الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوم القيامة سيتم القصاص بين جميع المخلوقات حتى البهائم، وسيؤدى الحقوق إلى أصحابها. هذا يؤكد على أهمية العدل في الدنيا.
يجب على السادة الإحسان إلى مماليكهم وإطعامهم وإكساؤهم مما يأكلون ويلبسون، وعدم تكليفهم بما يفوق طاقتهم. الأحاديث النبوية تؤكد على ضرورة الرحمة في معاملتهم.
السيد ملزم بإطعام مملوكه وإكسائه بالمعروف وعدم تكليفه بما لا يطيق. إهمال هذه الواجبات يعتبر إثمًا، والنفقة على المملوك واجبة على سيده.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «رد المختار» باب قصاص العبد، قال: حدثنا محمد بن يوسف، وقبيصة قال: حدثنا سفيان عن حبيب أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن عمار بن ياسر قال: لا يضرب أحد عبدًا له وهو ظالم له إلا أقيد منه يوم القيامة. وهذا الأثر صححه العلامة الألباني رحمه الله، وهو إن كان موقوفًا على عمار فله حكم الرفع؛ لأن هذا مما لا يقال بالرأي، وهو إثبات القصاص يوم القيامة. لا يضرب أحد عبدًا له وهو ظالم له، وهذا قيد يخرج ما إذا لم يكن ظالمًا له إذا ضربه حدًا يستحقه، فإنه لا يعاقب عليه يوم القيامة، كان يزني مثلًا، فإن السيد يقيم الحد على عبده، وهذا الحد مما أذن له الشارع فيه، فلا يعاقب عليه يوم القيامة. وأما إذا ضربه وهو ظالم له، لم يثم يأت ولم يفعله، فإنه لا يقام عليه الحد في الدنيا، أي على هذا السيد، وإنما عقابه يوم القيامة: «إلا أقيد منه»، يعني اقتص منه يوم القيامة. وفي هذا بيان أنه يحصل يوم القيامة القصاص لمن ظلم في الدنيا، فإذا ظلم السيد عبده وضربه في حد لم يأته، فإنه يقتص منه يوم القيامة. قال: حدثنا أبو عمر، قال: حفظ ابن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثني أبو جعفر، قال: سمعت أبا ليلى، قال: خرج سلمان، فإنه يتساقط من الآري - وهو مربط الدواب أو معلفها - فقال لقادمه: لولا أني أخاف القصاص لأوجعتك. والأثر صحيح. يعني أن هذا القادم فرط، فجعل العلف يتساقط - علف الدواب يعني طعام الدواب - يتساقط من مربط الدواب، فقال له: لولا أني أخاف القصاص يوم القيامة لأوجعتك ضربًا، وهذا فيه كما مر إثبات القصاص يوم القيامة، وأيضًا فيه فضيلة لسلمان رضي الله تعالى عنه في خوفه من الله سبحانه وتعالى أنه يضربه ويقتص منه يوم القيامة. قال: حدثنا أبو الربيع، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء». والحديث صحيح، وفي مسلم. وفيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأداء الحقوق إلى أهلها، أي أمر عليه الصلاة والسلام أن يؤدي الإنسان ما عليه من حقوق، كان يكون مثلًا عنده وديعة الإنسان، فعليه أن يرجعها له، أو مال وضع عنده أمانة، أو كذلك وديعة، أو نحو ذلك من الحقوق، فالواجب عليه أن يؤديها إلى أهلها. «لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء»، يعني إن لم تفعلوا فسوف يأخذ صاحب الحق حقه يوم القيامة، حتى البهائم، يصل بينها يوم القيامة، يقاد، يقتص للشاة الجماء التي لا قرن لها من الشاة القرناء إذا نطحت الشاة ذات القرون شاة ليس لها قرون، فيقتص بينهما يوم القيامة. إذا كان هذا في البهائم والحيوانات، فكيف بآدمي، كيف بالذي يأخذ أموال الناس بالباطل وينكر مثلًا ما عنده من أمانات أو ودائع وغيرها؟ فهذا يقتص منه يوم القيامة، وأولى منه وأحرى أن يرجع الحقوق في الدنيا قبل أن تأخذ يوم القيامة منه الحسنات. فيوم القيامة ليس إلا الحسنات والسيئات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كيف بهريرة أتدري من المفلس؟» قال: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، أي هذا في عرفهم المفلس لما عنده مال ولا عنده أمتعة، قال: «ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه، ثم طرح في النار». هذا جزاء يوم القيامة، يأخذ الناس من حسناته. أنت أخذت في الدنيا الأموال وتمتعت بهذه الأموال في الدنيا، طالبت أصحابها فأبيت وأعرضت، في يوم القيامة يأتون ويطالبونك بحقوقهم، وما عندك شيء، ما عندك إلا الحسنات، فإن كانت لك حسنات أخذ منك هذه الحسنات، فإذا انتهت أخذت من سيئاتهم وحملتها على ظهرك، وكان ذلك سببًا في دخولك النار. فأمر الحقوق وإرجاعها إلى أهلها أمر لا بد أن يتفطن له المسلم، وكذلك أن يحذر أن يأخذ شيئًا في الدنيا فسوف يأتي به يوم القيامة. قال: حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي، قال: حدثنا أبو سامة، قال: حدثني داود بن أبي عبد الله مولى بني هاشم، قال: حدثني عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرتني جدتي عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها، فدعا وصيفة له أو لها، فأبطأت، فاستبان الغضب في وجهه، فقامت أم سلمة إلى الحجاب، فوجدت الوصيفة تلعب ومعها سواك، فقال: «لولا خشية القود يوم القيامة لأوجعتك بهذا السواك». زاد محمد بن الهيثم: «تلعب ببهمة». قال: فلما أتيت بها النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله، إنها لتحلف ما سمعتك، قالت: وفي يده سواك. وهذا الحديث ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في «الضعيفة». قال: حدثنا محمد بن بلال، قال: حدثنا عمران عن قتادة عن زرارة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ظلم ضربًا اقتص منه يوم القيامة». هذا الحديث صحيح، وقد مر معناه في حديث عمار، وقول سلمان. والمراد من ضرب ضربًا أي ظلمًا بغير حق، اقتص منه يوم القيامة. قال: حدثنا خليفة، قال: حدثنا عبد الله مرجاء، قال: حدثنا عبد العوام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ضرب ضربًا ظلمًا اقتص منه يوم القيامة». وهذا أيضًا صحيح، وهنا جاء التقييد بالظلم. «من ضرب ضربًا ظلمًا اقتص منه يوم القيامة»، فإذا كان الضرب بحق فلا قصاص. قال: باب إكساءهم مما تلبسون، قال: حدثنا محمد المعباد، قال: حدثنا حاتم، إسماعيل عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي - يعني عبادة بن الصامت أو الوليد بن عبادة - نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقيناه أبو اليسر - وهو كعب بن عمر السلمي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم - ومعه غلام له، وعلى أبي بردة ومعافر، وعلى غلامه بردة ومعافر، فقلت له: يا عمي لو قدت بردة غلامك وأعطيته معافريك، أو قدت معافريه وأعطيته بردتك، كانت عليك حلة أو عليه حلة. فمسح رأسي، وقال: اللهم بارك فيه يا ابن أخي، بصر عيني هاتين وسمع أذني هاتين - أو سمع أذني هاتين - ووعاه قلبي، وأشار إلى نياط قلبه. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أطعموا من يملكون مما تأكلون، وأكسوهم مما تلبسون». وكان أن أعطيه من متاع الدنيا أهون علي من أن يأخذ حسناتي يوم القيامة. والحديث صحيح، وفي مسلم. وفيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يطعم الرجل غلامه مما يأكل، وأن يلبسه مما يلبس، وهذا من الإحسان إليهم، أنك تطعم الغلام الذي عندك - أي العبد الذي تملكه - مما تطعم، وتلبسه مما تلبس. ولهذا كان أبو اليسر يلبس بردة ومعافر على غلامه مثلها، فلما أخبرهم بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أطعموا من يملكون مما تأكلون، وأكسوهم مما تلبسون». وفي هذا بيان عظم هذه الشريعة وما عليها من الرحمة والشفقة حتى على المملوك الذي يملكه الإنسان، فإنه يجب عليه أن يحسن إليه، ومن الإحسان أنه يطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، وهذا سبب في دفع عذاب الله سبحانه وتعالى لمن أساء إليهم. والغالب أن الذي يملك المماليك إنه يسيء إليهم فيستحقرهم ويرى أنهم تحت يده كالحيوانات أو البهائم، فربما ظلمهم بالضرب، وهكذا أيضًا أساء إليهم في المأكل والمشرب، فلهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان إليهم. قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا الفضل المبشر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالمملوكين خيرًا، ويقول: «أطعموا من يملكون مما تأكلون، والبسوهم مما تلبسون، ولا تعذبوا خلق الله عز وجل». والحديث صحيح. قال: باب صبر العبيد، قال: حدثنا هدبة ومن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة عن حجاج، قال: حدثنا واصل الأحدب، قال: سمعت المعرور بن سويد يقول: رأيت أبا ذر عليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلًا، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «أعيرته بأمه؟» قلت: نعم، ثم قال: «إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. فالمعرور بن سويد يقول: إني رأيت أبا ذر رضي الله تعالى عنه عليه حلة، وعلى غلامه حلة - يعني إزار رداء - فسأله عن ذلك، فذكر له أنه ساب رجلًا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء في بعض الروايات أنه قال له: «يا ابن السوداء»، أو «يا ابن السوداء»، فاشتكاه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أعيرته بأمه؟» أنكر عليه عليه الصلاة والسلام ذلك، فقال: قلت: نعم، ثم قال: «إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم»، يعني أنهم قد جعلوا تحت مسؤوليتهم، فالواجب عليهم أن يقوموا برعايتهم. «فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل»، والمعنى لا ينفرد بطعام يأكله ويعطي له هذا المملوك رديء الطعام، لا، بل يطعمه ما يطعم، وهكذا أيضًا يلبسه مما يلبس، فلا يلبس الثياب الحسنة ويلبس الثياب السيئة المنزقة أو الوسخة، وهكذا أيضًا «لا تكلفوهم ما يغلبهم»، يعني إذا أمروهم بشيء لو يكلفوهم فوق طاقتهم، بل يكلفوهم ويأمرونهم بما في طاقتهم، وهذا من الرحمة والشفقة عليهم. «فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم»، يعني إذا كلفتموهم شيئًا فوق طاقتهم فأعينوهم، أمره أن يحمل شيئًا قيل: ما يستطيع أن يحمله لوحده، فإنه يحمل معه، يعينه على ذلك، وهكذا ما يكون فوق طاقتهم، فالواجب هو أن يعينهم على ذلك. والشاهد منه هو إنكار النبي عليه الصلاة والسلام تعييره لهذا الرجل بأمه، وأن هذا لا يجوز، ولو كان عبدًا مملوكًا. قال: باب هل يعين عبده، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أبو بشر، قال: سمعت سلام بن عمر يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرقاكم إخوانكم، فأحسنوا إليهم، واستعينوا بهم على ما غلبكم، وأعينوهم على ما غلبوا». والحديث ضعفه الشيخ الألباني في «الضعيفة» لجهالة سلام بن عمر، أو سلام بن عمر، وأن قوله عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا لا يضر؛ جهالة الصحابة لا تضر لأن الصحابة كلهم عدول. ومعنى الحديث مرة حيث يذل وأبو اليسر، قال: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني وهب، قال: أخبرنا عمر عن أبي يونس عن أبي هريرة أنه قال: «أعينوا العامل على عمله، فإن عامل الله لا يخيب». يعني القادم. وهذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيما تقدم من معاونة العامل على عمله، قال: باب لا يكلف العبد من العمل ما لا يطيق، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني ابن عجلان عن بكير بن عبد الله أن عجلان أبا محمد حدثه قبيل وفاته أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن عجلان عن بكير أن عجلان أبا محمد حدثه قبيل وفاته أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف إلا ما يطيق». وهو أيضًا صحيح كالذي قبله. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى عن العمش، قال: يا معرور: مررنا بأبي ذر عليه ثوب، وعلى غلامه يحله، فقلنا: لو أخذت هذا وأعطيت هذا غيره، كانت حلة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه، فليعنه عليه». وهو أيضًا كذلك صحيح. ففي هذه الأحاديث أنه يجب على السيد أن يطعم مملوكه، وأن يكسوه، للمملوك طعامه وكسوته، فإذا ترك ذلك وفرط في ذلك فهو آثم، فهذه من النفقة الواجبة التي يجب أن يقوم بها من كان عنده مماليك، أنه يطعمهم ويكسوهم، ويرجع في ذلك إلى العرف، يطعمهم بالمعروف، ويكسوهم كذلك بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق، كما مر، بل يكلفهم ما في طاقتهم، فإذا كلفهم ما لا يطيقون، فعليه أن يعينهم، فهذا والله تعالى أعلم.