الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 4، الدرس الرابع:من( وتجب الزكاة في جميع أجناس الأجرة المقبوضة ... وبركوب الفرس للجهاد إذا لم يغنموا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ مسألة زكاة الأجرة المقبوضة ومال المضاربة، حيث اختلف العلماء في وجوب الزكاة فيها. كما تطرق إلى جواز اشتراط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح.
يناقش المقطع زكاة المال في عقد المضاربة، حيث يرى أن الزكاة تكون على رب المال وليس على العامل. كما يتناول مسألة زكاة الديون ويناقش التفصيل فيها بين الديون التي يمكن تحصيلها والتي لا يمكن تحصيلها.
يتناول المقطع أحكام زكاة الديون، ويوضح أن الديون الصحيحة تمنع الزكاة إذا كانت على مليء. كما يُشرح أن الأعمال بالنيات، ولا يجوز الاحتيال لإسقاط الزكاة أو غيرها من حقوق الله تعالى.
يُشرح في هذا المقطع حكم إخراج الزكاة في حالات مختلفة مثل المضاربة والشراكة والتجارة بمال الشخص نفسه. يُبين أن إخراج الزكاة في هذه الحالات جائز ولا إشكال فيه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وتجب الزكاة في جميع أجناس الأجرة المقبوضة، ولا يعتبر لها مضي حول، وهو رواية عن أحمد، ومنقول عن ابن عباس. وهذه مسألة أخرى من مسائل الزكاة التي اختلف فيها أهل العلم، وذكرها هنا من اختيارات شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن الزكاة تجب في أجناس الأجرة المقبوضة. والأجرة المقبوضة أي ما كان من أجرة، سواء في عقار أو في غيره، يقبضه صاحبه، فهل فيه الزكاة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من يجعل الزكاة باشتراط دوران الحول وبلوغ النصاب، ومن أهل العلم من ينزله منزلة زكاة الزروع، وأنه يزكى عليه متى ما أخذ وحصد، لعموم الآية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وهنا نقل عن شيخ الإسلام أنه يرى أن فيها الزكاة، وكذلك لا يعتبر لها مضي حول. كأنه يقول: متى ما قبض هذه الأجرة وبلغت النصاب فإنه يزكيها، وأنها رواية عن الإمام أحمد، ونقل عن ابن عباس. ورواية أخرى أنه يشترط لها الحول مع بلوغ النصاب، أي إذا أخذ الأجرة وبلغت النصاب فلا يزكي هذا المال حتى يدور عليه الحول، اللهم إلا إن أضيف إلى مال قد بلغ النصاب، فإنه يلحق بالمال الذي بلغ النصاب فيزكي عن الجميع. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، أنه يفصل فيها، فما كانت من أجرة مقبوضة لم تبلغ النصاب فليس فيها الزكاة مطلقا، وما كان من أجرة مقبوضة لم تبلغ النصاب، ولكنها أضيفت إلى مال بلغ النصاب، فهي مال وهي من جنس المال، وأضيفت إلى مال بلغ النصاب ودار عليه الحول، فهو سيزكي على جميع المال. كما أنه أي صاحب المال إذا خرج عليه مال في أثناء السنة، ولو قبل الزكاة بشهر، فإنه لا يحتسب فيه الزكاة. وكذلك العدل، لو دخل في ماله الذي بلغ النصاب مال جديد، ولو لم يدر عليه الحول ولم يبلغ النصاب، ما دام قد ألحق بمال دار عليه الحول وبلغ النصاب أو بهذا الداخل يبلغ النصاب، فإنه يزكي عليه. وعلى هذا يحمل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لأنه له كلام آخر يدل على اشتراط حولان الحول. وهذا يحمل على الحالة الثالثة، فالحالة الثالثة أجر مقبوضة لم تضف إلى مال حال عليه الحول ولم يبلغ النصاب، يعني ليس هناك مال آخر، إنما الرجل ليس عنده إلا هذه الأجرة المقبوضة. فإذا كانت هذه الأجرة المقبوضة لم تضف إلى مال آخر، فالصحيح أنه لا يزكيها من حين قبضها، بل لابد أن يحول عليها الحول، لأنه إنما امتلكها عند قبضها. ويخرج على هذا فتوى لعبد الله بن عمر رضي الله عنه، وهكذا نقل عن جماعة من الأئمة في زكاة الديون وما كان بمعناه من أرباح التجارات. فقد روى البيهقي في الكبرى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: «زكوا ما كان في أيديكم، وما كان من دين من ثقة أو في يد ثقة فهو بمنزلة ما في أيديكم». وروي عن سفيان الثوري رحمه الله، ونحوه عن إسحاق وأحمد، أنهم سئلوا عن مال المضاربة متى يزكى؟ فقال: إذا قبض. فإذا كان كذلك، علم أن المال إنما يمتلك عند قبضه، فإذا قبض وقد بلغ النصاب وحال عليه الحول، فإنه يزكى. وإذا قبض ولم يبلغ النصاب، فإنه لا يزكى. وإذا قبض ولم يبلغ النصاب وأضيف إلى مال قد بلغ النصاب وحال عليه الحول، فإنه يزكى مع ذلك المال، على التفصيل الذي سمعناه. وهذا هو العدل، والذي تدل عليه عمومات الأدلة في هذا الباب. ويؤيد هذا كذلك ما روي عن عثمان رضي الله عنه، فيما رواه الإمام مالك والبيهقي وأبو عبيد في الأموال عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم». وبهذا يعلم أولا وجوب إخراج الدين قبل الزكاة، وثانيا أن ما على الإنسان من دين ليس فيه زكاة، وثالثا وهذا هو المقصود أن المال يعتبر بقبضه، أن المال يعتبر بقبضه، فإذا قبضه فهو مالك له. وهذه مسألة خلافية، وهذا هو الصحيح فيها. قال: ويصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح، ولا يقال بعدم الصحة، ونقله المروزي عن أحمد، لأن الزكاة قد تحيط بالربح، فيختص رب المال بعمله، لأننا نقول: لا يمتنع ذلك، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر، وبركوب الفرس للجهاد إذا لم يغنموا. وهذه مسألة أخرى من المسائل الخلافية في باب الزكاة، يقول فيها الشيخ رحمه الله: ويصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح. ومعناه: لا يجوز للمضارب وهو العامل الذي يعمل بما لغيره أن يشترط عليه إخراج الزكاة قبل الربح. وهذه المسألة كذلك تحتها خلاف وفروع كثيرة، فروع كثيرة وخلاف كثير. والصواب فيها على هذا الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله. صورتها أولا: رجل عنده مال أعطى هذا المال لإنسان يعمل به، فالأول عنده المال والثاني عنده الجهد، وهو المضاربة. فمتى تكون الزكاة؟ هذا أولا، وهل الزكاة من أصل رأس المال أو من الربح؟ وكل هذا فيه خلاف. والصحيح أنه إذا كان الربح لا يعارض حولان الحول، فإنه يجوز لرب المال أن يشترط أن تكون الزكاة من الربح. وأما إذا كان ذلك يعارض حولان الحول، فالأصل أن الزكاة على صاحب المال، هذا هو الصحيح. وهو الذي نقله كذلك ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد ذكر في الفروع ابن مفلح بكتابه الفروع عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه ذكر أن الزكاة على رب المال، ونقله عن الإمام أحمد رحمه الله فيما ذكره عن الإمام أحمد الإمام المروزي رحمه الله تعالى. فعلى هذا، إذا كان الربح لا يعارض حولان الحول، فيجوز لرب المال أن يشترط، يقول للعامل: الزكاة تخرج من الربح. وأما إذا كان يعارض حولان الحول، يعني مثلا سيأتي الربح متأخرا وقد حال الحول ووجبت الزكاة، فالواجب إخراج الزكاة، لأن الأصل في الواجبات على الفورية، لعموم الأدلة في هذا الباب. ولأنه كذلك كما ذكر في القياس ها هنا، قال: فيختص رب المال بعمله، لأن نقول: لا يمتنع ذلك، ما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر. الظاهر في هذا شيء، فالأصل يختص رب المال بماله، وإنما الذي يختص بعمله هو المضارب، الذي يختص بعمله هو المضارب، أي العامل في هذا المال. وبهذا يصح القياس على المساقاة وعلى الفرس في الجهاد، ففي المساقاة صاحب الأرض المالك للأرض سيشترط ماذا؟ مساقاة مع هذا الإنسان الذي سيسقي له الأرض، وسيعطيه أجرة، بغض النظر أثمرت الأرض أو لم تثمر. وكذلك لو أثمرت الأرض، فالزكاة على من؟ الزكاة على مالك الأرض ومالك الأشجار، وليس على من سقى هذه الأشجار، حتى لو قدر أن الأجرة كانت من الثمرة. فإن زكاة جميع الثمرة الأصل أنها على صاحب المال، فكذلك بالنسبة لعقد المضاربة، الزكاة على صاحب المال، وذاك العامل الذي يعمل بالمضاربة إنما له ماذا؟ الأجرة. وهل على المضارب العامل في هذا المال الذي حصلت فيه المضاربة، هذا بماله وهذا بجهده، هل عليه زكاة في هذا المال الذي يربحه؟ الجواب فيه تفصيل. إن كان ماله الذي يربحه لا يبلغ النصاب فليس فيه زكاة، وإذا كان الربح كثير يبلغ النصاب، ففيه الزكاة بشرط إذا حال عليه الحول. وإذا لم يحل عليه الحول فليس فيه الزكاة. وهكذا المثال الثاني ركوب الفرس للجهاد، فإنه يركب الفارس الفرس للجهاد، وقد يكون الفرس ليس له. فإذا ركب الفرس ولم يغنم، وكان الشرط أن صاحب الفرس له ربح من المغنم، فإذا ذهب عليه ما له، فهذا القياس يصح بهذه المعاني. وأما أن نقول: أنه يلزم من ذلك أن يخرج الزكاة من الربح، وإذا لم يكن ربح فلا زكاة، فهذا ليس بصحيح. أو إذا تأخر الربح تؤخر الزكاة، فهذا ليس بصحيح، لأنه ينافي الواجب الشرعي في هذا المقام. فالواجب أن تخرج الزكاة في وقتها، ما دام المحلل قد بلغ النصاب وحال عليه الحول. وكذلك لأن الأصل في الزكاة إنما هي على رب المال، تأخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم. هذا إذا لم يكن في هذه العبارة شيء من اللبس والخطأ. وإذا كان هناك شيء، فالعمدة والعبرة بما ذكره ابن مفلح رحمه الله في الفروع، فما ذكره ابن مفلح في الفروع هو المنقول عن الإمام أحمد، ونقله رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، من أن الزكاة على رب المال، وهذا هو الأصل. قال رحمه الله: وهل يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء فيه؟ روايتان. ومعنى هذه المسألة: هل يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء، أي كونه يستطيع أن يؤدي، فوجب عليه الزكاة، فيلزمه بهذا الزكاة ولو تلف المال؟ أم أن الزكاة تتعلق بالمال، وأن يكون باقيا موجودا؟ الصحيح هو قالها هنا: فيه روايتان، ولم يذكر شيء، ثم قال بعده: ولو تلف النصاب بغير تفريط من المال، لم يضمن الزكاة على كل من الروايتين، واختاره طائفة من أصحاب أحمد. فاستفدنا من هذا أولا: أن هذه المسألة هل تجب الزكاة بإمكان الأداء فيها؟ تفصيل، التفصيل أنه لو تلف بغير تفريط، فليس عليه ضمان الزكاة. بقي: إذا تلف بتفريط، هل تجب عليه الزكاة؟ ظاهره أنه يوجب الزكاة إذا تلف بتفريط. لأنه قال: ولو تلف النصاب بغير تفريط من المال، لم يضمن الزكاة، يعني حتى ولو قلنا: لأن المسألة الآن قال فيها روايتان، وجوب الزكاة بإمكان الأداء فيها روايتان، رواية تجيب الزكاة، ورواية لا تجيب الزكاة. فعلى الرواية الثانية لا تجيب الزكاة، لا إشكال. وعلى رواية إيجاب الزكاة، فنقلها هنا تفصيل، وهو أنه إذا كان بغير تفريط فلا زكاة، ومفهومه إذا كان بتفريط ففيه زكاة. ولهذا أتبعه فقال: واختاره طائفة من أصحاب أحمد، أي واختار هذا القول طائفة من أصحاب أحمد، تبعا على أحد الروايتين في أصل المسألة، في وجوب الزكاة مع إمكان الأداء. قال رحمه الله تعالى: ولو كان المانع من الزكاة ديونا لم يقم يوم القيامة بالزكاة، لأن عقوبتها أعظم. وهذا الباب إشارة منه رحمه الله إلى من يحتال بالديون في أمر الزكاة. والصحيح في أمر الديون التفصيل، كما تقدم من أن الديون وطبعا مسائل الديون تحتها خلاف كثير وطويل، وفروع عديدة. وخلاصة ذلك أن الديون تنقسم إلى قسمين: ديون في معنى الإمكان والملك، وديون ليس في معنى الإمكان والملك. فما كان على معسر أو مماطل أو مجهول أو غير ذلك مما فيه معنى عدم الإمكان، فهذا ليس فيه الزكاة. وما كان على ملي ويمكن أخذ المال منه، لكن لسبب ما لم يأخذ المال، فهذا الصحيح أن فيه الزكاة. وكيف يزكى؟ ذكر العلماء أنه يزكى بأحد كيفيتين، كما نقل الشيخ الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، كما في الدرر السنية. الكيفية الأولى: أن يزكي إذا قبضه، إذا قبضه يزكيه. والكيفية الثانية: أن يزكيه ولو لم يقبضه، ما دام أنه على ملي. ثم يأتي ها هنا خلاف: هل إذا قبضه فيزكيه؟ أو إذا زكاه ولو لم يقبضه، ما دام على ملي يزكي عن سنة واحدة أو يزكي عن كل السنوات؟ الصحيح أنه إذا كان سيزكي في كل وقت بحينه، فهو سيزكي عن كل سنة. وأما إذا أخره، جاز له على الصحيح أن يزكي عن سنة واحدة، هذا المشهور في كلام كثير من أهل العلم. والأحوط وهو المنقول عن الشيخ الإمام محمد عبد الوهاب رحمه الله، وعن ولده عبد الله بن محمد عبد الوهاب رحمه الله، وهي كذلك في بعض نقولات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه يزكي عن كل سنة، وهو قول الجمهور. هذا لأن المفرط في أخذ هذا المال هو المالك، وليس من عنده الدين، فهو بمثل المال الذي في حوزته. وأما إذا كان هذا على ملي، لكن لا يستطيع أخذ المال منه، فهنا يقال له: ليس فيه زكاة حتى يقبضه. وإذا قبضه زكاه عن سنة واحدة فقط، مثل الدين الذي على الغائب، كما تقدم معنا تفصيله. وبهذا التفصيل يعلم أن الديون الذي تمنع الزكاة هي الديون الصحيحة. وأما الديون التي تجعل حيلا لمنع الزكاة، فالحيل لا تزيد صاحبها إلا إثما وبعدا من الله. فلو أن إنسانا استحدث ديونا لأجل أن يسقط الزكاة، فلا تسقط عنه الزكاة، بل تجب عليه الزكاة، لأن الحيل لا تسقط الواجبات، كما لا تحلل المحرمات، مع إثم فعل هذه الحيل. فهي من صنيع الموضوب عليهم والظالمين من اليهود، ومن سلك مسلكهم. فمثلا لو أن إنسانا كان عنده مال بلغ النصاب، وعلم أنه بعد شهر ستجب عليه الزكاة، فقام يعرض ماله على بعض الفقراء ممن يعرف أنهم يحتاجون للمال: يا فلان تحتاج دين؟ قال: نعم أحتاج دين، خذ هذا دين. يا فلان تحتاج دين؟ قال: نعم أحتاج دين، قال: هذا دين خذ. فإذا جاء عليه وقت الزكاة، قال: خلاص ما عندي مال يبلغ النصاب، ليس علي زكاة. هل تسقط الزكاة على مثل هذا الإنسان؟ الجواب: لا، على الصحيح لا تسقط عنه الزكاة، وهو بفعله هذا يأثم ولا يؤجر. وهذا معنى الحيلة، يعني وله صور كثيرة، وأما إنسان عرض له شيء بغير حيلة، عنده مال بلغ النصاب، ولكن احتاج الناس مثلا مثل هذه الأيام، الغالب في وقت الخريف، الناس يحتاجون إلى أموال لقلة الأعمال، وكذلك شحة أبواب الرزق، فيستلفون. فعرض لهذا الإنسان من يستلف منه، فنقص المال عن النصاب، فجاء وقت السنة وحال الحول، والمال لم يبلغ النصاب، وقد كان قبل شهر أو شهرين بلغ النصاب. فهل هنا نقول: أنه يجب عليك أن تؤدي الزكاة لأنه كان قبل شهرين بالغا للنصاب؟ الصحيح: لا، لأنه لم يفعل ذلك حيلة، وإنما الأعمال بالنيات. فما دام أنه لم يحتال، وليس في هذا شيء، فهو على أصل الحل، ولا حرج عليه في ذلك. ولهذا قال بعده رحمه الله: ولا يحل الاحتيال لإسقاط الزكاة، ولا غيرها من حقوق الله تعالى، لأن الحيلة لا تسقط واجبا، ولا تحل محرما، بل لا تزيد صاحبها إلا إثما وبعدا. ومثال إسقاط الزكاة كما سمعتم، وله أمثلة كثيرة يذكرها الفقهاء في المطولات، وكلها لا تجوز، وإنما الأعمال بالنيات. وهكذا كذلك في حق من حقوق الله سبحانه وتعالى، يعني مثلا إنسان عنده استطاعة للحج، فيحتال على ذلك في كل سنة، أو عليه حق في أي باب آخر من الأبواب الأخرى، يتحايل عليه بأنواع الحيل. فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. والله تعالى أعلم. طيب هذا سائل يسأل يقول: ما هو الراجح في زكاة حلي المرأة؟ الصحيح: أن فيه الزكاة إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، سواء كان ملبوسا أو غير ملبوس، لما روي في هذا الباب من أحاديث، منها ما جاء في السنن من حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في قصة المرأة وابنتها عليها مسكتان غليظتان. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أتحبين أن يسورك الله بهما بسوارين من نار؟» استدل به العلماء على وجوب زكاة الذهب، ولو كان ملبوسا، ما دام بلغ النصاب وحال عليه الحول. وروي معناه كذلك من حديث عائشة رضي الله عنها. يقول: هل تجب زكاة على أموال الدعوة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول؟ الصحيح: أنه ليس فيها الزكاة، أي هذه الأموال العامة. وسيأتي إن شاء الله التنبيه عليه. طيب يقول الرجل: أعطى رجلا آخر مالا يتاجر به ويعمل به لحسابه، ليس للأول من ذلك إلا هذا المال، متى طلبه؟ بمثابة العارية أو الدين؟ فعلى من يجب إخراج زكاة هذا المال؟ يعني كيف يتاجر به؟ إذا كان يتاجر به معنا له ربح، إذا كان هو دين فهو دين، وإذا كان يريد معنى التجارة المضاربة، فالزكاة على صاحب المال، ما دام أنه له ربح من هذا المال. وأما إذا كان دين، فالزكاة عليه بحسب هذا الدين، إن كان على مليء أو كان على غير مليء، فكما تقدم تفصيله. وهذا يسأل عن حكم تحنيط بعض الحيوانات كالشواهين ووضعها للزينة. سمعت شيخنا شيخ أبي العزيز مبازي رحمه الله يقول: الأولى ترك ذلك، فإنه وإن لم يكن صورة، فهو تشبه بالمترفين والمسرفين، ويفتح باب الإسراف والتبذير، وهو صحيح. لأنك اليوم أنت ها هنا لا تخسر عليه شيء، لكن إذا انتشر بين المسلمين، صار ماذا؟ سببا لتوسع الناس في هذا الباب. اليوم يحنطون شيء صغير يسير، وغدا يحنطون شيء كبير، فتبلغ بعضها بالملايين. وقد رأيت بعض الناس يحنط الحيوانات المفترسة، ومثل هذه بكم تمتلك؟ تظنون ها لملايين الملايين، بحجة ماذا؟ بحجة أنه ليس صورة. وقد أفتى الشيخ فلان بأنه ليس صورة، صحيح ليس صورة، لكن هو إسراف وتبذير. وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. يقول: قوله: ويصح أن يشترط رب المال. الظاهر أن صورته ليست في المضاربة، بل إن صاحب المال هو الذي يتجر بماله لا غير، لذا اشترط خروج الزكاة من ربح المال، لا من رأس المال نفسه. الكلام عام، لكن الذي يذكره الفقهاء في هذا الموضع في المضاربة. وسواء قلنا في المضاربة أو قلنا في الاتجار، فالكلام على ما تقدم تفصيله. فإن كان في المضاربة، فهو كما سمعتم من فتوى الثوري، ونحو ذلك كلام ابن مفلح. وإن كان في الشراكة، فهو كذلك. أو يتجر بماله هو، فهو كذلك يخرجه، لأنه هو صاحب المال، فلا إشكال إن شاء الله في هذا. والله تعالى أعلم.