجيئه في مواضع عديدة من القرآن، وهما إسمان دالان على أحدية الله ووحدانيته، أي أنه سبحانه هو المتفرد بصفات المجد والجلال، المجد عن العظمة وكذلك الجلال كذلك بمعنى العظمة والكبرياء، المتوحد بنعوت العظمة والكبرياء والجمال. فهو واحد في ذاته لا شبيه له، أي لا يوجد من يشابه ويماثل الخالق سبحانه وتعالى في ذاته، وواحد في صفاته لا مثيل له، فهو جل وعلا الذي سمى نفسه بالأسماء الحسنى، وتصف جل وعلا بالصفات العليا، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فله الصفات العالية سبحانه وتعالى التي لا مثل له، لا يوجد أحد من الخلق من يتصف بمثل صفات الله سبحانه وتعالى. قال: وواحد في أفعاله لا شريك له ولا ظهير، فهو المتفرد في أفعاله بالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والرزق إلى آخر ذلك، لا شريك مع الله عز وجل في هذه الأفعال، ولا كذلك ظهير أي معين، وذلك لكمال غناه وقوته وقدرته وقهره سبحانه وتعالى. قال: وواحد في ألوهيته فليس له ند في المحبة والتعظيم والذل والخضوع. واحد في ألوهيته أي في تفرده بالألوهية وأنه المستحق للعبادة وحده دون من سواه، فلا يستحق أحد أن يؤله وأن يتخذ إلهًا وأن يعبد إلا الله سبحانه وتعالى. ليس له ند، يعني من يماثله ويناظره، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾، أن من يكون ندًا لله وكفئًا لله سبحانه وتعالى، وأنتم تعلمون أنه لا ند له سبحانه وتعالى في المحبة والتعظيم والذل والخضوع، أي لا تصرف هذه المحبة وهذه العظمة وهذا الذل والخضوع إلا لله سبحانه وتعالى، فهو المستحق لذلك وحده دون من سواه. وقد كان تكرر ورود اسم الله "الواحد" في القرآن الكريم في مقامات متعددة في سياق تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد. فقال سبحانه في التقرير للوحدانية ووجوب إخلاص الدين له: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾، هذا تأكيد بتفرده سبحانه وتعالى بالألوهية وأنه واحد أحد لا مثيل له ولا نظير ولا مكافئ سبحانه وتعالى، ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي لا مستحق للعبادة بحق إلا هو سبحانه وتعالى، وهو الرحمن الرحيم. وقال تعالى في إبطال عقائد المشركين: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. وقال الله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾، الذي يستحق أن يعبد إله واحد، والذي يستحق ذلك هو الله سبحانه وتعالى جل وعلا، المتفرد بالخلق والملك والتدبير، فهو المستحق للألوهية وحده دون من سواه. ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ لا إله غيره ولا رب سواه، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي فخافون واتقون. وقال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. ﴿أَأَرْبَابٌ﴾ يعني من جعلتموهم في منزلة الرب وتخذتموهم آلهة، ﴿أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ﴾، هذا يعبد صنمًا وهذا يعبد حجرًا وهذا يعبد شجرًا وهذا يعبد شمسًا وهذا يعبد قمرًا وهذا يعبد يعني وليًا إلى آخر ذلك من الأرباب والآلهة التي اتخذت من دون الله سبحانه وتعالى، لا شك سيكون بينها خلاف واضطراب وتناقض. ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، لا شك أن المتفرد أو المستحق للألوهية هو الواحد القهار سبحانه وتعالى، هو الذي ينبغي أن يعبده جميع المخلوقات وأن يتخذوه إلهًا دون من سواه سبحانه وتعالى، فألوهيته هي الألوهية الصحيحة، والألوهية غيره فهي باطلة، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. إذن هذان الإسمان يدلان على تفرد الله سبحانه وتعالى بالألوهية، وأنه هو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤ أحد، وأنه المستحق للعبادة وحده دون من سواه، وأن من عبده من دون الله جل وعلا فعبادته باطلة وعبادته مردودة، وكذلك هي من الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى. قال: فالواجب على العباد توحيده عقدًا وقولًا وعملًا، يعني اعتقاد ذلك في القلب، وقولًا باللسان، وعملًا بالجوارح، فتكون كلها لله سبحانه وتعالى، بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية، وأن يفردوه بأنواع العبادة وحده لا شريك له، سواء كان ذلك عبادة قلبية كَالْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ إلى آخره، أو كانت العبادة قولية كالدعاء والاستغاثة وغير ذلك والذكر، أو كانت العبادة بالجوارح كالركوع والسجود والذبح والنذر إلى آخر ذلك، وكلها تكون لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. طيب، إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.