شرح مختصر السيرة  128

شرح مختصر السيرة 128

الدرس في شرح مختصر السيرة 128، الدرس الثامن والعشرون بعد المائة:من( حوداث السنة الثامنة عشرة ... إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التوسل المشروع وأحداث عام الرمادة

في عام الرمادة، استسقى عمر بن الخطاب بالناس وتوسل بدعاء العباس بن عبد المطلب، مما يدل على جواز التوسل بدعاء الرجل الصالح. التوسل المشروع يكون بثلاثة أمور: بدعاء الرجل الصالح، بالعمل الصالح، وبأسماء الله وصفاته.

شروط التوسل ومسألة العدوى والطاعون

يشرح شروط التوسل بدعاء الرجل الصالح، ويبين حكم الدعاء والاستغاثة بالغائبين، ويتناول قصة طاعون عمواس ومفهوم العدوى في الإسلام. يوضح كيفية التعامل مع الأوبئة والخلاف حول الدخول إلى الأرض الموبوءة.

فتوحات عهد عمر بن الخطاب

يتناول فتوحات عهد عمر بن الخطاب من السنة التاسعة عشرة إلى الثانية والعشرين، وتضمنت فتوحات في مصر والإسكندرية وخراسان، بالإضافة إلى أحداث أخرى مثل إجلاء اليهود وموت خالد بن الوليد.

أهمية العلم وفضله

يبرز أهمية العلم وفضله على أهله، حيث يرفع الله تعالى من يمتلكونه، حتى وإن لم يكن لهم ذكر في المجتمع. يشير إلى أهمية العلم في الارتقاء بصاحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال حوادث السنة الثامنة عشرة، قال: ثم دخلت السنة الثامنة عشرة، فيها أصاب الناس مجاعة شديدة وتسمى عاما الرمادة، لكثر ما هلك فيها، وربما أصح لكثرة ما هلك فيها من الناس والبهائم. جوعا فاستسقى عمر بالناس، وسأل العباس أن يدعو الله ويؤمن عمر والناس على دعائه، فأزال الله القحط. أي: هذه السنة فيها أحداث كثيرة قد ذكر أهل السير والتاريخ، بل بعضها جاء في الصحاح والسنن بأسانيد صحيحة. ومن ذلك ما ذكر وأشير إليه من شدة المجاعة التي وقعت، فإنه مر بالناس في هذه السنة قحط شديد عما أكثر الجزيرة، ولهذا اشتد البلاء في الغالب. أن القحط يكون في بعض البقاع دون بعض، فيرزق الناس بعضهم بعضا، يبيع هؤلاء لهؤلاء ويأخذ هؤلاء من هؤلاء. لكن كون أكثر الجزيرة أو كلها لم ينزل فيها قطرة ماء، هذا أمر شديد. وأكثر الناس إنما يعتمدون على ماء الأمطار، فليس عندهم أنهار ولا عيون كسائر البلاد. فأكثر الجزيرة صحراء كما يعرف، فلذلك كانت سنة شديدة على الناس. حتى كان عمر رضي الله عنه كما صح وذكره البخاري في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن عمر: كان يرسل إلى الأعراب لكثرة من يموت من شدة الجوع، يرسل بالرواحل عليها بعض الأطعمة. فلما اشتد الأمر ولم يجد حتى أهل المدينة ما يأكلون، باشر الناس يؤثر بعضهم على بعض، القوي للضعيف. حتى قيل: إن عمر رضي الله عنه أنضى شهورا وهو يصوم، رضي الله عنه أرضاه. وربما تمر عليه بعض الأيام إذا جاء وقت الفطر لا يجد أن يفطر إلا على كسرة خبز وشيء من الزيت. ومع ذلك إذا أراد أن يفطر أمر به أن يرسل إلى بعض أهل المدينة - أي الضعفاء الفقراء - فرضي الله عنه أرضاه، وعن سائر الصحابة أجمعين. وفيها كما ذكر، وقعت قصة الاستسقاء التي يستدل بها المتصوفة، فزعموا أن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس، فدل ذلك على التوسل بالرجل الصالح. وهذا ليس كما يزعمه المتصوفة وكما يريدون. وإنما إن كان فيه شيء، ففيه جواز التوسل بدعاء الرجل الصالح. والتوسل المشروع الذي دلت عليه الأدلة هو ما كان بأحد ثلاث خصال. التوسل بدعاء الرجل الصالح أولا، عام التوسل للمشروع ثلاثة. نعم، التوسل للمشروع ثلاثة. بالعمل الصالح مثل عمل الصالح. ثاني ذلك من القرآن كثير، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، هذا من التوسل بالإيمان، وهو عمل صالح. بأسماء الله وصفاته. والثالث بدعاء الرجل الصالح. ودعاء الرجل الصالح يكون بشروط. أن يكون حيا قادرا حاضرا، قادرا فيما يقدر عليه. فليس يكون الدعاء دعاء الرجل الصالح ميتا. فإذا جئت إلى الميت وقلت: ادعو الله لي، فأنت تخاطر. ميت لا يسمع ولا ينفع. فأنت أحد رجلين: إما في عقلك شيء أو في دينك شيء. لأن إذا كان عقلك صحيحا فدينك غير صحيح، إذ أنت ترى وتظن أن هذا الميت يملك ما ليس للناس والمخلوقين، فجعلت له بعض ما هو لله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك حاضر لا غائب، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله. فإن جعلته للغائب كان هذا معناه وصف المخلوق بشيء مما هو لله. ولهذا يقول العلماء: التوسل بدعاء الرجل الصالح له شروط: أن يكون هذا الرجل الصالح حيا وحاضرا، ودعائه فيما يقدر عليه ابن آدم أو فيما يؤذن لمثله. وكذلك هذه القصة ليس معناها أن عمر لم يدعو، فقد ثبت في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن عمر: أن عمر رضي الله عنه رفع يديه فدعا قبل العباس. وكان من دعائه: «اللهم اجعل رزقهم على رؤوس الجبال». قال عبد الله بن عمر: فاستجاب الله له وللمسلمين، يعني فنزل المطر، ففرج الله عز وجل عن المسلمين. قال رحمه الله: وفيها وقع طاعون عمواس بالشام، وقد هلك فيه خمسة وعشرون ألفا، ومات فيها أبو عبيد عامر بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم. فلما بلغ عمر موتهم أمر على الشام معاوية بن أبي سفيان. وطاعون عمواس كذلك جاء ذكره في أحاديث كثيرة، وذكره أهل السير والتاريخ، وفيه أحداث ووقائع، ومنها موت خيار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومنهم هؤلاء الثلاث المذكورين. وفي طاعون عمواس وقع خلاف الصحابة في قضية الدخول إلى هذه الأرض، حتى قال بعض الصحابة حين منعهم عمر رضي الله عنه وأرضاهم عن دخولها: «يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله؟» فأجاب إجابة العالم الواثق، رضي الله عنه أرضاه، فقال: «نفر من قدر الله إلى قدر الله، نفر من قدر الله إلى قدر الله». لأن الله هو الذي أمر أن لا يدخل المسلمون أرضا وقع فيها الطاعون، وأن لا يخرج من أرض وقع فيها الطاعون. وفي هذا حكمة، وذلك حتى لا ينتشر هذا الطاعون، فيكون سببا للإضرار بالآخرين. وفيه كذلك العمل بالأسباب، أي الأسباب القدرية الكونية فيما يتعلق بدفع الأوبئة. ولا ينافي ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة». فإنه أراد عليه الصلاة والسلام نفي العدوى على اعتقاد أهل الجاهلية، وهو ما كان بأحد أمرين. إذ كان أهل الجاهلية يعتقدون أن الشيء يعدي بأصله لا مشيئة لله في ذلك، فهذا المعنى هو المنفي. ولكن الأمر لله سبحانه وتعالى أولا وآخرا. ولا ينافي ذلك كون الإنسان يبتعد من أسباب العدوى. ولهذا قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». وقال عليه الصلاة والسلام - والحديث في البخاري معلقا، وجاء موصولا خارج صحيح البخاري من حديث أبي هريرة صحيحا -: «لا يوردن ممرض على مصح». وهذا من هذا الباب. وأما المعنى الثاني، فهو أن يقع في القلب ضعف ورهبة بمبالغة الإنسان في تعلقه بالسبب وخوفه منه. بل ينبغي أن يكون من تمام توكل الإنسان على ربه سبحانه وتعالى أنه إذا ابتلي بالأسباب، وقد اجتهد وبدل الوسع في الحذر منها، إذا ابتلي بها فلا ينبغي أن يدخل في قلبه رهبة منها. بل يعلم أن الذي جعل وخلق هذه الأسباب قادر على أن يدفعها. فلذلك لعظيم توكله بربه لا يبالي بإقبالها وإدبارها. يعني ربما وعظ الناس من شدة الخوف إذا وقع الطاعون في أرض وهو فيها مات قبل موته من شدة خوفه. وربما يخالف الشرع، ففرارا من الطاعون يخرج من الأرض التي هي فيها، وهذا خلاف الشرع. أنت مأمور إذا ابتليت بأرض فيها طاعون أن لا تخرج من هذه الأرض، كما أنه العكس إذا ابتلي ناس بطاعون في أرض أنت مأمور أن لا تدخل إليها. وبهذا المعنى تجتمع الأدلة. قال رحمه الله: حوادث السنة التاسعة عشرة، ثم دخلت السنة التاسعة عشرة، فتح فيها فتوح كثيرة شرقا وغربا. وفي عهد عمر رضي الله عنه كثرت الفتوح، حتى فتح - كما سيأتي - بلاد كثيرة واسعة. ذكر أنه فتح الله عز وجل على يدي عمر أكثر من ألف موضع وبلاد من بلاد الكفار. قال حوادث السنة العشرين، ثم دخلت السنة العشرون، وفيها فتحت مصر والإسكندرية. وفيها أجل عمر رضي الله عنه اليهود من الحجاز إلى أذرعات وغيرها، يعني من أطراف الجزيرة، فأجلاهم من حول المدينة إلى أطراف الجزيرة. وفي قصة إجلاء اليهود كذلك وقائع أحداث كثيرة، بعضها في كتب السنة، وبعضها في كتب السيرة والتاريخ. والمؤلف رحمه الله يذكرها هنا إشارات مختصرة لهذه الأحداث الكبيرة التي وقعت في هذه الأعوام. قال حوادث السنة الحادية والعشرين، ثم دخلت السنة الحادية والعشرون، وفيها كان فتح نهاوند، وأميرها النعمان بن مقر، وقتل يومئذ. وفيها وقعت ما يذكره أهل التاريخ والسير في قصة سارية بن حسين، إذ سمع المسلمون نداء فيه صوت كصوت عمر: «يا ساري الجبل، يا ساري الجبل». والحديث الصحيح أنه لم يصح، أو الأثر الصحيح أنه لم يصح. ويذكره كثيرا أهل السير والتاريخ، ويجعلونها من كرامات عمر رضي الله عنه أرضاه. وهي ليست على الله بعزيز، ولا عن عمر رضي الله عنه أرضاه بغريب، لكنها لم تصح. قال: وفيها مات خالد بن الوليد رضي الله عنه بحمص، يعني في سنة إحدى وعشرين. وفيها مات عمر بن معدي كرب، وطليحة بن خويلد الأسدي الذي كان تنبأ ثم أسلم وحسن إسلامه، وأبلى في قتال الفرس بلاء حسنا، قتلا مع النعمان بن مقر بن نهاوند. قال حوادث السنة الثانية والعشرين، ثم دخلت السنة الثانية والعشرون، وفيها دخل الأحنف بن قيس خراسان، وحارب يزدجرد آخر ملوك الفرس، فهزمه الله تعالى فيها. وكانت آخر بلاد الفرس فتحا، وبه فتح الله عز وجل على المسلمين سائر بلاد الفرس. وكانت من أعظم الحروب ما قبلها، وهي حرب نهاوند. وعد أن فتح الله عز وجل عليه من نهاوند ضعف الفرس جدا، فكان بعد ذلك ما كان في خراسان. وعندها كانت هزيمة آخر ملوك الفرس يزدجرد. قال: وفيها اعتمر عمر رضي الله عنه، فتلقاه نافع بن الحارث، وكان عامله على مكة، فقال له عمر: من خلفت؟ قال: ابن أبزة. قال عمر: ومن ابن أبزة؟ قال: مولى لنا، إنه قارئ للقرآن، عالم بالفرائض. قال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع به آخرين». وكما أشار بالتعليق، الحديث أصله بالصحيح. ففي هذه السنة حصلت آخر الفتوح لبلاد الفرس، وكان بها كذلك اعتمار عمر رضي الله عنه. وقيل: كان شكرا لله سبحانه وتعالى على ما فتح الله عز وجل عليه وعلى المسلمين. وفيها كذلك هذه القصة التي فيها فضل العلم أهله، وكيف أن الله عز وجل يرفع به من قد لا يكون له الذكر في المجتمع. وهذا من فضائل العلم. نكتفي بهذا وإلى هنا. والله تعالى أعلم.