الدرس في شرح كتاب الأصول الثلاثة 9، الدرس التاسع :من :(ودليل التوكل قوله تعالى وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين وقوله ومن يتوكل على الله فهو حسبه ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أدلة التوكل من القرآن الكريم مبيناً أنه عبادة قلبية مختصة بالله، ويعرف حقيقته بتفويض الأمر لله وعدم تعليق القلب بالأسباب بعد الأخذ بها، مع توضيح أن الأسباب لا تستقل بجلب النفع أو دفع الضر بل هي مقدرة من الله وقد يحصل المقصود بها أو بدونها.
يشرح المقطع الفرق بين التوكل الصحيح والاعتماد على الأسباب، مبيناً أن الأخذ بالأسباب واجب شرعاً لكن القلب يجب أن يعلق بالله وحده، وأن التوكل الحقيقي يجمع بين العمل بالأسباب واليقين بأن الله هو المسبب الحقيقي، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وقصة النبي صلى الله عليه وسلم مع السيف.
يبيّن المقطع أن التوكل الصادق على الله مع الطاعة والعبادة يجلب الرزق من حيث لا يحتسب العبد، مستشهداً بقصص مريم ويونس وأولياء الله، ومؤكداً أن الرزق مقسوم ومضمون بأمر الله، وأن طلب العلم الشرعي وصلة الأرحام من أعظم أسباب سعة الرزق.
يؤكد المقطع أن الرزق والبركة بيد الله، وأن على العبد الاهتمام بالطاعة والتقرب إلى الله لا بالانشغال بالأسباب، مستشهداً بقصة سبأ، وحديث قدسي عن غنى القلب، وموقف النبي صلى الله عليه وسلم في بدر حيث اتخذ الأسباب ثم فوض أمره إلى الله بالدعاء، داعياً إلى التوكل الصادق والتوجه إلى الله لدفع المضار وجلب المنافع.
طيب، أخذنا من أدلة العبادات دليل الخوف، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوا مَخَافُونَ﴾، وقوله في الرجاء: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى دليل التوكل، وأن التوكل عبادة، فقال: ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. هذان دليلان من القرآن في أن التوكل عبادة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، فقدم الجار والمجرور ليفيد الحصر، وأن التوكل عبادة قلبية لا تصلح إلا لله سبحانه وتعالى. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، الجار والمجرور هذا متعلق بـ «توكلوا» لأنه فعل، ومعروف في اللغة العربية أن الجار والمجرور إما يتعلق بفعل أو باسم، يعني يعمل عمل الفعل كاسم الفاعل أو اسم المفعول أو أحد ذلك. هنا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، فتقديم ما حقه التأخير يفيد ماذا؟ يفيد الحصر في اللغة العربية، مثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أصلها ماذا؟ «نعبد إياك»، فلما قدم «إياك» دل على أن العبادة لا تختص إلا بالله سبحانه وتعالى، ولا يصرف شيء من العبادات لغير الله عز وجل. فالتوكل على الله من العبادات القلبية، وحقيقة التوكل أنه يجمع شيئين: الأول: تفويض الأمر إلى الله جل وعلا، الثاني: عدم رؤية السبب بعد عمله. هذان أمران يجمعهما التوكل، أن من توكل على الله سبحانه وتعالى معناه أنه فوض أمره إلى الله، كما قال الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾، قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾، وغيره، فالأنبياء فوضوا أمورهم إلى الله وتعلقت قلوبهم بالله ووثقوا به سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا المتوكل على الله لا يرى السبب شيئًا بعد عمله، أي بعد العمل بالسبب، يعني أنه ينظر في السبب أن الله سبحانه وتعالى أمره بالسبب وباتخاذ السبب، لكن يعلم في قلبه أن هذا السبب لا يصنع شيئًا، أن هذا السبب ليس هو الذي يجلب لك النفع أو يدفع عنك الضر، وإنما الذي يفعل ذلك هو الله سبحانه وتعالى. فتلخص من هذا كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في «جامع العلوم والحكم» أن التوكل تعريفه: صدق اعتماد القلب على الله، صدق اعتماد القلب على الله في جلب النفع أو دفع الضر. هذا التعريف للتوكل، أن من اعتمد على الله وصدق في اعتماده على الله سبحانه وتعالى يعلم أن النافع والضار هو الله سبحانه وتعالى، لهذا ما يفوض أموره إلى أحد وإنما يفوض أمره إلى الله، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، هذا قال مؤمن آل فرعون. فإذا واجب على العبد أن يفوض أمره لله سبحانه وتعالى، وأنه كذلك لا يعلق قلبه بالسبب، لأن بعض الناس ربما يتعلق قلبه بالسبب، إذا تعلق القلب بالسبب إما أن يكون التعلق هذا تعلقًا تامًا كليًا فيدخل في الشرك الأكبر، وإما أن يكون ماذا؟ تعلقًا ناقصًا فيدخل في المحرم. فأنت لا تعلق قلبك بالأسباب، لا تعلق قلبك بالأسباب بمعنى: بعض الناس يجعل السبب كأنه هو الموجد لهذا الشيء، وإنما هو سبب قدره الله سبحانه وتعالى، وقد يحصل الشيء لك بدون سبب، وبدون سبب، كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عند حديث: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمُ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا». انظر إلى الطير تروح في الصباح وهي ماذا؟ خماصًا، يعني خالية البطون خاوية، فترجع بعد ذلك وهي ملآة البطون، ﴿وَتَرُوحُ بِطَانًا﴾ ممتلئة شبعانة، لماذا؟ لأنها توكلت على الله سبحانه وتعالى وعملت بالسبب، ما هو السبب؟ أنها سعت، أنها سعت. فالرزق، قال الحافظ ابن رجب: قد يأتي بسبب وبدون سبب، يعني قد أنت تتخذ السبب فيأتيك الرزق بأن مثلا تشتغل تعمل فيأتيك الرزق، وقد لا تعمل تجلس في بيتك فيسوق لك الله عز وجل ماذا؟ الرزق، مثلا تعبد الله سبحانه وتعالى تجلس في المسجد يأتيك رزق، وقد لا يأتيك رزق، فالذي يرزق هو الله سبحانه وتعالى. إذا قدر الله عز وجل لك رزقا فإنه سيأتيك بسبب أو بدون سبب، وهذا معلوم عند كل إنسان عاقل يعلم أنه أحيانا وهو جالس في مكانه أو في بيته فما يشعر إلا وجاءات وأتاءات وقال له: خذ هذا تصدق به عليك، هذا رزق ولا ما رزق؟ خذ هذا الألف، طرقت الباب إلى البيت، أحيانا يأتيك إلى البيت: خذ هذا زكاة، صدقة كذا وكذا، رزق من الله سبحانه وتعالى ساقه إليك، ساقه إليك، فالذي يسوق الأرزاق هو الله سبحانه وتعالى، فقد يحصل لك بالسبب وقد يحصل لك بدون سبب. اتخاذ السبب كما سيأتي أمر ماذا؟ أمر مشروع، أمر مشروع، لكن لا نعتمد على ماذا؟ على الأسباب، إنما نعتمد على الله سبحانه وتعالى، ونعلم أننا إذا عملنا الأسباب فإن هذا السبب لا يعمل شيئًا، بمعنى أنه ليس هو الذي يوجد لنا ذلك الشيء. نعطي مثالًا واضحًا: مثلنا الدواء بالنسبة للمريض، الدواء يعتبر سببًا لماذا؟ للشفاء، والشافي هو من؟ هو الله سبحانه وتعالى، قد يشرب المريض الدواء فيشفى بإذن الله رب العالمين، وقد يشربه فلا يشفى، وهذا معلوم، ولا ما معلوم؟ نحن معلوم في حياتنا هذا، يذهب ذاهب للمستشفى وهو مريض فيعطيه دواء ما ينفع، يقول: ما ما سمن شيء من الدواء، معناه دواء، لأنه ماذا حصل؟ التأخير، تأخير الشفاء، فيعلم العبد أن الشافي هو الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال العلماء: أن السبب قد يحصل المطلوب وقد لا يحصل المطلوب، حصول المرادات والمطلوبات تكون بأشياء، حصول المرادات تكون بأشياء: منها السبب واحد، السبب اثنان: صلاحية المحل، صلاحية المحل وقبول ذلك المحل، الأمر الثالث: هو أن لا يكون هناك شيء من الموانع، أن لا يكون هناك شيء من الموانع تمنع فساد هذا السبب، هذا واضح؟ تمنع فساد هذا السبب. والمثال مثلا الدواء، نحن نمثل ماذا بالدواء؟ إنسان مريض شرب دواء حصل الشفاء بإذن الله رب العالمين، أولا: هو اتخذ ماذا؟ السبب وهو الدواء، الشيء الثاني: أن الكمية من هذا الدواء ناسبت ماذا؟ ناسبت الداء الذي داخل، مثلا بطنه، عنده مغص، عنده كذا في بطنه، فجاءه الدواء، جاء إلى هذا المرض، جاء إلى هذا المرض فوجد المحل قابلًا، قابلًا للدواء، الأمر الثاني... الأمر الثالث: ليس هناك معارض ولا مانع يفسد هذا إيش؟ الدواء، لأن الإنسان قد يشرب شيء آخر يعطل عليه ماذا؟ الدواء، فلما لم يوجد المانع والمعارض لهذا السبب فإنه ماذا حصل الشفاء بعد ذلك؟ بإذن الله رب العالمين. انظر لو كان المحل غير قابل، طبيعته غير قابلة، ربما ماذا؟ ما ما يحصل المطلوب، اتخذ السبب، يقول: أنا شربت الدواء لكن لماذا ما حصل الشفاء؟ بإذن الله رب العالمين، يقول: ربما عندك هناك أشياء أخرى، وهو أن بطنك هذه غير قابلة لماذا؟ للدواء، الشيء الثاني: ربما اتخذت شيئا مانعا ومعارضا لهذا ماذا؟ الدواء فأفسده. وكذلك الإنسان لما يتخذ الأسباب، سواء كانت أسباب الهداية أو أسباب الرزق أو غيرها، فهو يعلم أنها أسباب، الذي قدرها وقضاها هو الله سبحانه وتعالى، ويعلم أن هذه الأسباب قد يحصل بها المطلوب وقد لا يحصل بها المطلوب، لا بد لا تعلق قلبك بالسبب، وإلّا صارت الأسباب مانعًا أن الله سبحانه وتعالى أمرك به باتخاذه. لهذا جاءت عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ماذا يقول؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الأسباب: يقول: الاعتماد على السبب شرك، واحد يعتمد على السبب ماذا؟ شرك، يقول: هذا السبب يجعله الموجد للشيء والخالق للشيء، هو سبب، هذا السبب خلقه الله سبحانه وتعالى وقضاه وقدره، فأنت تتخذ ماذا؟ هذا السبب، بعد ذلك وتجعل هذا السبب بمثابة الخالق سبحانه وتعالى. قال: الاعتماد على السبب شرك، وترك السبب قدح في العقل، وقال الشرع لماذا؟ لأن الله أمرنا باتخاذ الأسباب في آيات كثيرة، قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾، امشوا، اسعوا في الأرض لطلبوا الرزق، والرزق يقدره الله سبحانه وتعالى سواء كان قليلا أو كثيرا. وهكذا قال الله لمريم عليها السلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، مع أنها نفساء، والنفساء ايش؟ بهز يدعي نخلة، نخلة ما تهتز بالسهل، جرب أنت يوما وأنت رجل هز نخلة تسقط لك ثمرة، ما تسقط لك ثمرة، فالنخل قوي، ومع ذلك قال الله عز وجل: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، أليس الله عز وجل بقادر على أن ينزل عليها ثمر بدون أن تهز؟ وماذا تفعل هذه امرأة نفساء؟ لكنه من باب اتخاذ السبب، ويعلم العبد أن هذا السبب إنما هو قضاه الله وقدره، وأنه ليس هو الموجد لذلك الشيء أو الخالق له، وإنما المقدر لذلك الشيء هو الله سبحانه وتعالى. الله عز وجل قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾، أعدوا لهم، والله قادر على أن ينصر لكم بدون عدة، لكن هذه سنة الله سبحانه وتعالى في اتخاذ الأسباب، أننا نتخذ الأسباب وهذا من الشرع، ولكن نعلم في قرارة أنفسنا أنها ماذا؟ أن هذه مجرد أسباب، ولا نعلق قلوبنا بها، فقد يحصل المطلوب وقد لا يحصل المطلوب، إذ كل ذلك بقضاء الله سبحانه وتعالى ومشيئته. فأنت لا ترى في قلبك السبب، تفعل السبب ويقوم في قلبك عدم رؤيتك لهذا السبب أنه ينتج المقصود وحده، أنه ينتج المقصود ماذا؟ وحده، وإنما تعلم أنه جزء، السبب عبارة عن جزء مما ينتج المقصود، والأمر لله سبحانه وتعالى، فلا بد علينا أن نفوض أمورنا إلى الله ونتوكل على الله. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، يعني كافيه، يكفيك همك وغمك ويكفيك من كل شيء، فهو حسبه، ومن كان الله حسبه فماذا؟ فماذا؟ فماذا يعني يكون في نفسه من الهم والغم؟ لا يحزن، من كان الله سبحانه وتعالى معه لا يحزن، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، هذا من باب التوكل على الله، لا تحزن إن الله معنا، فمن كان الله سبحانه وتعالى معه فمن ماذا؟ فمن ماذا يحزن؟ فلا يحزن من شيء. فمن صرف التوكل لغير الله، بمعنى أنه فوض الأمر لغير الله في جلب النفع أو دفع الضر، واعتمد عليه اعتمادًا كليًا فهو مشرك، فهو مشرك شرك أكبر والعياذ بالله. فهكذا التوكل أمره عظيم، أمره عظيم، فجماع الإيمان التوكل كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس توكلًا على الله سبحانه وتعالى. لو لم يكن من توكله على الله إلا أنه قال لذلك الرجل الذي رفع عليه السيف، قال له الرجل رفع السيف على نبينا صلى الله عليه وسلم: «مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟» قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ»، فسقط السيف من يد الرجل، يدل على توكله وأنه اعتمد على الله وصدق في اعتماده على الله، صلوات الله وسلامه عليه، سقط السيف من يده الحال، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟» الرجل الآخر ما عنده توكل على الله سبحانه وتعالى، خلاف النبي عليه الصلاة والسلام، علم أن الذي سيمنعه هو الله، قال: «اللَّهُ»، سقط السيف من يده. فانظروا كيف يكون التوكل في القلوب، أمره عظيم، عبادة قلبية، فنحن نتوكل على الله إن كنا مؤمنين، ولهذا قال الله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، عرف أن هنا ماذا؟ «إن» شرطية، إن كنتم مؤمنين فتوكلوا على الله، هذا تقدير الكلام: إن كنتم مؤمنين فتوكلوا على الله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فالتوكل أمر عظيم من مقامات أنبياء الله عز وجل، حققوا هذا المقام في دعوتهم، وكل مسلم محتاج إلى التوكل على الله سبحانه وتعالى في جلب النفع ودفع الضر. اليوم الناس، والعياذ بالله، وقعوا في ضعف في اليقين والتوكل على الله سبحانه وتعالى، فأكثر الناس يعتمدون على الأسباب الظاهرة، وإن لم يكن اعتمادهم اعتمادًا كليًا، يعني مثلا يعتقد أن هذا السبب هو الموجد لهذا الشيء وحده، أكثر الناس إنما يقعون في الاعتماد على الأسباب من باب أنهم إذا لم يفعلوها أنهم لم يفعلوها فإنهم لن يتحصلوا على الرزق، وما هكذا المؤمن، وما هكذا المؤمن. فبعض الناس مثلا عنده الوظيفة أهم شيء، يقول لك: كيف ستأكل؟ من أين إذا لم تكن عندك وظيفة؟ وبعضهم يقول: من أين ستأكل إذا لم يكن عندك شهادة؟ طيب، هل كان أولئك السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم وكذلك أنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون هذا؟ من أين ستأكل؟ من الذي سيؤكلك إن لم تشتغل؟ من من من كذا وكذا؟ كحال كثير من الناس اليوم، إذا لم يكن عندك شهادة يقولون: من أين ستأكل؟ فهمهم الآن انصرفت إلى الاعتماد على ماذا؟ الأسباب الظاهرة، يعني يرون هذه عظيمة أنك لابد تتخرج ويكون لك شهادة وتشتغل حتى تتحصل على الفلوس، وهذا خطأ، وهذا خطأ عند كثير من ماذا؟ من العوام، نظرتهم نظرة دنيوية ليست نظرة أخروية. ماذا يقول ربنا عز وجل في الحديث القدسي؟ «يَا عَبْدِي تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ يَدَكَ رِزْقًا وَقَلْبَكَ غِنًى، وَقَلْبَكَ غِنًى، يَا عَبْدِي لَا تَبَاعِدْ عَنِّي فَأَمْلَأْ قَلْبَكَ فَقْرًا وَيَدَيْكَ شُغُلًا، وَيَدَيْكَ شُغُلًا». وفي الحديث الآخر أيضًا: «مَن كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَن كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ وَفِي رِوَايَةٍ هَمَّهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ». فبقدر تقرب الإنسان إلى الله عز وجل بالعبادات بقدر ماذا؟ ما يكون رزقه عظيمًا، بقدر ما يكون رزقه ماذا؟ عظيمًا، كلما عبد الإنسان ربه وتقرب إليه وأطاعه فإن مولاه وخالقه يكفيه مؤنته الدنيوية مع ما ادخر له يوم القيامة من الأجر العظيم جزاء صبره وقناعته، قناعته لأنه رضي باليسير، رضي بقضاء الله عز وجل وقدره، فهو تقرب إلى الله بعبادته وبطاعته فيسر له الله عز وجل من الأسباب ومن الرزق ما الله به عليم. انظروا إلى مريم عليها السلام، جالسة في مكان عبادتها، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا﴾، قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، بغير حساب، يرزق من يشاء، يرزق ويعافي فضلا، فضلا منه سبحانه وتعالى. مريم هذه المرأة يأتيها رزقها وهي جالسة في المحراب، سبحان الله، يدل على عظم التوكل عند هذه المرأة، ما بلغ في زماننا هذا من توكلها إلا من رحم الله سبحانه وتعالى من أهل العلم الذين يتوكلون على الله سبحانه وتعالى. كلما قوي إيمان العبد كلما قوي إيمان العبد إجداده توكله، وكلما ضعف إيمان العبد ضعف توكله، لهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، صفات أهل الإيمان، أهل الإيمان، الإيمان الصحيح في القلوب أنهم ما يخشون الفقر، ما يخشون الضياع، فقد رزق الله سبحانه وتعالى يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت، وهو في بطن الحوت ما مكث في بطن الحوت لا ندري كم، لا ندري كم، ما مكث في بطن الحوت، فمن أين يأتيه رزقه؟ فمن أين يأتيه ماذا؟ رزقه إلا أن الله عز وجل يسوق له ماذا؟ رزقه وهو في بطن الحوت. فانظروا كيف يسخر الله عز وجل لأوليائه ولأهل طاعته من العطاء ومن الأرزاق من حيث لا يحتسبون. وقد ثبت في الحديث أن رجلا دخل على زوجته فقال: هل عندكم شيء؟ قالت: ما عندنا شيء، ما عندنا شيء، لا خبز، لا بر، لا لحم، لا لبن، لا سمن، لا زيت، لا شيء، ما عندهم شيء كلها، فقال هذا الرجل ورفع يديه: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا»، فما إن دعا الله عز وجل قال: فإذا الرحى تطحن، الرحى هذه التي للبر تطحن من نفسها، فإذا الحب يخرج منها ماذا؟ مطحونا، وإذا الرحى تطحن، وإذا التنور يخبز، سبحان الله، كرامات لأولياء الله عز وجل، تحصل من أين؟ تحصل لهم هذه الكرامات، «اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا»، بمجرد دعاء تحصل لهم لما قام في قلوبهم من صدق الاعتماد على الله والتوكل عليه. نحن عندنا ضعف شديد في التوكل، ولهذا نخاف على أنفسنا من الفقر، نخاف على أنفسنا الفقر، نبينا صلى الله عليه وسلم ما كان يخشى الفقر، ما كان يخشى الفقر، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كما قال ذلك الراعي أو ذلك الرجل الأعرابي الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وقسم له من الغنائم غنما بين جبلين، غنم كثير، فقال هذا الرجل لقومه: جئتكم، قال: «إِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ»، لا يخشى الفقر، عليه الصلاة والسلام. وهكذا يقسم الأموال كما في حديث عمر بن عوف لما قسم غنائم البحرين، «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَقُولُ: لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ». فالمؤمن الحق المتوكل على ربه ما يخاف أبدا على رزقه لأنه يعلم أن الله عز وجل قد تكفل له بذلك، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، ذو القوة المتين، فرزقك مضمون. يقول النبي عليه الصلاة والسلام كذلك: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَن تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَن تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ رِزْقَ اللَّهِ لَا يُجْرِيهِ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلَا كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ مَا عِندَ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ، بِطَاعَتِهِ». فأنت تقرب إلى الله ولا تخشى أبدا، سيسوق الله عز وجل لك الرزق من حيث لا لا تشعر، من حيث لا تدري، لكن لا تكون ملهوفا على ماذا؟ على الدنيا، فإنه لن يأتيك من الدنيا إلا ما كتب لك، ما كتب لك، فلا تضيع وقتك، لا تضيع عمرك، لا تضيع شبابك في هذا الأمر، فإن الرزق مقسوم، فإن الرزق مقسوم. فبعض الناس يكد ويتعب ويضيع عمره وشبابه فيما لا فائدة فيه، وقد قسم الله عز وجل الأرزاق، فيأتي في الآخرة وصحائف أعماله ليست مليئة بطاعة الله، فماذا استفاد من جريه وكده ولهثه وضيعه لوقته في حياته الدنيا؟ أكل اللقمة في الصباح، أكل اللقمة في الضحى، أكل اللقمة في العشاء، غيرك يأكلها، سواء أكلت جيدا أو أكلت غير جيد، غيرك يأكلها، والمخرج واحد، المخرج واحد، يعني أنه كله يخرج براز، ماشي، يخرج واحد، يأكل تفاح يخرجه تفاح، والثاني يأكل برتقال يخرجه برتقال، كل واحد العصارة واحد، داخل ينهضم، أكلت خبزا يابسا، أكلت روتى، أكلت تفاحا، أكلت وما أكلت لحما، فإنه لن يخرج إلا برازا وغازات والعياذ بالله. فأنت يعني لابد عليك أن تنظر لماذا خلقت؟ لماذا خلقت؟ خلقت لأجل أن تعبد الله سبحانه وتعالى، وأنك تعمل من الأسباب الشرعية ما تقوم به حياتك، ما تقوم به حياتك. طلب العلم الذي قلّ عنده كثير من الناس هو من أسباب الرزق، طلب العلم الشرعي من أسباب الرزق، وطلب العلم الشرعي عبادة، عبادة، لو تقرب الإنسان بعبادة الله سبحانه وتعالى أي بالعلم الشرعي لا رزقه الله، مثل حديث أنس عند الترمذي، جاء شاب يشتكي أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إِنِّي أَنفِقُ عَلَى هَذَا وَهُوَ يَأْتِي عِندَكَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ»، ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ»، حديث صحيح، وفي رياض الصالحين: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ»، ما يسر الله لك من الرزق بسبب هذا طالب العلم. صلة الأرحام عبادة وهي أيضا ماذا؟ من أسباب سعة الرزق، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس وفي حديث أبي هريرة: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». إذن أنا ما سأجد شيء يعني يأتيني إلا بطاعة الله، من الأرزاق أفضل مما أفضل رزق أنك تتقرب إلى الله بطاعته، بصلة الأرحام، بطلب العلم الشرعي، بالمحافظة على الصلوات، المحافظة على العبادات، المحافظة على النوافل. انظروا، انظروا كم ذكر الله سبحانه وتعالى للعابدين والطائعين والمتقربين إليه بطاعته، كم ذكر الله في آياته من أنه ينزل عليهم الرزق في تتقوا الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فتحنا عليهم بركات، هذه بيد الله سبحانه وتعالى، البركات هو الذي يجعل السماء تنطر، وهو الذي يجعل الأرض تنبت. لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال، ﴿كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، ما طلب منهم إلا أن يعبدوه، تقربوا إليه بالعبادة واشكروا له. ما عليك أنت لا تهتم الرزق، سينزل الله عليك هكذا، أنت اهتم بالعبادة، ما أمرك الله به أن تهتم به اهتم به، لا تفكر فيها مسألة ماذا؟ كيف سيأتيني؟ لعله بكرة، ماشي، ماشي، شغل، طحّان، وهو الأسعار طلعت، حديثهم اليوم على الأسعار في مجالسهم في بيوتهم، آه سمن طلع، الرزق طلع، ويجلس يهمر، والله المستعان، وين طاعة الله؟ وين التقرب إليه؟ وين البعد عن المعاصي؟ فاتحين الدشوش، التلفزيونات، الأغاني، التدخين، حلق اللحى، معاصي وسيئات وعدم تقرب إلى الله بالطاعات، ويفكرون يهمرون، هذا الذي يجعلهم دائما هم ماذا؟ إذا طلعت الأسعار شغلهم الشاغل. أهل الطاعة ما يبالون، ولله الحمد، والله ما يبالون، طلعت الأسعار هم، نزلت ما يكترثون بهذا، ولا يجعلون شغلهم الشاغل وتحدثون به في مجالسهم، مجالسهم قال الله، قال رسول، استفيدون فائدة، ووقتهم مشغولة معمورة بطاعة الله، بذكر الله، ويعيشون مثل ما يعيش الناس، ذاك يصيح وهذا ما يصيح، مع أن ذاك عنده أموال ربما تكون عنده الآلاف المؤلفة ويشتغل ليل نهار عشان يجيب اللقمة، وهذا الحمد لله جالس المسجد والرزق ميسر له، سبحان الله، وهو آمن مطمئن لأنه يعلم أن هذا كله بقضاء الله وقدره، وأن الله عز وجل إنما أمره بالتقرب إليه وبطاعته فيسر له الله سبحانه وتعالى من أسباب الرزق، وذاك البعيد عن رب العالمين الذي كذلك ما تقرب إلى الله بطاعته وإنما فعل السيئات والمعاصي، كما قال في الحديث القدسي: قلبه يكون ماذا؟ يكون فقير ومشغول، يداه مشغولة، لكن ذاك قلبه غني وما في يديه إلا رزق، قلبه غني قانع، سواء جاء أكل اليوم ما أكل، قانع بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، قليل وكثير، هذه حياة أهل الإيمان، حياة المتوكلين، حياة المستيقنين. فنحن ينبغي علينا أن نكون يعني بمنزلة من هذه الأوصاف، أوصاف أهل الإيمان وأهل التوكل على الله سبحانه وتعالى، وأن نعتمد على ربنا جل وعلا، نعتمد عليه ونفوض أمورنا إليه، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، ما دام تعلم أن الله بصير بك فلماذا لا توكل أمرك إليه؟ كثير من الناس يقولون: الله سميع، الله بصير، لكن ما يكون عنده يقين بمعنى السميع ومعنى البصير. الله عز وجل ماذا قال لموسى وأخيه هارون؟ ماذا قال لهما؟ قال: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾، يعني كونا متوكلين على الله، أنا معكم أسمع وأرى، فالله عز وجل يسمع ويرى، فهل سيخاف موسى وهارون من فرعون بعدما قال لهم الله عز وجل: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، ﴿لَا تَخَافَا﴾؟ لا تخافا، ففرعون عبد من عباد الله، ناصيته بيد الله، وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن، قلوب العباد كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، فإذا ينبغي أن يكون عندك توكل وإقدام، فإذا كان الله عز وجل معك لا تخاف، لا تخاف أبدا، لا تخاف من الفقر، لا تخاف من العيلة والضيعة، لا تخاف من العدو، لكن هذا يحتاج إلى قوة إيمان، يحتاج إلى يقين وصرف نظر وعدم تعلق بالأسباب، لا نتعلق بالأسباب، نتخذ السبب مع عدم تعلقنا به، بل نوجه أمورنا ونفوضها إلى الله. انظروا نبينا عليه الصلاة والسلام لما كان في يوم بدر، بعد أن هيأ وأعد العدة وجهز الجيش، توجه إلى من؟ ما قال: هذا الذي سننصر به، هذا تكفينا القوة، اليوم نحن قد أعددنا العدة، معنا السلاح، معنا 300 رجل مسلحين، لا، وإنما اتخذ السبب من باب: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، هذه استطاعته عليه الصلاة والسلام، أعد ما أعد، ثم أين توجه؟ السبب يكون قبل ماذا؟ قبل ذلك، فاتخذ السبب ثم توجه إلى خالقه وإلى مولاه، فجلس كما قال، يدعو، علي يقول: جلس النبي صلى الله عليه وسلم يدعو طوال الليل إلى طلع الصباح: «اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعُصَابَةَ فَلَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ، اللَّهُمَّ انْصُرْنِي نَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي»، قال: حتى سقط رداؤه من على ظهره صلى الله عليه وسلم، فجاب بكر، فقال: «يَكْفِيكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ». عكد يكون أهل الإيمان، يكون أهل الإيمان متوكلين، متوكلين على الله سبحانه وتعالى في جلب أرزاقهم، في جلب أرزاقهم فيما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى وما ينتفعون به، وفي دفع المضار عنهم. فأنت لا يدفع عنك السوء والضر إلا الله، فتوجه إليه بقلب صادق، يقين عظيم في قلبك، تعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سينجيك من الشدائد والمهالك، وسيبعد عنك أعداءك، شماتة الشامتين، وحسد الحاسدين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، أنت ما تعلم يا عبد الله تضعيف تمسكين، ما تعلم من يكيد لك، من يمكر بك، من يحفر عليك، من يعني يسوي يعني يخطط في الليل أو النهار من أجل أن يسقطك، من أجل أن يعني تأتي على أم رأسك، هذا الإنسان معرض لهذا من جيرانه، معرض على هذا من كثير من أعدائه، سواء كنا رجالا أو ماذا؟ أو نساء، سواء كنا رجالا أو نساء، الكل مبتلى، ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾، وكان ربك بصيرا، فأنت إذا كان ما تعلم بعدوك، وقد يكون عدوك من الأقرباء، وقد يكون عدوك من الأقرباء أو من الجيران أو من غيرهم ممن لا تشعر به، فمن الذي يصرف عنك كيد هذا العدو ومكره؟ إنه الله. ولهذا أنت لابد عليك أن تلجأ إليه سبحانه وتعالى بالدعاء، بالدعاء، وتدعو الله سبحانه وتعالى في صلواتك: «اللَّهُمَّ ابْعِدْ عَنِّي كِيدَ الْكَائِدِينَ وَمَكْرَ الْمَاكِرِينَ وَحَسَدَ الْحَاسِدِينَ وَشَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ»، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ»، كان يسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيه ذلك كله، وكذلك أنت تسأل الله سبحانه وتعالى وتفوض أمرك إليه، فتتوكل، عبادة