شرح كتاب الأصول الثلاثة 10

الدرس في شرح كتاب الأصول الثلاثة 10، الدرس العاشر :من :(ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى إنهم كانوا يسارعون ... ودليل النذر قوله تعالى يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أدلة الرغبة والرهبة والخشية والإنابة من القرآن الكريم

يستعرض هذا المحور الأدلة القرآنية على عبادات القلب الأربع: الرغبة والرهبة والخشية والإنابة، مستدلاً بوصف الأنبياء بالمسارعة في الخيرات والدعاء رغبا ورهبا. ويبين أن الخشية خوف مقرون بالعلم، وأن الإنابة هي رجوع القلب إلى الله وحده مستدلاً بقوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم).

خطر التوجه لغير الله ووجوب الإنابة والاستعانة به وحده

يحذر المحور من توجيه القلب للأموات أو الأولياء معتبراً ذلك شركاً أكبر، ويؤكد أن الإنابة إلى الله والتوبة إليه هي عبادة محبوبة له مستدلاً بقول شعيب وإبراهيم عليهما السلام. كما يبين أن الاستعانة الحقيقية لا تكون إلا بالله في الأمور التي لا يقدر عليها سواه.

الاستعانة بالله وشروط الاستعانة بالمخلوق وتطبيقها

يوضح هذا المحور أن الاستعانة في الشدائد تكون بالله وحده، وأن دعاء الأموات أو الغائبين شرك أكبر، مبيناً شروط الاستعانة بالمخلوق وهي: الحياة، الحضور، القدرة، والسمع. ويضرب مثالاً على انتفاء شرط السمع في الإنسان الأصم الحاضر القادر مما يبطل جواز الاستعانة به في الغيب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم أَخَذْنَا دَلِيلَ التَّوَكُّلِ فِي الدَّرْسِ السَّابِقِ، وَمَعَنَا مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنَ الْمُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ رَاغِبِينَ فِيمَا عِنْدَهُ، رَاهِبِينَ مِنْهُ وَمِمَّا عِنْدَهُ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا خَاشِعِينَ أَيْ ذَلِيلِينَ خَاضِعِينَ. فَالرَّغْبَةُ رَجَاءٌ خَاصٌّ، وَالرَّهْبَةُ خَوْفٌ خَاصٌّ، وَالْخُشُوعُ ذُلٌّ وَخُضُوعٌ، وَهَذِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. يَعْنِي الرَّجَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا الرَّهْبَةَ وَهِيَ الْخَوْفُ، وَهُوَ خَوْفٌ خَاصٌّ، وَالْخُشُوعُ بِمَعْنَى الذُّلِّ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. هَذِهِ كُلُّهَا عِبَادَاتٌ، وَالْعِبَادَاتُ كَمَا تَقَدَّمَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ دَلِيلَ الْخَشْيَةِ، فَقَالَ: «وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾». فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ، وَهُوَ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾. وَهُنَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يَعْنِي لَا تَخَافُوا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، لَا تَخَافُوا مِنَ الشَّيْطَانِ، لَا تَخَافُوا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَالْخَشْيَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْخَوْفِ، لَكِنَّ الْخَشْيَةَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِعِلْمٍ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَخَافُ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ، بِخِلَافِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُهُ، فَذَلِكَ يُسَمَّى خَشْيَةً: خَوْفٌ مَعَ عِلْمٍ، خَوْفٌ مَعَ عِلْمٍ. أَنْتَ مَثَلًا لَوْ قِيلَ لَكَ: فِي هَذَا الْمَكَانِ شَيْءٌ مُفْزِعٌ، مَا تَدْرِي مَا هُوَ، أَهُوَ مِنْ جِنٍّ، أَمِنْ حَيَّاتٍ، أَمِنْ سِبَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُفْتَرِسَةِ، فَرُبَّمَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُقْدِمَ، فَيَكُونُ عِنْدَكَ خَوْفٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ. يُقَالُ لَكَ: هَذَا الْمَكَانُ مُفْزِعٌ، فَمَا تَدْرِي مَا فِيهِ. لَكِنْ لَوْ عَلِمْتَهُ، رُبَّمَا يَكُونُ فِيهِ مُجَرَّدُ كِلَابٍ، أَوْ مُجَرَّدِ مَثَلٍ مَثَلٍ قِطَّةٍ وَأَهْرَارٍ، مَا يَعْنِي مَا تُبَالِي بِهَا، وَلَنْ تَخَافَ مِنْهَا. فَإِذَا عَلِمْتَهَا ذَهَبَ عَنْكَ ذَلِكَ الْخَوْفُ. بِخِلَافِ الشَّيْءِ الَّذِي تَعْلَمُهُ، تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ مُخِيفٌ، عَلِمْتَ أَنَّ فِي هَذَا الْمَكَانَ مَثَلًا سِبَاعًا، وَأَنَّهُ كُلُّ مَنْ مَرَّ فَإِنَّهُ يُفْتَرَسُ، يُفْتَرِسُهُ. فَإِذًا يَكُونُ عِنْدِي خَشْيَةٌ مِنَ الْمُرُورِ فِي هَذَا الْمَكَانِ لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ هُنَاكَ سَبُعًا وَالسَّبُعَ مُفْتَرِسٌ. كَذَلِكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كُلَّمَا ازْدَادَ الْإِنْسَانُ عِلْمًا وَعَرَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَصِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَسْمَاءَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنَّهُ يَزْدَادُ مِنْهُ خَوْفًا، وَهَذَا الْخَوْفُ يُعْتَبَرُ خَشْيَةً. لِهَذَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَثْنَى عَلَى الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فَالْعُلَمَاءُ يَخْشَوْنَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. طَيِّبٌ، وَغَيْرُهُمْ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ خَوْفٌ، قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ خَوْفٌ، لَكِنَّ الْخَشْيَةَ أَخَصُّ، أَخْوَفُ وَعُمُّ. لِهَذَا الْعُلَمَاءُ أَشَدُّ النَّاسِ خَشْيَةً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَشَدُّ النَّاسِ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُمْ عِنْدَهُمُ الْعِلْمُ النَّافِعُ الَّذِي عَرَفُوا بِهِ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَفُوا بِهِ كَذَلِكَ عَظَمَةَ اللَّهِ، عَظَمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. لِهَذَا هُمْ يَخَافُونَهُ أَشَدَّ النَّاسِ خَوْفًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. لِهَذَا كَذَلِكَ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ النَّاسِ خَوْفًا، أَنْبِيَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ النَّاسِ خَشْيَةً. لِهَذَا يَقُولُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ». هَلْ يَكُونُ أَحَدٌ أَخْشَى لِلَّهِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ لَا. فَيَقُولُ: أَخْشَاكُمْ لَهُ. فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَخْشَى رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَالْخَشْيَةُ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِعِلْمٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلَ الْإِنَابَةِ، فَقَالَ: «وَدَلِيلُ الْإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾». مَا مَعْنَى الْإِنَابَةِ؟ الْإِنَابَةُ حَقِيقَتُهَا الرُّجُوعُ، رُجُوعُ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَالْقَلْبُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْقَادَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَوَجَّهَ وَيَتَعَلَّقَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. تَعَلُّقُ الْقَلْبِ أَمْرٌ مُهِمٌّ، تَعَلُّقُ الْقُلُوبِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. مَا تَتَعَلَّقُ الْقُلُوبُ بِالرِّفَاتِ وَالْعِظَامِ، أَوْ بِمَا يُسَمُّونَهُمْ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّالِحِينَ، تَتَعَلَّقُ بِهِمْ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ. وَإِنَّمَا الْقَلْبُ الرَّاجِعُ الْمُنِيبُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي قَلْبُهُ يَتَعَلَّقُ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. لِهَذَا إِذَا تَوَجَّهَ الْقَلْبُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِذَا تَوَجَّهَ الْقَلْبُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْأَمْوَاتِ وَمَا يُسَمُّونَهُ بِالْأَوْلِيَاءِ، فَإِنَّ هَذَا التَّوَجُّهَ وَهَذَا التَّعَلُّقَ يَصِيرُ شِرْكًا بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. بِمَعْنَى أَنَّهُ يَرْجُو وَيَأْمُلُ وَيَعْلِقُ قَلْبَهُ بِذَلِكَ الْوَلِيِّ الْفُلَانِيِّ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا يَأْتِي مِنْهُ فِي زَعْمِهِ، مَا يَأْتِي مِنْ هَذَا الْوَلِيِّ الْفُلَانِيِّ. فَالْقُلُوبُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ عِبَادَهُ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُؤَلِّفُ: ﴿وَأَنِيبُوا﴾. وَهَذَا أَمْرٌ مِنْ رَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَوَامِرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَنْبَغِي أَنْ تُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ. فَإِذَا أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَمْرٍ كَالْإِنَابَةِ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ وَتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ. فَإِذَا أَحَبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا الْأَمْرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ، لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ عِبَادَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَعْرِيفُهَا كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَى مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ». وَالْإِنَابَةُ هَذَا عَمَلٌ بَاطِنِيٌّ، عَمَلٌ فِي الْقَلْبِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا يُحِبُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهُوَ عِبَادَةٌ. وَمَنْ صَرَفَ مِنَ الْعِبَادَاتِ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ أَشْرَكَ. وَانْظُرُوا إِلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَاذَا يَقُولُ؟ يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيبُ﴾. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيبُ، يَعْنِي إِلَيْهِ أَرْجِعُ، إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي أُمُورِي كُلِّهَا، سَوَاءٌ كُنْتُ أَمْرًا هَذَا الْأَمْرُ أَمْرٌ صَغِيرٌ أَوْ أَمْرٌ كَبِيرٌ. فَالْمُؤْمِنُ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ أُمُورَهُ إِلَى اللَّهِ وَيُنِيبُ إِلَيْهِ، يَقْبَلُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَأَيْضًا الْإِنَابَةُ مَعْنَاهَا كَذَلِكَ التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، تَوْبَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَأَعَدَّ لَهُمُ الْجَنَّاتِ، أَعَدَّ لَهُمُ الْجَنَّاتِ كَمَا فِي سُورَةِ قَافٍ، ﴿كَمَا فِي سُورَةِ قَافٍ﴾، أَنَّ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ مُنِيبُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَوَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ بِأَنَّهُ مُنِيبٌ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾. مُنِيبٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَالْمُؤْمِنُ يُنِيبُ إِلَى اللَّهِ، ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كُلِّ مَا يَلِمُّ بِالْمُسْلِمِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلَ الِاسْتِعَانَةِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ الْحَصْرَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ». هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ كَلِمَاتٍ، قَالَ: «إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ». أَمَّا الْآيَةُ فَقَدَّمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعِبَادَةَ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ، لِأَنَّهَا أَعْظَمُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أَيْ أَنَّنَا لَا نَعْبُدُ أَحَدًا إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وَالِاسْتِعَانَةُ مِنَ الْعِبَادَةِ، أَلَيْسَتْ مِنَ الْعِبَادَةِ؟ الِْاسْتِعَانَةُ مِنَ الْعِبَادَةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْعِبَادَةِ. فَلَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. اسْتِعَانَةٌ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُنْجِينَا، وَلَا كَذَلِكَ يَكْشِفُ عَنَّا كُرُبَاتِنَا إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ كَذَلِكَ الَّذِي يَقْضِي لَنَا حَوَائِجَنَا. فَالْأُمُورُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، الْمُسْلِمُ وَالْمُؤْمِنُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنَّهُ يُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَسْتَعِينُ بِهِ. لَا تَسْتَعِنْ بِمَخْلُوقٍ فِي أَمْرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ. كَأَنْ تَكُونَ مَثَلًا فِي شِدَّةٍ وَبَلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، كَأَنْ تَكُونَ فِي الْبَحْرِ، كَأَنْ تَكُونَ مَثَلًا فِي الْبَحْرِ فِي الْقَارِبِ أَوْ فِي السَّفِينَةِ، فَتَهِيجُ بِكَ الْأَمْوَاجُ وَتَعْصِفُ بِكَ الرِّيَاحُ، فَأَيْنَ تَتَوَجَّهُ؟ أَيْنَ يَتَوَجَّهُ قَلْبُكَ وَمَنْ تَدْعُو وَبِمَنْ تَسْتَعِينُ؟ تَسْتَعِينُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّهُ لَنْ يُخَلِّصَكَ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الشِّدَّةِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. كَذَلِكَ إِذَا كُنْتَ فِي طَائِرَةٍ فِي الْجَوِّ وَرُبَّمَا قَالَتْ كَذَا وَكَذَا، وَكَذَلِكَ إِذَا كُنْتَ فِي السَّيَّارَةِ وَتَأَرْجَحَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا وَرُبَّمَا كَادَتْ أَنْ تَصْطَدِمَ أَوْ تَنْقَلِبَ، فَمَنِ الَّذِي تَقُولُ؟ تَقُولُ: يَا اللَّهُ، فَتَسْتَعِينُ بِاللَّهِ وَتَدْعُو اللَّهَ وَتَسْتَغِيثُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهُنَا تَعْلَمُ مَا وَقَعَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فِي هَذَا الْعَصْرِ، مِنَ النَّاسِ، حَيْثُ أَنَّهُمْ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكُرُبِ يَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيَسْتَعِينُونَ بِالْأَمْوَاتِ وَالرِّفَاتِ فِي جَلْبِ الْحَوَائِجِ أَوْ دَفْعِ الضُّرِّ. وَهَذَا مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، أَعْظَمُ مِنْ شِرُ مِنْ شِرْكِ مَنْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَمَا ذَكَرَ هَذَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِـ «كَشْفِ الشُّبُهَاتِ»: أَنَّ مُشْرِكِ زَمَانِنَا أَعْظَمُ شِرْكًا مِنْ أُولَئِكَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانُوا عِنْدَ الشَّدَائِدِ دَعَوْا مَنْ دَعَوْا اللَّهَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. مَا يَقُولُونَ: يَا عَيْدَرُوسُ، مَا يَقُولُونَ: يَا بَدَوِيُّ، مَا يَقُولُونَ: يَا حُسَيْنُ، مَا يَقُولُونَ: يَا بْنَ عَلْوَانَ، مَا يَقُولُونَ: يَا مُحْضَارُ، مَا يَقُولُونَ: يَا فُلَانَ فُلَانًا أَبَدًا، مَا يَعْرِفُونَ هَذَا. عِنْدَمَا تَأْتِيهِمْ الشِّدَّةُ فَإِذَا هُمْ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَيَدْعُونَهُ وَيَسْتَعِينُونَ بِهِ. وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا هَذَا، فَإِذَا وَقَعَ فِي الْمُصِيبَةِ وَالْكُرْبَةِ وَالْبَلِيَّةِ وَالشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مُبَاشَرَةً يَدْعُو مَنْ قَامَ فِي قَلْبِهِ مِنْ أُولَئِكَ الْمُدَّعِينَ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ بِالْأَقْطَابِ أَوِ الْأَوْتَادِ أَوِ الْغَوْثِ أَوْ نَحْوِهِمْ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. فَالِاسْتِعَانَةُ مَعْنَاهَا طَلَبُ الْعَوْنِ، طَلَبُ الْعَوْنِ. وَالِاسْتِعَانَةُ كَمَا عَلِمْنَا مِنْ هَذَا أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ تَكُونُ جَائِزَةً وَتَكُونُ مُحَرَّمَةً: اسْتِعَانَةٌ جَائِزَةٌ وَاسْتِعَانَةٌ مُحَرَّمَةٌ. أَمَّا الْجَائِزَةُ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَخْلُوقُ، مَثَلًا مَعَكَ مَتَاعٌ، مَعَكَ شَيْءٌ تُرِيدُ وَاحِدًا يَحْمِلُهُ، مَاذَا تَقُولُ لَهُ؟ يَا فُلَانُ أَعِنِّي، اطْلُعْ مَعِي هَذَا إِلَى السَّيَّارَةِ، احْمِلْهُ لِي إِلَى الْبَيْتِ. يَسْتَطِيعُ يَحْمِلُ لَكَ الْمَتَاعَ، أَوْ إِنْسَانٌ حَاضِرٌ، هَذَا الْحَاضِرُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِينَكَ. لِهَذَا ذَكَرُوا فِي الِاسْتِعَانَةِ بِالْمَخْلُوقِ شُرُوطًا: اسْتِعَانَةٌ بِالْمَخْلُوقِ شُرُوطًا: أَنْ يَكُونَ حَيًّا، أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، أَنْ يَكُونَ قَادِرًا، أَنْ يَكُونَ يَسْمَعُ، يَسْمَعُ. فَإِذَا انْتَفَى وَاحِدٌ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ إِمَّا فِي الِاسْتِعَانَةِ الشِّرْكِيَّةِ، أَوْ فِي الِاسْتِعَانَةِ الْمُحَرَّمَةِ، أَوْ فِي اسْتِعَانَةٍ تُسَمَّى لَغْوًا وَبَاطِلًا، لَغْوًا وَبَاطِلًا. كَيْفَ هَذَا؟ مَثَلًا إِنْسَانٌ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا إِنْسَانٌ حَيٌّ عِنْدَهُ لَكِنَّهُ غَائِبٌ، كَأَنْ يَكُونَ مَثَلًا أَنْتَ فِي هُنَا الْبِلَادِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ فِي حَضْرَمَوْتِ فِي الشِّحْرِ، وَهُوَ مَثَلًا فِي عَدَنِ، هُوَ فِي عَدَنَ أَوْ فِي صَنْعَاءَ، فَوَقَعْتُ بِكُمْ صَبَاحٌ، أَعِنِّي أَغِثْنِي كَذَا، وَهُوَ هُنَاكَ، هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْضُرَ؟ كَذَلِكَ حَتَّى مَنْ يَدْعُو الْمَلَائِكَةَ، قَالُوا: لِأَنَّهُمْ غَيْرُ حَاضِرِينَ، وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ، مِثْلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، جِبْرِيلُ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُوَّةً، فَهُوَ يَقْدِرُ مَثَلًا أَنْ يَرْفَعَكَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، أَنْ يُطْفِئَ لَكَ الْحَرِيقَ، أَنْ يُنْجِيَكَ مِنَ الْغَرَقِ، لَكِنْ غَيْرُ حَاضِرٍ. فَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الِاسْتِعَانَةِ الشِّرْكِيَّةِ. فَالِاسْتِعَانَةُ الشِّرْكِيَّةُ فِي أَمْرٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا حَاضِرًا، يَكُونَ حَاضِرًا، يَكُونَ كَذَلِكَ قَادِرًا، قَادِرًا. يَعْنِي إِذَا انْتَفَى الشَّرْطَانِ كَانَتْ شِرْكِيَّةً: حَاضِرٌ، قَادِرٌ، حَاضِرٌ، قَادِرٌ، يَغِيثُكَ، قَادِرٌ عَلَى الْإِغَاثَةِ، قَادِرٌ أَنْ يُعِينَكَ. فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِعَانَةِ، مَا عِنْدَهُ بِيَدِهِ شَيْءٌ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِينَكَ فِي شَيْءٍ، دَخَلَتِ الِاسْتِعَانَةُ شِرْكِيَّةً، شِرْكِيَّةً. كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا، أَنْ يَكُونَ حَيًّا. تَدْعُو مَيْتًا لَا فَائِدَةَ، إِذًا هَذَا الدُّعَاءُ لِلْأَمْوَاتِ يُعْتَبَرُ شِرْكًا. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَأْتِي، يَعْنِي هَذِهِ الشُّرُوطُ مُهِمَّةٌ لِنَعْرِفَ بِهَا مَتَى تَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ وَمَتَى تَجُوزُ كَذَلِكَ الِاسْتِغَاثَةُ، لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ وَالِاسْتِعَاذَةَ وَالِاسْتِغَاثَةَ هِيَ كُلُّهَا طَلَبٌ، طَلَبٌ، طَلَبُ الْغَوْثِ، طَلَبُ الْإِعَانَةِ، طَلَبُ الْمُدَدِ، طَلَبُ النَّصْرَةِ، طَلَبُ الْعِيَاذِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِعَاذَةِ. هَذِهِ لَهَا الشُّرُوطُ هَذِهِ: حَيٌّ، حَاضِرٌ، قَادِرٌ، يَسْمَعُ. إِذَا كَانَ عِنْدِي هَذَا الْإِنْسَانُ، عِنْدِي هَذَا الْإِنْسَانُ لَكِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ أَصَمُّ، أَصَمُّ، حَيٌّ، حَاضِرٌ، قَادِرٌ، لَكِنْ مَا يَسْ