الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 43، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المقطع معنى الآية بأن السفينة تجري بمرأى من الله ورعايته، مستدلاً بلغة العرب على أن الباء للمصاحبة لا للظرفية. ويؤكد أن هذا تفسير الجمهور المستلزم لإثبات صفة العينين والرؤية لله على الوجه اللائق بجلاله.
يبيّن المقطع أن تفسير الآية بـ «بمرأى منا» يستلزم إثبات صفة البصر الحقيقية لله، وهو ما يثبته أهل السنة وينكره أهل البدع. كما يرد على شبهة أثر الحجر الأسود ببيان ضعف سنده وأن ظاهره تشريف لا حقيقة.
يبين المقطع أن حديث الحجر الأسود لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبة تأويله للإمام أحمد كذب مفترى. ويوضح أن جمهور المحدثين حكموا بضعفه أو وضعه، وأن ظاهره يفيد التشبيه لا الحقيقة.
يوضح المقطع الفرق بين إضافة الأعيان المخلوقة المنفصلة إلى الله تشريفاً كالكعبة والناقة والحجر الأسود، وإضافة الصفات إلى موصوفها. مبيناً أن قول «يمين الله» للحجر من باب إضافة المخلوق لخالقه تنزيلاً وتكريماً لا إضافة صفة ذاتية.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فكان آخر الكلام في درس الماضي عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: ومثال آخر، قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾. قالوا: فظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله، وهذا معنى فاسد، فيكون غير مراد. فنقول: دعواهم أن ظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله سبحانه مردودة، مردودة من جهة التركيب اللفظي، ومن جهة المعنى أيضا. أما التركيب اللفظي: فإنه إذا قال القائل: فلان يسير بعيني، لم يفهم أحد من هذا التركيب أنه يسير داخل عينيه، ولو ادعى المدعي أن هذا ظاهر لفظه لضحك منه السفهاء، فضلا عن العقلاء. وإنما يفهم منه أن عينيه تصحبه بالنظر والرعاية، لأن الباء هنا للمصاحبة، وليست للظرفية. وأما المعنى: فإن من المعلوم أن نوحا عليه الصلاة والسلام كان في الأرض، وأنه صنع السفينة في الأرض، وجرت على الماء في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ ﴾، ﴿ قَالَ رَبِّ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴾، ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾، ﴿ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾، ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾، ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾. ولا يمكن لأحد يدعي أن ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله عز وجل، أن ذلك ممتنع غاية الامتناع في حق الله تعالى. ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره، وعلم أنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس حالا في شيء من مخلوقاته، ولا شيء من مخلوقاته حالا فيه، أن يفهم من هذا اللفظ هذا المعنى الفاسد. وعلى هذا، فمعنى الآية الذي هو ظاهر اللفظ: أن السفينة تجري، والله تعالى يكلؤها بعينه. تقدم شيء من الكلام حول هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، من أن أهل البدع ألزموا أهل السنة بأن يقولوا بظاهر هذا اللفظ الوارد في القرآن، وهو قوله جل وعلا: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾. قالوا: ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله، وأنتم تقولون: الواجب إجراء النصوص على ظاهرها، وظاهر هذا النص أن السفينة تجري في عين الله، فماذا جواب هذا؟ جواب هذا: أن قولهم: إن ظاهر النص أن السفينة تجري في عين الله، هذا باطل، ليس هذا هو ظاهر النص، ليس هذا هو ظاهر النص. وإنما ظاهر هذا النص: أن السفينة تجري، والله جل وعلا يرعاها، والله جل وعلا يصحبها بعينيه جل وعلا، فتجري بمرأى منه سبحانه وتعالى، ورعاية وكلاءة منه جل وعلا. هذا هو معنى هذه الآية، وهذا هو ظاهر هذا اللفظ. لأن الباء في هذه الآية ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ ليست للظرفية، ليس معناها: تجري في أعيننا، وإنما الباء هنا للمصاحبة، الباء للمصاحبة، الباء للمصاحبة، أي: تجري بمصاحبة أعيننا، وبمصاحبة وكلاءة رب العالمين جل وعلا لها بعينيه سبحانه وتعالى. وهذا واضح في لغة العرب، أي: هذا الاستعمال. ومثله قوله جل وعلا في موسى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾، ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾، يعني: بكلاءة مني، وبرعاية. هذا أسلوب عربي معروف، حتى عند العوام، كما تقدم: إذا قلت للشخص: «حط فلان في عينك»، قال: «ما يهمك، حطه في عيني». من داخله، وهل يفهم هذا منك أنك تريد أن تدخل فلانا نعم في عينه؟ لا. هذه علموا من لغة العرب، واضح حتى عند العوام. يعني: جعله في عينك، يعني: اهتم به، وارعاه. نعم. ولذلك يكتبون مقالة: «سير عين الله ترعاك»، «سير عين الله ترعاك»، ماذا تريد؟ عين الله ترعاك، تكلؤك، وتحفظك. وهكذا إذا قال شخص: «فلان تخرج على عيني»، يعني أنه اهتم به، فكان تخرج هذا الشخص بعين هذا، نعم، وعلى عين هذا، بمعنى: بمراقبته له، وباهتمامه. وهكذا، فهذا معلوم. إذا فهم أحد أن المراد... يعني: إذا قال شخص مثلا، شخص قال لشخص: «فلان يسير بعيني»، أنه يريد: يسير داخل عينيه، لضحك منه، لضحك منه السفهاء. نعم، السفيه سيضحك منه، إذا كان فهم: «فلان يسير بعيني» أنه يسير داخل عينه. نعم، فإذا فهم أنه هذا المراد، فهمه من هذا اللفظ، لضحك عليه السفهاء، فضلا عن العقلاء. لأنه لا يفهم أحد هذا، لا يفهم أحد هذا، وإنما يفهمون: نعم، «فلان يسير بعيني»، يعني: بمراقبة مني، نعم، وبرعاية، وأنا مراقبه، وهكذا. وهذا هو ظاهر هذا اللفظ. قوله جل وعلا: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، يعني: بمصاحبة أعيننا، وبمرأى منا. والباء للمصاحبة، وليست للظرفية. الباء للمصاحبة، وليست للظرفية. هذا من حيث التركيب اللفظي. ولذلك كان قول جمهور المفسرين بهذه الآية: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، يعني: بمرأى منا. هذا قول جمهور المفسرين، كما ذكره ابن كثير وغيره. جمهور المفسرين يفسرون هذه الآية: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، أي: بمرأى منا. ما أحد فسر: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ أن سفينة تجري في عين الله، ما أحد فسر بهذا أبدا. وإنما نقل التفاسير منهم من قال: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، يعني: بهذه العيون، تجري في هذه العيون التي فجرها الله، ﴿ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا ﴾، في هذه العيون جرت هذه السفينة. ومنهم من قال: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، أي: بأمر منا. لكن جمهور المفسرين يفسرون هذه الآية: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، يعني: بمرأى منا، وبكلاءة، والمعنى: بكلاءة وبحفظ منا. وهذا هو الحق. إذن، هؤلاء الذين قالوا: أنتم يا أهل السنة، أو يا من تقولون: الواجب إجراء النصوص على ظاهرها، عليكم أن تجروا هذا النص، تجروا هذا النص على ظاهره. ما هو قالوا؟ تقولون: السفينة تجري في عين الله، لأن هذا هو ظاهر هذا النص. وكما سمعتم، الجواب: هذا باطل، وهذا ليس هو ظاهر النص، ليس هذا ظاهر النص. وإنما ظاهر النص: أن السفينة تجري في أرض الله، والله سبحانه وتعالى يرعاها ويكلؤها، نعم، وعلى مرأى منه سبحانه وتعالى. هذا الذي يفهم من هذه الآية، وهذا هو ظاهر هذا النص. وهنا ينتبه إلى تفسير من يفسر هذه الآية بمرأى منا. فمنهم أهل السنة، وهذا تفسير حق. لكن من هؤلاء من يفسر هذه الآية بمرأى منا، ولا يثبت، ولا يثبت صفة العينين لله جل وعلا، وأنه جل وعلا يرى سبحانه وتعالى. وهذا باطل، لأن من لازم هذا إثبات صفة العينين لله جل وعلا، وإثبات أن الله جل وعلا يرى، لأنه لا يوصف بهذا إلا من كانت له هذه الصفة، وصفة العينين، وصفة الرؤية، أي: بأنه يرى، بأنه يرى. فالله جل وعلا قال: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، والمعنى: بمرأى منا. لازم هذا أن الله يرى، لازم هذا أن الله يرى. فلا يوصف أحد... أحد بأنه... يعني: شيء يسير بمرأى منه، وهو لا يرى أصلا، وهو لا يرى أصلا أبدا. فلا يمكن أن يقال: الجدار مثلا كذا، يحصل بمرأى من الجدار، بمرأى من الجدار. نعم، أنت تتحرك بمرأى من الجدار، لا يصلح هذا، لأن الجدار لا يوصف بذلك الوصف، وهو أنه يرى، وهو أنه يرى. فالله جل وعلا سبحانه وتعالى يرى. ولذلك كانت هذه السفينة تجري في أرضه جل وعلا بمرأى منه. ولولا أنه جل وعلا يرى، لما نسب أن هذه السفينة تجري بمرأى منه، إذ لا يصلح، إذ لا يصلح ذلك أن يوصف شيء أنه يسير بمرأى من أحد، وذلك الأحد غير موصوف أصلا بأنه يرى. هذا غير صحيح، وهذا مستحيل وممتنع. فمن لازم إثبات ذلك، أن السفينة تجري على أرض الله جل وعلا بمرأى من الله، لازم ذلك إثبات أن الله جل وعلا يرى، أن الله جل وعلا يرى. وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، بل في كتاب الله. ولذلك أهل السنة والجماعة يثبتون، يثبتون صفة العينين لله جل وعلا، وأن الله جل وعلا يرى. نعم. مع أنهم هنا يفسرون هذه الآية بمرأى مني، أي: من الله جل وعلا. لكن أهل البدع، أهل البدع يتناقضون. يفسرون هنا هذه الآية: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، أي: بمرأى منا. ومع هذا، إذا قلت لهم: الله يرى، قالوا: لا. هل لله عينان؟ قالوا: لا. نعم، طيب، ما معنى الرؤية؟ ما معنى البصر؟ قالوا: علمه، علمه بالمبصرات، علمه بالمبصرات. فيفسرون هذا بالعلم. نعم. هذا باطل. علمه بالمبصرات، علمه بالمسموعات. فلا يثبتون بصرا حقيقيا لله جل وعلا يليق به، كما يثبت أهل السنة والجماعة، ولا يثبتون الله جل وعلا يرى، نعم، كما يثبت أهل السنة والجماعة. ف هنا ينتبه: لمن فسر هنا بمرأى من أهل السنة، ومن فسرها من أهل البدع. لأن أهل البدع أصلا لا يثبتون صفة العينين لله جل وعلا، ولا يثبتون صفة البصر كما يثبت أهل السنة والجماعة، وإنما يجعلون ذلك، أو يفسرون ذلك بالعلم: علمه بالمبصرات، أو علمه بالمسموعات. فهذا هو ما يتعلق بالتركيب اللفظي، الذي يدل على أن ظاهر هذا اللفظ: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، ليس هذا الظاهر الذي فهمه هؤلاء، وصار يلزمون أهل السنة به، وأنهم يتناقضون، حيث يقولون: الواجب إثبات ظاهر نصوص الصفات. وهنا لا يثبتون الظاهر، وإنما يقولون: بمرأى منا. لماذا لا يثبتون الظاهر، ولا يجرون هذا النص على ظاهره؟ ظنوا أن ظاهر هذا النص الذي فهموه، وهو فهم باطل سقيم، يخالف كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولغة العرب، بل يقول به عاقل. وإنما أتوا هؤلاء من جهة عجمتهم، أي: العجمة التي وقعوا فيها، ولسبب ضعفهم باللسان العربي. قال رحمه الله تعالى: وأما المعنى، فإن من المعلوم أن نوحا عليه الصلاة والسلام كان في الأرض. وهذا واضح: نوح حين صنع السفينة كان في أرض الله جل وعلا، والله سبحانه وتعالى في العلو، الرحمن على العرش استوى. فإن السفينة صنعت في الأرض، وجرت في أرض الله جل وعلا، والله سبحانه وتعالى في العلو. فكيف تكون السفينة تجري في عين الله، وهي في الأرض، والله سبحانه وتعالى في العلو؟ هل هذا ممكن؟ الله جل وعلا في العلو، قد علا على مخلوقاته كلها، والسفينة صنعت في الأرض، وتجري في أرض الله سبحانه وتعالى. فكيف تكون السفينة تجري في عين الله سبحانه وتعالى؟ هذا واضح. أي: المعنى واضح. السفينة تجري في الأرض، والله سبحانه وتعالى في علوه جل وعلا بذاته وصفاته سبحانه وتعالى. بل هذا ممتنع غاية الامتناع، كما قال رحمه الله تعالى. ولا يمكن لمن عرف الله حق قدره... هل ممكن لشخص عرف الله جل وعلا حق قدره، وأنه سبحانه وتعالى الكمال المطلق من كل الوجوه، وأنه سبحانه وتعالى العظيم، وأنه سبحانه وتعالى الذي على جميع مخلوقاته، أن يفهم هذا الفهم، وأن السفينة تجري في عينه سبحانه وتعالى؟ أبدا، لا يفهم هذا إلا من لم يقدر الله حق قدره سبحانه وتعالى. أما من علم أن الله جل وعلا عال على خلقه، وبائن من خلقه سبحانه وتعالى، ليس قد حل فيه شيء من مخلوقاته، ولم يحل هو جل وعلا أيضا في شيء من مخلوقاته سبحانه وتعالى، بل هو بائن من خلقه، كما أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، فهذا واضح. من حيث أن الله جل وعلا على عرشه استوى، وقد علا على جميع مخلوقاته. ومن قدر الله جل وعلا حق قدره، فإنه لا يخطر عليه هذا الفهم، لا يخطر عليه هذا الفهم، فضلا أن يصرح به بلسانه، فضلا أن يعتقده. فإن ذلك مما ليس معه تعظيم الرب سبحانه وتعالى. ومن يقول هذا الكلام، ما عرف ربه جل وعلا حق المعرفة، وما قدر الله جل وعلا حق قدره سبحانه وتعالى. بل من اعتقد ذلك، وفهم ذلك، فهذا كفر، العياذ بالله، كفر بالله سبحانه وتعالى. وذكر في ختام هذا: أن المعنى الذي تدل عليه هذه الآية، وهو ظاهر اللفظ، أن السفينة تجري، والله تعالى يكلؤها بعينه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ومثال ذلك في الأثر: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه». عنده في هذه النسخة: «وقيل»، وهو خطأ، وإنما «وقبل يمينه». هذه النسخة تصوب: هي نقطة واحدة، وخطأ مطبعي. «وقيل: يمينه». الصواب: «وقبل يمينه». قالوا: فظاهر الأثر أن الحجر نفسه يمين الله في الأرض، وهذا معنى فاسد، فيكون غير مراد. فنقول: أولا: هذا الأثر روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسناد لا يثبت، والمشهور أنه عن ابن عباس. قلت: قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. وقال ابن العربي: حديث باطل، فلا يلتفت إليه. ثانيا: أنه على تقدير صحته، صريح في أن الحجر الأسود ليس نفس يمين الله، لأنه قال: «يمين الله في الأرض»، فقيده في الأرض، ولم يطلق. وحكم اللفظ المقيد يخالف المطلق. ومعلوم أن الله تعالى في السماء. ولأنه قال: «فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه». ومعلوم أن المشبه غير المشبه به. فالأثر ظاهر في أن مستلم الحجر ليس مصافحا لله، وليس الحجر نفسه يمين الله. فكيف يجعل ظاهره كفرا يحتاج إلى تأويل؟ هذا أيضا من النصوص التي اعترض بها أهل البدع على أهل السنة. يقولون: أنتم تقولون: الواجب إجراء النصوص على ظاهرها. نقول: نعم. فيقولون: أجر هذا النص على ظاهره. ما هو هذا النص؟ «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه أو قبله، فكأنما صافح الله وقبله». ماذا أرادوا بهذا؟ يعني: عليكم أن تقولوا: هذا الحجر الأسود هو يمين الله سبحانه وتعالى، أي: صفته. هذا الحجر الأسود هو يمين الله، هذا ظاهر هذا اللفظ. فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى بجوابين: الأول: أولا، من جهة هذا الأثر، من جهة هذا الأثر، وهو: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض». أولا: أنه لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. أيضا مما ذكروه على إمام أحمد، وهو كذب على إمام أحمد رحمه الله تعالى، أنهم قالوا: الإمام أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أحاديث. الإمام أحمد رحمه الله لم يتأول إلا في ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، والحديث الثاني: «إن قلوب العباد بين أصابع الرحمن»، أو «بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء»، والحديث الثالث: «إني... قولنا: بسلم في الحديث القدسي: إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن، إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن». فقال الإمام أحمد: أول هذه الأحاديث، يعني: لم يجريها على ظاهرها. وهذا كذب على الإمام أحمد رحمه الله. قد نبه شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى على أن هذا كذب، على أن هذا كذب، من نسب إلى الإمام أحمد أنه تأول هذه الأحاديث الثلاثة، ولم يجريها على ظاهرها المراد منها، فقد كذب على الإمام أحمد رحمه الله. ومن نقل ذلك: أبو حامد الغزالي، ونسب هذا إلى الإمام أحمد. نقل ذلك عمن نقل، ونسبه إلى الإمام أحمد، وهو كذب على الإمام أحمد. بل الإمام أحمد رحمه الله، إمام أهل السنة والجماعة، وغيره من السلف الصالح، أجروا النصوص على ظاهرها، أجروا النصوص وأمروها على ظاهرها، لأن هذا إجماع قام عليه. وهذا الظاهر الذي أجروا، والذي فهموه من هذه النصوص، هو ما يتعلق بما يليق بالله جل وعلا، وبالفهم الصحيح، حيث فسروا اللفظ بكامله، وبما دل عليه، ونظروا فيه إلى القرائن التي احتفت به. بخلاف أولئك الذين نظروا بعين واحدة، أو بفهم سقيم، أو نظروا في شطر من هذا الحديث، وتركوا شيئا يفسر ذلك الذي فهموه على الفهم الصحيح، خلاف ما فهموه. وهكذا، فأهل السنة، ومن أمام أحمد، أجروا ظواهر النصوص على المعنى الحق التي تدل عليه الأدلة. ليس هو ذلك الظاهر الذي فهمه أولئك أهل البدع، الذين لم يفسروا اللفظ تفسيرا صحيحا، ولم يفهموه فهما صحيحا. وهذا كما سمعتم، نسب إلى الإمام أحمد رحمه الله، وهو كذب. ومن ذلك هذا الحديث. فأولا: الحديث لم يثبت. قال شيخ الإسلام، كما نقل هنا المؤلف رحمه وتعالى، الشيخ بن عثيمين: أنه قال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت، والمشهور أنه عن ابن عباس. ونقل عن ابن الجوزي: أن هذا الحديث لا يصح. وقال ابن العربي: حديث باطل، فلا يلتفت إليه. وهكذا، منهم من حكم على هذا الحديث بالوضع، وأنه موضوع، لأن فيه من هو متهم بالوضع، فيه من هو متهم بالوضع والكذب في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلذلك ضعفوه. ومنهم من ضعفه، وقال: ضعيف، كالشيخ الألباني رحمه الله. كلام أهل العلم: منهم من يقول: هو باطل، ومنهم من يقول: إسناده لا يثبت، ومنهم من يقول: هو موضوع، ومنهم من يقول: هو ضعيف. نعم. وهناك من صحح هذا الحديث، وهناك من صحح هذا الحديث. وأما من حيث وقف هذا الحديث على ابن عباس، فهكذا. منها العلم أيضا، من حكم على هذا بالضعف، أي أنه كذلك ضعيف، وقفه على ابن عباس، كذلك لم يثبت، وهو ضعيف، ولم يثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فإذا: هذا الأثر لا يصح، لا رفعا، ولا وقفا. لا يصح لا رفعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولا وقفا. ومنها العلم: صحح وقفه. فنؤلف رحمه وتعالى، من باب التنزل، من باب التنزل، بعدما أدلى برأيه، وذكر حكمه في هذا الحديث، وفي هذا الأثر، أنه لا يصح، وأنه مشهور عن ابن عباس، أي: وقفه. تنزل معهم، قال: على تقدير صحته، على تقدير صحته، فإن هذا الأثر مقيد، فإن هذا الأثر مقيد. كيف مقيد؟ «يمين الله في الأرض». الحجر الأسود: «يمين الله في الأرض». ما أطلق هذا اللفظ، ما ليس فيه: «يمين الله»، ليس اللفظ: «الحجر الأسود يمين الله»، وإنما: «يمين الله في الأرض». فقيد بأنه في الأرض. وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق. فإذن: هو يمين الله في الأرض فقط، وليس معنى أنه يمين الله في كل حال، وليس أنه صفة ثابتة ولازمة له جل وعلا، وإنما في الأرض. فإذن: قيد اللفظ. ومع هذا، من باب الفائدة: أن هذا اللفظ أطلق، هذا اللفظ أطلق. ولعل شيخ الإسلام رحمه الله لم يعني يستحضر ذلك، أو لم يمر به، وإلا فقد... فقد أطلق هذا. قد جاء أيضا أن هذا اللفظ مطلقا جاء في بعض الألفاظ: «الحجر الأسود يمين الله»، يعني: من غير تقييد أنه في الأرض. لكن على القاعدة، وإن جاء اللفظ هذا مطلقا، يحمل المطلق على المقيد. يحمل المطلق على المقيد، الذي جاء فيه: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض». هكذا مطلقا، يقيد: أي: في الأرض. لأن ذلك اللفظ قيده، فيحمل المطلق على المقيد. وهكذا كذلك يقال: كما جاء رحمه الله تعالى المؤلف، أن هذا فيه مشبه ومشبه به. مشبه ومشبه به. المشبه: المستلم للحجر، والمقبل للحجر. المستلم للحجر، والمقبل للحجر، هذا مشبه. شبه بمن استلم يمين الله، وقبل يمين الله، وصافح يمين الله. تشبيه. فعندنا مشبه ومشبه به. والمشبه غير المشبه به. ما قال هنا: «من قبله، أو صافحه، فقد قبل يمين الله، وصافح يمين الله». ليس هنا هكذا. ليس في اللفظ هذا: «من قبل الحجر، ومن صافح الحجر، فقد قبل يمين الله، وقد صافح يمين الله». لا. وإنما: «فكأنما». «فكأنما»، فيه تشبيه. فعندنا مشبه ومشبه به. والمشبه غير المشبه به. إذن: المستلم للحجر، والمصافح للحجر، والمقبل للحجر، ليس هو مقبلا ليمين الله، وليس مصافحا ليمين الله، وإنما شبه. فهذا ينتبه له. وهكذا كذلك يقال: إضافة الحجر الأسود: «يمين الله»، هذا من باب إضافة المخلوق، إضافة المخلوق إلى خالقه. من باب إضافة الأعيان القائمة بذاتها. فالمضاف على نوعين: المضاف على نوعين. مضاف: تضاف عين قائمة بذاتها، عين قائمة بذاتها، ليست وصفا، عين قائمة بذاتها، ليست وصفا، وهو شيء منفصل، إضافة منفصل، عين قائمة بذاتها. مثلا: ناقة الله. الناقة شيء منفصل، وعين قائمة بذاتها. كذلك: المساجد، البيت: «بيت الله»، الإماء: «إماء الله». فهذه الأشياء هي أعيان قائمة بذاتها، منفصلة بذاتها. فإضافتها إلى الله جل وعلا: إضافة خلق. إضافتها للتشريف، وتكون إضافتها للتشريف للتشريف. وهناك إضافات لأشياء غير منفصلة، يعني: لا يمكن أن توجد منفصلة، وأن تكون أعيانا قائمة بذاتها. مثل: الوجه. هل يمكن أن يوجد شيء منفصل، قائم بذاته، وقال له: وجه؟ هل شيء يمكن أن يوجد منفصل، يقال له: سمع؟ لا. إذن: فإضافة هذه الأوصاف، وهي الأشياء الغير منفصلة، ولا يمكن أن تكون منفصلة، وقائمة قيام عين بذاتها، فتكون إضافتها من باب إضافة الموصوف، من باب إضافة الوصف إلى الموصوف. فنفرق بين ما أضيف، وهو شيء منفصل، وقائم بذاته، فهذا إضافته من باب إضافة الخلق. وهذا مثل: الناقة، ومثل: البيت، ومثل: المسجد، ومثل: الحجر، على تقدير صحته، من باب التنزل. ومثل: الحجر: «يمين الله»، إضافة ماذا؟ مخلوق إلى خالقه جل وعلا. وليست يعني من باب إضافة موصوف إلى موصوفها، فيقال: «يمين الله»، الحجر لا، سعيد: «يمين الله»، أي: كما تقول: ماذا؟ «بيت الله»، وكما تقول: «ناقة الله». هذا من باب التنزل، على صحة هذا الأثر. وإلا قد تقدم الكلام: أنه ضعيف، لم يثبت، لا مرفوعا، ولا موقوفا، على ما هو الصحيح من كلام أهل العلم. فلا يكون في هذا يعني إلزام من هؤلاء على أهل السنة، أنهم لم يجروا ظاهر هذا النفس على ظاهره. بل أجره على ظاهره، على اعتبار صحته، فهو من باب: المنفصل المخلوق، تشريفا، كما أضيف البيت، والناقة، والمسجد، وغير ذلك، من باب إضافة الأعيان القائمة بعينها، المنفصلة، إلى خالقها جل وعلا. لا من باب إضافة الموصوفات إلى موصوفها. هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.