الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 45، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور كيفية انعقاد الوقف بالقول مقسماً إياه إلى صريح ينعقد بمجرد اللفظ وكناية لا تنعقد إلا بنية أو قرينة أو لفظ صريح. كما يذكر أن الوقف قد ينعقد بالفعل الدال على إرادة التحبيس كبناء مسجد أو حفر بئر.
يبين المحور أن شروط الواقف تنفذ ما دامت موافقة للشرع ويُبطل المخالف لها، مع تفصيل خلاف العلماء في بيع الوقف عند تعطل منافعه. ويرجح قول الحنابلة بجواز البيع بشرط إعادة الثمن في مثله أو بعض مثله.
يوضح المحور جواز بيع مرافق الوقف المعطلة وصرف ثمنها في مثلها أو إصلاح المسجد، ثم يستعرض أقسام الوقف على جهة بر أو معين. ويذكر ثلاثة فروق جوهرية بين الوقف والوصية تتعلق بالعقد والمال والوارث.
يعلن المحور عن انتهاء باب الوقف في هذا الدرس، مبيناً أن الدرس القادم سيخصص للبدء في عقود التبرع. يشكل هذا ختاماً للمبحث السابق وتمهيداً للمبحث اللاحق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وينعقد بالقول الدال على الوقف". وزاد الشارح: "والفعل"، يعني أن الوقف ينعقد بالقول. والقول ينقسم إلى قسمين: قول صريح في الوقف، وقول كناية. القسم الأول: القول الصريح في الوقف. مثاله: والقول الصريح طبعًا هو الذي لا يحتمل إلا الوقف، لفظ لا يحتمل إلا الوقف. مثاله: كأن يقول: "وقفت بيتي هذا"، "وقفت مزرعتي هذا". صريح، صح. وهنا ينعقد مباشرة هذا الوقف. أو قال: "حبست بيتي"، أو "حبست سيارتي"، أو "حبست مزرعتي". هذا لا شك أنه كذلك، ماذا؟ صريح في اللفظ، صريح في اللفظ. أو قال: "سبلت بيتي"، أو "مزرعتي"، أو "سيارتي". هذا أيضًا صريح في أيش؟ في الوقف. فيكفي في هذا اللفظ أن ينعقد هذا الوقف، يكفي ذلك، ما يحتاج لا إلى نية ولا إلى قرينة ولا إلى شيء. خلاص، طالما أنه صرح بهذا اللفظ، سيعمل بهذا القول. النوع الثاني من أنواع القول في الوقف: القول الكناية. كناية يعني غير صريح، وهو ما يحتمل الوقف وغيره، الذي يحتمل الوقف وغيره. طيب، فلا يكفي فيه اللفظ، بل لا بد من انضمام أمر زائد إليه. مثل ماذا؟ قال مثلاً: "تصدقت". هذا الصدقة تطلق على الوقف وتطلق على غيرها من الصدقات الأخرى. صح. لو قال مثلاً: "تصدقت بأرضي"، تصدق بها على ماذا؟ قد يكون مثلاً صدقة ليست بجارية، ليست وقف، وإنما مثلاً تصدق لمدة سنة، لمدة شهر، لأنه لم يحبس أصلها ولم يصرح بوقفها. واضح، فهذا اللفظ ليس صريح. أو يقول: "حرمت"، "أبت". هذا أيضًا ليست حرم، ماذا حرم؟ مثلاً حرم على نفسه مثلاً ثمرت هذه السنة أو نحو ذلك. هذا لفظ غيره صريح. فهذه الألفاظ لا تنعقد بها الوقف إلا بثلاثة شروط. لا ينعقد بها الوقف إلا بثلاثة شروط. ما هي هذه الشروط؟ الشرط الأول: النية. الشرط الأول: النية. مثال ذلك: يقول: "تصدقت بداري"، وينوي أنها وقف. بعدما قال: "تصدقت بداري"، قيل له مثلاً بعد شهر: "لماذا ما تبيع هذه الأرض؟" قال: "لا، أنا نويت بها وقف". قالوا له: "أنت قلت تصدقت، ما قلت أوقفت". قال: "أيها، قلت تصدقت لكن في نية أنها وقف". فهنا يعمل بهذه النية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات". وإن اختلف اللفظ، واضح، أو احتمل اللفظ، فالعبرة بما في قلبه. ففي ألفاظ الكناية إذا نوى الوقف، فإن هذا الوقف يثبت، أو هذا اللفظ يثبت كونه وقفًا، كونه وقفًا. واضح، هذا الشرط الأول. الشرط الثاني: أن يقترن بها أحد الألفاظ الصريحة. يعني مثلاً بعض ألفاظ كناية وبعضها صريحة، فهنا يعمل بهذه الكناية، فتحمل على الصريحة. مثاله: على سبيل المثال قال: "تصدقت بداري صدقة موقوفة". فقوله: "تصدقت بداري" هذا لفظ كناية كما تقدم معنا، لكن قوله: "موقوفة" هذا يدل عليه أنه يريد بالصدقة ماذا؟ الوقف. أنه يريد بالصدقة ماذا؟ الوقف. ما يريد مجرد الصدقة، وإنما يريد بالصدقة ها هنا ماذا؟ الوقف. فلذلك دلت القرينة في نفس قوله أنه يريد الوقف، ولا يريد مجرد الصدقة. أو مثال آخر مثلاً: يقول: "تصدقت بداري محبسة". عرفنا معنى التحبيس يعني بمعنى الوقف. فهذا أيضًا قرينة تدل على أنه يريد ماذا؟ يريد يعني الوقف، لا يريد مجرد الصدقة. أو يقول مثلاً: "حرمت داري تحريما موقوفا". خلاص، لأنه لو قال: "حرمت داري"، هذا ليس بصريح، كناية. لكن لما قال: "تحريما موقوفا"، دل ذلك على أنه يريد بالتحريم هنا ما يمنع الانتفاع بأصل هذا المتصدق به، وهذا هو معنى الوقف، وهذا هو معنى أيش؟ الوقف. هذا الشرط الثاني. الشرط الثالث: أن ينضم إلى هذا اللفظ الذي هو كناية ما يدل على الوقف. الأول الذي قبله أن بعض الألفاظ صريحة وبعضها ليست صريحة مكنة، لكن هذا لا يوجد عندنا لفظ صريح، وإنما عندنا كناية، لكن في هناك لفظ يدل على الوقف. مثاله: كان يقول: "تصدقت بداري صدقة لا تباع". انظر إلى لفظة "لا تباع"، إيش هو هذا الذي لا يباع؟ ها، إيش الذي لا يباع؟ الوقف. صح. الوقف الذي لا يباع. فإذا قوله: "لا تباع"، هذه قرينة تدل على إيش؟ تدل على أنه أراد الوقف، لم يرد مجرد الصدقة. أو قال مثلاً: "تصدقت بصدقة لا تورث". مثلاً: "تصدقت بصدقة لا تورث". إيش الصدقة التي لا تورث؟ لو سئلت: ما هي الصدقة التي لا تورث؟ هي ماذا؟ الوقف. صح. أخذنا أن الوقف لا يباع ولا يورث. صح، ولا يورث. فإذا هذه الألفاظ تدل على إيش؟ تدل على أنه أراد الوقف، ما أراد مجرد الصدقة. واضح هذا الآن. فهذا معنى قوله: "وينعقد بالقول". وينعقد بالقول. أما قوله هنا المؤلف: "والفعل"، يعني قالوا: ينعقد بالفعل الذي يدل على أن هذه الصدقة يريدها صاحبها وقفًا. مثال ذلك: إنسان جاء إلى أرض من الأراضي، وبنى مسجدًا بين بيوت، ثم دعا أهل البيوت أن يصلوا في هذا المسجد. هنا ما قال: "أنا وقفت هذه الأرض"، أو "هذا المسجد"، أو "تصدقت به وقفًا". لم يتكلم، بنى وجاء الناس وصلوا في هذا المسجد، هو الذي أذن لهم أن يصلوا في هذا المسجد. فماذا يسمى هذا المسجد الآن؟ وقف. ما قال ذلك، لكنه ماذا؟ بفعله هذا يدل على أنه أراد إيش؟ أراد الوقف، أراد الوقف. وأن كان الأكثر في الوقف أن يكون بالقول، وأما بالفعل فهو شيء قليل، مثل هذه المسألة ومثل غيرها. مثلاً على سبيل المثال: حفر بئرًا، وقال للناس: "خلاص، هذا الماء خذوه، استفيدوا من هذا الماء". معنى أنه يريده ماذا؟ وقفًا للناس، وإن لم يلفظ بذلك. واضح، وإن لم يقل: "هذا البئر وقف". فكونه يأذن للناس أن يأخذوا من هذا الماء، فهذا دليل على أنه يريده وقفًا، وليس لمزرعة خاصة أو لبيع وشراء أو نحو ذلك. والله تعالى أعلم. وأما قوله: "ويرجع في مصارف الوقف وشروطه إلى شرط الواقف حيث وافق الشرع". يعني أن الوقف يستخدم بحسب ما شرط الواقف. بنى بيتًا، قال: "هذا البيت وقف لمن تريده". وقف، قال: "هذا البيت بشرط أن يكون وقفًا لطلاب العلم". فلا يجوز أن نسكن فيه أيتام، ولا يجوز أن نسكن فيه فقراء، ولا مساكين، ولا مجاهدين، لأن هذا وقف خاص بمن؟ بطلاب العلم. أتى بمصاحف، وقال: "هذه المصاحف وقف لهذا المسجد". فلا يجوز أن نعطيها مسجدًا آخر، ولا يجوز أن نعطيها شخصًا في بيته، لأن هذا الوقف شرط صاحبه أن يكون لهذا المسجد. بنى عمارة، وقال: "هذه العمارة تؤجر ومالها يرجع لمسجد السنة بطيبة". فلا يجوز أن نعطي ما يعني تخرجه هذه العمارة من مال لمسجد آخر أو لجهة أخرى، لأن الواقف اشترط هذا الشرط. فهذا معنى قوله: "ويرجع في مصارف الوقف وشروطه إلى شرط الواقف". مثلاً: شرط الواقف أن أبا معاذ هو يكون ناظرًا لهذا الوقف. هذا يكون من الشروط، يكون هو الناظر، لا يجعل غيره ناظرًا على هذا الوقف. مثل ما فعل عمر في هذا، قال: ﴿وَلَجُنَعَ لَمَنْ وَلِيهَا يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيُطْعِمَ صَدِيقًا﴾. اشترط هذا أن يُطْعِمَ صَدِيقًا، لا بأس بذلك. أو من سكان هذه البيت الفقير فلان ابن فلان، إذن نجعل هذا الفقير هو من سكان هذه العمارة مع غيره، لأن الواقف اشترط ذلك. طيب، فالوقف على ما يشترط الواقف، على ما يشترط الواقف. وقوله هنا: "حيث وافق الشرع". يعني إذا شرط الواقف شرطًا يخالف الشرع، فلا يعمل بشرطه. مثاله: مثلاً بنى عمارة كبيرة، قال: "هذه العباء العمارة أريدها مرقصًا، مرقص، أريدها وقفًا لله مرقصًا". قال له: "هذا ما تنفذ، هذا الوقف لا ينفذ، لأن هذا يخالف الشرع". واضح. بنى عمارة، وقال: "المال الذي يخرج منها يكون في ترميم هذه القبة، وفي تجصيص مقابر هذه المقبرة". أهل، يعمل بهذه الوقف؟ لا يعمل بهذا الوقف، لأنه يخالف الشرع. الشرع نهى عن بناء القباب، وعن كذلك البناء على القبور. فهذه الوصية باطلة، لا يعمل بها. واضح هذا الآن. فهذا معنى قوله: "حيث وافق الشرع". أما إذا خالف الشرع، فهذا لا يعمل بهذا الوقف، لا يعمل بهذا الوقف. ثم قال ها هنا: "ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه، فيباع ويجعل في مثله أو بعض مثله". تقدم معنا أن الأصل في الوقف أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث. طيب، اختلف العلماء في مسألة وهي: إذا تعطل الوقف، إيش معنى تعطل الوقف؟ يعني بنى بيتًا، هذا البيت وقف للفقراء، عمر هذا البيت مئتي سنة، بعد مئتي سنة تهدم هذا البيت، وصار غير صالح للسكنى، صار غير صالح للسكنى. فهل يجوز أن نبيع هذا الموقع أو لا يجوز؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال. القول الأول: أنه لا يجوز بيع الوقف بأي حال من الأحوال. وهذا مذهب مالك والشافعي. لحديث الباب، قالوا: الحديث عام، لم يخصص حالة من الحالات. فقوله: "غير أنه لا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يوهب"، هذا لفظ عام. طيب، كيف نفعل بهذا الوقف؟ قالوا: إن أمكن أن يرمم ويعاد من إنسان آخر فبها، وإلا يترك هكذا، لأنه وقف. فهمتم؟ هذا قول مالك والشافعي. والقول الثاني: على النقيض، وهو قول أبي حنيفة، وهو قول ضعيف، أنه يجوز بيع الوقف، الرجوع فيه بأي حال من الأحوال، ولو لم يكن قد هد أو قد ذهب نفعه، مطلقًا يجوز البيع. هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة، وهو قول ضعيف يخالف النص. والقول الثالث: أنه لا يجوز بيعه ولا إبداله إلا إذا تعطلت منافعه بالكلية، ولا يمكن الانتفاع به، ولا تعميره أو إصلاحه. وهذا قول الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وهو قول المؤلف ها هنا، وهو قول المؤلف ها هنا. أن الوقف الأصل فيه أنه لا يباع، هذا الأصل فيه على ظاهر الحديث. لكن إذا كان هذا الوقف تعطلت منافعه، يعني لا يستطاع أن ينتفع به بالكلية، بيت هد، لا يستطيع أحد أن يسكنه، مسجد رحل أهله، لا يوجد أحد الآن يصلي فيه، ولا يمكن في المستقبل لأحد أن يصلي فيه، منطقة هجرت، جاء إنسان يريد أن يجعله مزرعة، هل يجوز أن نبيعه له؟ الشافعية والمالكية يقولون: لا، لا يجوز. واضح. الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والمؤلف ها هنا ومذهب الحنابلة يقولون: نعم، إذا تعطلت منافعه، ولا يمكن الانتفاع به، لا في تعميره، ولا في إصلاحه، ولا في انتفاع بشيء منه، فهنا يجوز بيعه، بشرط أن يكون ثمن البيع يرجع إلى مثله. إيه معنى يرجع إلى مثله؟ مثلاً: إذا كان بيت موقوف للفقراء، ها، انهد هذا البيت، ولا نستطيع أن نقيمه، فجاء إنسان يريد أن يشتريه ليعمره، بكم تشتريه؟ قال: "أشتريه بكذا وكذا". قلنا له: طيب، هات المال، نأخذ المال ونبني ولو بيتًا صغيرًا، ها، بهذا المال في مكان آخر، ونجعله للفقراء، المساكن بمثله، أو ببعض مثله. ببعض مثله يعني: البيت هذا دورين، ها، لكن المال الذي بيع به، يلا، يبني بيتًا دورًا واحدًا، خلاص، نبني دور واحد، مش شرط نجعل البناء مثل هذا البناء دورين. فهمتم هذا الآن؟ أه، أو مثلاً كما مثلنا: مكان فيه مسجد، اندثر هذا المسجد، وذهب أهل المنطقة، وبقي مكان، وهذا يقع كثير، خصوصًا عند البدو، وعند الأماكن البعيدة، والأماكن التي ينقطع فيها الماء. فهذا المكان بقي مهجورًا، لا أحد يسكنه، ولا أحد يتردد إليه، جاء شخص يريد أن يشتري هذا ليزرعه أو يبنيه شيئًا آخر غير مسجد، هل يجوز بيعه؟ نعم، يجوز بيعه، إن تعطلت منافعه. تمام. ثم هذا المال، إيش نفعل به؟ نبني به مسجدًا، أو نجعله يعني نجعله أه، يعني ممن يشارك في بناء مسجد. سمعنا أن مسجدًا يبنونه، فيحتاجون إلى فرش، أو يحتاجون إلى حمامات، أو يحتاجون إلى سقف، أو يحتاجون إلى بناء، إلى سمنت، إلى أحجار، يعطيهم هذا المال في مثله، أو في بعض مثله. واضح هذا الآن. وقس على هذا في غيره. بعض مثلاً يسأل: المصاحف في مسجد، هذا المسجد عنده كثير من المصاحف، ها، عنده كثير من المصاحف. فهل يجوز أن ننقل هذه المصاحف إلى مسجد آخر؟ نعم، يجوز، وإن شرط صاحبها أن يكون في هذا المسجد، لأن هذا المسجد غير محتاج إلى هذا. أو مسجد فيه وقف مراوح، قد تعطلت، أو مراوح لا يحتاج إليها، هل يجوز بيعها؟ نعم، يجوز بيعها، وإدخال هذا المبلغ فيما هو مثله، شراء مثلاً مراوح، خطين، لا بأس بهذا، لأن في مثله، أو إصلاح شيء في الكهرباء في المسجد، هذا لا بأس، لأن في مثله. وهكذا. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: "ويجعل في مثله، وإلا ففي بعض مثله"، يعني ولو في جزء مما هو مثله. ثم ذكر الشارح هنا، قال: "أقسام الوقف". وأما دليل هؤلاء فهو قولهم في هذا: "أن بقاء العين بلا منفعة ولا فائدة في حرمان له من الثواب". أيهما أفضل: أن يبقى هذا البيت مئات السنين لا ينتفع به، أو يباع ويجعل له بيت صغير آخر ينتفع به؟ أيهما أفضل؟ لا شك الثاني أفضل. فما هي الشرع ينظر إلى الحكم وإلى المنافع؟ فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. ما هي العلة والحكم من الوقف؟ انتفاع الواقف والموقوف عليه، كما مر معنا. الواقف ينتفع حصول الأجر لاستمرار هذا النفع. طيب، هذا الواقف والموقوف عليه يستفيد الانتفاع من سكنى أو من مال أو نحوه. فالقول، فالقول هذا، والله أعلم، هي التي تدل عليه أدلة الشرع، والحكمة من الوقف، والحكمة من الوقف، والله تعالى أعلم. فهو القول الأقرب، والله تعالى أعلم. ثم قال الشارح: "أقسام الوقف". أولاً: على جهة، فلا بد أن يكون على بر. ويريدون بالجهة مثلاً: جهة الفقراء، جهة المساكين. فأخرجوا من هذا مثلاً: جهة الأغنياء. قالوا: لا يجوز أن يوقف الواقف وقفًا للأغنياء، لأنه سيكون على غير بر، ما ينتفع به الأغنياء، ربما يهملونه ويطركونه. واضح، هذا النوع الأول. النوع الثاني: على معين، ويشترط أن لا يكون فيه إثم. فقالوا: هذا النوع الثاني يجوز للواقف أن يوقف شيئًا لغني واحد، لغني واحد. لماذا؟ لأن هذا الغني الواحد قد ينتفع به، تفضل، تفضل، تفضل، اذهب. فهذا الغني الواحد قد ينتفع به، لأنه سيستفيد منه وحده، بخلاف الجماعة، لربما كل واحد يهمله، لأنه يقول: سينتفع به غيره. لكن اشترطوا على معين أن لا يكون فيه إثم. انظر: هناك بر، وهنا إثم. إيش الفرق؟ الفرق أن إذا وقف على جماعة الأغنياء، فما سيتحصل الواقف على أجر، وهو البر. واضح. أما على معين، فهنا اشترطوا أن لا يكون فيه إثم، لأن الغني قد ينتفع به، لكن لا يكون انتفاعه في إثم. إثم مثلاً: هذا الغني يتاجر في المخدرات، سيجعل هذا البيت مخزنًا للمخدرات، أو يتاجر في القات، أو في السجائر، سيجعله هذا المكان مخزنًا أو مجمعًا لتجارته هذه. فقالوا: هذا لا يجوز. واضح، لأن فيه إثم، لأن فيه إثم. فهمتم هذا؟ هذا معنى قوله: "على جهة، وعلى معين". فمثلوا بذلك: الوقف على الأغنياء، وعلى الغني. قال: "الفرق بين الوقف والوصية"، وذكر ثلاثة فروق. قال: "الوقف عقد ناجز". ما معنى ناجز؟ يعني أول ما يتلفظ به الواقف يثبت وينجز، يعني يكون معمولا به مباشرة. خلاص، ما لك شي في هذا الوقف. قال: "أوقفت بيتي للفقراء". قيل: "خلاص، بعد ما تقول هذا الكلام، ليس لك شي في البيت". تمام، هذا معنى عقد ناجز. أما الوصية فهي عقد معلق على الموت. قال مثلاً: "إذا أنا مت، فإني أوصي بثلث مالي للفقراء". طيب، الآن ماله ثلاث مليون، هل يجوز له أن يستخدم هذه الثلاث المليون وهو حي؟ يجوز، لأن هذا عقد معلق بالموت. فإذا مات، ينظر إرثه، ينظر ما كم تركته، إن كانت ثلاث مليون يخرج مليون، إن كانت مثلاً مليون ونصف يخرج ماذا؟ نصف مليون. صح. إن كانت تسعمائة ألف يخرج ثلاثمائة ألف. هذا بعد موته. أما لو أوقف وهو حي، لو أوصى وهو حي، وقال: "إذا أنا مت، فأوصي بثلث مالي"، فهنا هذا الثلث لا يخرج من أول ما يقول وهو حي، لا، له أن يتصرف في ماله وهو حي كيف ما شاء. فإذا مات، حصرت تركته، فيخرج منها الثلث. لو عنده تسعة من العبيد، فقال: "خلاص، أدامت ثلث العبيد يكونون وصية، وصي بهم بعد موت". عاش ثلاثين سنة، باع العبد الأول والعبد الثاني والعبد الثالث، هل نقول: "لا، لا، أنت أوصيت، لا تبيع"؟ هل يجوز أن نقول له ذلك؟ لا، لا يجوز. لا، معه خمسة عمارات، قال: "إذا مت، هذه الخمس العمارات ثلثها تكون وصية بعد موتي". ثلث منها، عشر سنين، باع العمارة الأولى والثانية، هل نقول: "لا، لا تبيع"؟ لا، ما نقول له. إن الوصية هذه تكون متى؟ بعد الموت. فله أن يتصرف بماله كونه حاليًا حيًا. واضح هذا الآن؟ فهذا فرق بين الوقف والوصية. الفرق الثاني: يكون بجميع المال، والوصية تكون بالثلث فأقل. فلو قال قائل وهو معه ثلاث بيوت: "أوقفت هذه الثلاث البيوت للفقراء والمساكين". خلاص، يجوز لها، ما معه لها هذه الثلاث البيوت، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز. لكن بعضها للعلم اشترط أن لا يكون فيه إضرار بالورثة. إذا كان فيه إضرار بالورثة، فهنا لا يجوز. كان يكون ورثته فقراء أو ضعفاء، أنك أنتذر ورثتك أغنياء، خير من أنتذرهم مع لا يتكففون الناس. لكن من حيث المسألة الشرعية، لا يوجد مانع من أن يقف جميع ماله. واضح. بخلاف الوصية: لو معه ثلاثة بيوت، وما معه إلا هذه، قال: "خلاص، أنا أوصي بعد موتي بالبيوت هذه الثلاثة". فمات، لا تخرج هذه الثلاثة، إنما يخرج بيت واحد فقط، الثلث، لا يزاد عليه. واضح هذا الآن؟ فهذا أيضًا فرق بين الوقف وبين الوصية. أخيرًا: من الفروق: للوارث وغير الوارث. الوقف يمكن للوقف أن يقف هذا الوقف لأولاده. لو قال مثلاً: "أوقفت هذا البيت لأولادي، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، من كان حيًا منهم فله أن يسكن فيه". هذا يجوز، هذا في الوقف. لكن في الوصية لا يجوز أن تكون لوارث، فلا وصية لوارث. ولو قال معه ثلاثة بيوت، قال: "إذا مت، بيت واحد لبنتي". طيب، وهي وارثة، لا يجوز ذلك. واضح هذا الآن؟ هذه فروق ذكرها أهل العلم كذلك بين الوقف والوصية، للتشابه بينهما. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وبهذا نكون قد انتهينا من باب الوقف. إن شاء الله في الدرس القادم ندخل في عقود التبرع.