تذكير الآباء بفضل صلاح الأبناء

تذكير الآباء بفضل صلاح الأبناء

الخطبة بعنوان تذكير الآباء بفضل صلاح الأبناء، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19 ذو الحجة 1447هـ الموافق 5 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

نعمة الأبناء وواجب تربيتهم ودعاء الوالدين لصلاحهم

يتناول المحور نعمة الأبناء كأعظم النعم التي تستوجب العناية والرعاية، ويبين أن صلاحهم يجلب برهم ودعاءهم للوالدين في الدنيا والآخرة. ويؤكد على أهمية دعاء الآباء لأبنائهم بالهداية اقتداءً بالأنبياء، مع اختيار البيئة الصالحة وكون الوالدين قدوة حسنة في القول والعمل أساساً للتربية السليمة.

مكانة المرأة في الإسلام وحقوقها وولاية الرجل عليها

يستعرض المحور تكريم الإسلام للمرأة في أدوارها المتعددة بوصفها بنتاً وأختاً وزوجةً وأماً، مبيناً الأجر العظيم في الإحسان إليهن وضرورة ولاية الرجل لحمايتهن ورعايتهن. وينظم العلاقة الزوجية بآليات الإصلاح والطلاق، ويفرض الحجاب ومنع الاختلاط والسفر بلا محرم، محذراً من مخططات هدم الأسرة، مختتماً بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً.

الدعاء الختامي بالهداية والتقى والنصر على الأعداء

يختتم الدرس بدعاء جامع يطلب فيه الهدى والتقى والعفاف والغنى، ويستنصر الله على أعداء الإسلام برد مكرهم وكيدهم. ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن نعم الله علينا كثيرًا، وآلائه علينا جسيمة، وإن كثيرًا من الناس عن هذه النعم لغافلون، وعن شكرها لمقصرون. وإن من أعظم النعم المهملة التي تحتاج منا إلى زيادة عنايةٍ ورعايةٍ واهتمام نعمةُ الأبناء. فالأبناء يا عباد الله نعمةٌ من الله يهبها لمن يشاء من عباده، ويحرمها من يشاء من عباده. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾. فمن رزق الأولاد فتلك نعمة، وإن كانوا صالحين فتلك نعمةٌ عظمى ومنحةٌ كبرى. يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: «من أكبر نعم الله عز وجل على عبده أن يهب له ولداً صالحاً، فإن كان عالماً كان نوراً على نور». كيف يا عباد الله لا يكون الأولاد الصالحون نعمةً عظمى ومنحةً كبرى، وبصلاحهم ينال الأبوان برهم وطاعتهم ونفعهم وإحسانهم في الدنيا؟ وهذا ما أوصى الله به الأبناء وأوجبه عليهم تجاه آبائهم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾، ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ﴾، ﴿ فَقَالَ تَعَالَى وَإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾. وهكذا كيف لا يكونوا الأولاد الصالحون نعمةً عظمى ومنحةً كبرى، وبصلاحهم ينال الأبوان دعاءهم واستغفارهم في الدنيا وبعد مماتهم؟ قال الله عز وجل: ﴿ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم من حديث أبي هريرة: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، وذكر من هذه الثلاث: «ولد صالح يدعو له». وجاء عند ابن ماجة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإن العبد ليرفع الدرج في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك». فالأولاد يا عباد الله غرس حياة، وقطوف أمل، وقرة عين للإنسان. إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض، إن هبت الريح على بعضهم امتنعت عيني عن الغمض. الأولاد يا عباد الله تجارة كبرى، ومعلوم أن التجارة الكبيرة تحتاج منا إلى صبر ومشقة وعناء. فلتعلم أيها الأب الكريم أن تربية الأبناء والعناية بهم تحتاج منك إلى صبر ومصابرة، فهي من أشق الأمور وأصعبها، لا سيما في هذا الزمان الذي كثر فيه الانفلات وتعددت فيه الفتن وأصناف المغريات. أيها الأب الكريم، لتعلم أن ما من خير أو صلاح تقوم به في تعليم أولادك فهو في ميزان حسناتك، فإن الولد من كسب وسعي والديه. أيها الآباء الكرام، لا شك ولا ريب أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، وما عليك يا عبد الله بعد توفيق الله عز وجل لك إلا أن تتخذ الأسباب المعينة على صلاح أولادك. فمن أعظم هذه الأسباب - وقد علمت أن الهداية من الله سبحانه وتعالى - فتضرع إلى الله واطلب هداية وصلاح أبنائك من الله، فدعاء الوالدين له آثار عظيم في صلاح الأبناء، فإن دعوة الوالدين مستجابة لأولادهم، كما جاء عند الإمام البخاري في الأدب المفرد، ويصحح العلامة الألباني من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده». فهي دعوة مستجابة. وكان الأنبياء والمرسلون وعباد الله الصالحون يتضرعون إلى الله عز وجل، ويدعون الله سبحانه وتعالى أن يهب لهم الذرية الطيبة الذرية الصالحة. فهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام يدعو فيقول: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾، ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾، إنه الذبيح إسماعيل عليه السلام، وكان حقا من الصالحين، إذ بلغ به بره أن قدم نفسه رخيصة طاعة لله وبرا بوالده. وهكذا يدعو إبراهيم عليه السلام فيقول: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾. ودعا كذلك لذريته فقال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾، أي: واجعل من ذريته من هو مقيم الصلاة. فهل دعوت لولدك أن يكون من أهل التوحيد؟ هل دعوت لولدك أن يكون من أهل الصلاة؟ هل دعوت لولدك أن يكون من أهل الصلاة؟ وهذا نبي الله زكريا يدعو ربه فيقول ويتضرع إليه فيدعو بهذا الدعاء: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾. وهكذا امرأة عمران تدعو بأن الله يعصم ابنتها مريم من الشيطان، فتقول: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾. وهكذا ذاك العبد الصالح يدعو بصلاح ذريته فيقول: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾. وهكذا عباد الله الصالحون الذين يمشون على الأرض هون، كان من دعائهم: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾. وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما عند النسائي ويصحح العلامة الألباني، يأتي بكساء ويدخل فيه ابنته فاطمة وعليًا والحسن والحسين، ويقول: «وقد غط هذا الكساء هؤلاء، اللهم أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا». ويدعو لابن عمه فيقول: «اللهم علمه، اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل». وكم من دعوات للصالحين بصلاح أبنائهم، فتضرع إلى الله يا عبدالله بأن يصلح الله ولدك، وتذكر في دعائك أولادك، فأشركهم في دعائك. وهكذا يا عباد الله من أسباب صلاح الأبناء إصلاح البيئة التي يعيشون فيها، من رفيق صالح ومن بيت صالح، فإن الولد يتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه، فإن صاحب الأخيار كان خيرا صالحا، وإن صاحب الأشرار كان شريرا فاسقا. وقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فاختر لولدك الصحبة الصالحة، اختر لولدك صحبة الأخيار، صحبة أهل القرآن، صحبة أهل بيوت الله عز وجل، فإن الله سيصلحه بهداية القرآن وبنور القرآن، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، وسيؤثر فيه هذا القرآن شاء أم أبى. وهكذا هيئ له المسكن الصالح البعيد عن مواطن الفساد. إياك إياك أن تدخل في بيتك ما يفسد أولادك من التلفاز أو الجوال المفتوح من غير رقيب ولا حسيب، فإن من يعطي ولده هذا الصاحب من غير مراقبة ومن غير محاسبة ومن غير متابعة فكأنما يعطيه جمرة من نار تحرق عليه دينه وتحرق عليه أخلاقه وتذهب عنه فطرته التي فطرها الله عليه. فالحذر الحذر يا عبد الله من تلك البيئات الفاسدة، وليكن ولدك مع أهل مع أهل الخير والبر والصلاح. وهكذا يا عباد الله من أسباب صلاح الأبناء صلاح الآباء. كن صالحا أيها الأب، فأنت قدوة حسنة لأولادك. فكيف ترجو أن يسمع لقولك وأن يمتثل لأمرك وأنت فعلك يخالف قولك؟ قبيح بك أيها الأب المبارك أن تأمر أولادك بالصلاة وأنت تتكاسل عنها وتتهاون بها. قبيح بك أيها الأب المبارك أن تأمر أولادك بالصدق وأنت تكذب. قبيح بك أيها الأب المبارك أن تحذر أبناءك من تعاطي القات أو السجائر أو الشمة وأنت تتعاطاها. وهكذا أيها الأم المربية، إياك إياك أن تأمر ابنتك بالحجاب وأنت لا تتحجبين، أو أن تأمر ابنتك بالقرار في البيت وأنت خراجة واللاجة، أو أن تأمر ابنتك بالحشمة والعفاف والستر والحجاب وأنت لا تتحجبين. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾. إن صلاح الآباء وتربيتهم لأبنائهم بالاستكثار من الطاعات وبالتقرب إلى رب البريات من أعظم أسباب حفظ الذرية في الدنيا بل وبعد الممات. ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾. وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾، في هذا الموطن العصيب تبشرهم الملائكة بقولها: لا تخافوا على ما أنتم مقبلون عليه من أهوال ومن شدائد ومن شدائد عظم، ولا تحزنوا على ما تركتم في هذه الدنيا من أهل وأموال. كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يجلس مع ولده واعظا وناصحا ومذكرا، ويقول له: «يا بني، والله إني لأزيد في صلاتي من أجلك، إني لأزيد في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك». فصلاح الآباء من أعظم أسباب صلاح الأبناء. الأبناء يقتدون بآبائهم، فإن كانوا صالحين صلحوا بإذن الله عز وجل. الأبناء، أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، ولقد حرص الإسلام على زيادة العناية بالبنات والأخوات، وقد رتب على حسن تربيتهن الأجر العظيم ورغب في ذلك. فقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من ابتلي بشيء من البنات فأحسن إليهن كن له سترا من النار، كن له سترا من النار». وفي رواية، وفي رواية خارج الصحيح عند الإمام أحمد من حديث جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كن له ثلاث بنات أو أخوات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن إلا وجبت عليه الجنة البتة، إلا وجبت له الجنة البتة». فقال الصحابة: يا رسول الله، واثنتين؟ أو إن كن اثنتين؟ قال: «وإن كن اثنتين». قال الراوي: فلو قيل له: وإن كانت واحدة لقال: وإن كانت واحدة. صححه العلامة الألباني يرحمه الله تعالى. فانظروا يا عباد الله إلى أجر وفضل إيواء البنات والأخوات والضعيفات، فلابد للمرأة من قيم يقوم عليها، فلذلك فإن الشرع الحكيم لم يأذن للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، لأن المحرم يحفظها، ولأن المحرم يدافع عنها. فلا يرخص الإسلام في امرأة تصرف نفسها بنفسها وتقوم على نفسها، حتى في النكاح لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها، لا نكاح إلا بولي. بل ذكر الفقهاء: إن لم يكن لها ولي فإن القاضي وليها، لا يجوز لها أن تستقل بزواج نفسها، لتعلم حاجة المرأة الماسة إلى الرجل. ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾. فإذا نشزت الزوجة فإن الإسلام قد بين كيف يعالج هذا الأمر، لا يعالج بأن تستقل المرأة وتهرب من زوجها أو من وليها وتذهب لحالها، أبدا. إن أمكن الإصلاح يؤتى برجل من أهلها ورجل من أهله، ﴿ إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾، وإن لم يقع الصلح فالطلاق، فوليتها يقوم بشؤونها بعد أن يطلقها زوجها. ليس الأمر هكذا خوضا تذهب المرأة متى ما اختلفت مع زوجها أو مع أخيها أو مع أبيها، فلا حفظ للمرأة إلا تحت كنف ولي من الرجال، ولا يجوز للرجل أن يعضلها أو أن يظلمها أو أن يعنف عليها، فقد حرم الشرع ذلك، وجعل تربية النساء في حدود لا يتجاوزها الرجال من الوعظ أو كذلك الهجر أو الضرب الخفيف غير المبرح، كضرب الكف، الضرب بالكف في موضع لا يؤلم. راعى الإسلام ذلك، فليس من العنف في الإسلام يا عباد الله أن تختار المرأة لنفسها التبرج، فإذا منعت قيل: هذا كبت لحريتها، أو هذا عنف لرغبتها، أبدا. فقد أمر الله عز وجل المرأة بالستر، وأمر الرجال بأمر نسائهم ومن تحت أيديهم بذلك، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ﴾. ليس من العنف أن تختار المرأة لنفسها الاختلاط بالرجال وأن تعمل في محيط مختلط بالرجال الأجانب. ﴿ إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾، ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾. ليس من العنف يا عباد الله أن تمنع المرأة من السفر وحدها دون محرم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم». فما أمر به الشرع ليس من العنف كما يصوره أعداء الإسلام. إن أعداء الإسلام يريدون من المرأة المسلمة أن تكون مثل المرأة الأجنبية، إذا بلغت الخمسة عشر سنة فإنها تنفصل عن أبيها وعن أسرتها، ولها الحرية أن تفعل في نفسها ما تشاء، وأن تخادن، وأن تصاحب من تشاء من الشباب. فهم يريدون من المرأة المسلمة أن تكون كذلك، فأتوا بتلك الأمور الغريبة العجيبة في مجتمعات أهل الإسلام، كبناء دور الإيواء للمعنفات بزعمهم. ومن هن المعنفات يا ترى؟ هل هي اليتيمة المسكينة التي لا أب لها ولا أم تحتاج إلى رعاية فيبنى لها بيت مستقل وتكرم به؟ لا والله، إن المعنفات هي التي تتمرد على زوجها أو تتمرد على وليها. فلنحذر يا عباد الله من هذه الخطط الخبيثة الماكرة من قبل أعداء الإسلام، ولنربي أبناءنا وبناتنا وفق شريعة الإسلام، لا إفراطا ولا تفريط، فلم يترك لنا الإسلام خللا ولا عيبا ولا نقصا في تربية أبنائنا وفي تربية بناتنا وفي تربية زوجاتنا. فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة سواء كانت زوجة أو أم أو أخت أو بنت كما سمعتم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرا». فالمرأة في الإسلام مكرمة معززة، ملكة في بيتها، فهي راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، وأما الأم فهي تاج الرؤوس، وهي من أعظم الخلق حقا بعد حق الله سبحانه وتعالى، وأما البنت فقد سمعت فضل وأجر الإحسان إليها وإيوائها وتربيتها، وأما الأخت كذلك فقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الأخت مع البنت في حسن تربيتها والإحسان إليها. أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم عليك بأعداء الإسلام، اللهم رد مكرهم في نحورهم، اللهم رد مكرهم في نحورهم، يا أرحم الراحمين. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.