الدرس في كلمة الأخ الفاضل محمد الخدشي، الأربعاء 6 شوال 1431هـ بمسجد الحبش بالديس الشرقية . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
افتتح المتحدث الجلسة بالشكر والدعاء، مؤكدًا على التعاون على البر والتقوى، واستعرض نصيحة الشيخ بأن الدعوة تقوم على العلم والرفق والاجتهاد. ضرب مثالين من سيرة النبي ﷺ: تعامله الهادئ مع الأعرابي الذي بال في المسجد، وقوله: «بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين» دليلًا على الرفق والتيسير.
برزت رحمة النبي ﷺ وحكمته حين نها الصحابة عن زجر الأعرابي الذي بال في المسجد، مراعيًا جهله وحداثة عهده بالإسلام، وخوفًا من انقطاع بوله أو انتشاره. ثم أمر بصب الماء على الموضع، فتم التنظيف بسهولة، مقدمًا نموذجًا راقيًا في الدعوة بالرفق والسياسة الحكيمة.
أبرز المقطع منهج النبي ﷺ في الرفق والحكمة عند تعليم الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث نهاه بلطف وبين له وظيفة المساجد. كما سرد قصة ثمامة بن أثال الذي أسلم بعد أن عامله النبي ﷺ بالإحسان واللين أثناء أسره في المسجد، فتغيرت مشاعره من البغض إلى الحب، ودخل في الإسلام طواعية.
اختتم المتحدث الجلسة بالدعاء بالتوفيق للجميع، مشيرًا إلى أن القصة لم تنتهِ لكن ضيق الوقت يمنعه من الاستمرار. وختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، وأصلي وأسلم وأبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، أيها الناس: فنحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعم الطيبة العظيمة المباركة التي نتمتع بها ونتقلب بها، والفضل لله وحده. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾. ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾. فالحمد لله الذي يسر لإخواننا جميعًا في هذه المنطقة وما جاورها لهذا اللقاء المبارك، ولهذا الاجتماع الطيب، ما شاء الله تبارك الله. ولله الحمد والمنة على هذا الخير، وعلى هذه اللقاءات والزيارات، وهذه المجالس المباركة الطيبة القائمة على كتاب الله، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى فهم السلف الصالح. والفضل لله وحده. الحمد لله على ذلك، ونحمده سبحانه أن يسر وسهل ووفق لنا بزيارة آبائنا وإخواننا في هذه المحافظة وهذه البلدة الطيبة، والحمد لله على ذلك. سمعتم الخير الكثير، بما فيه الكفاية. ولولا أن ذكروني باسمي ما قمت، فما سمعنا إلا خيرًا، وفيه الكفاية، فقد كفوا وشفوا. لكن من باب المشاركة، ومن باب قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾. وأخيرًا سمعتم إلى كلمة شيخنا العلامة الوالد أبي إبراهيم محمد بن عبد الوهاب الوصابي، حفظه الله تعالى. وما أحسن هذه الكلمات والنصائح التي سمعناها منه! يا سبحان الله، وما تقوم الدعوة إلى الله جل وعلا إلا بهذه الأمور التي ذكرها: علم ودعوة برفق ولين، وقد واكتهاد. ما تقوم الدعوة إلا بذلك، ما تقوم الدعوة إلا بذلك. ولضيق الوقت نضرب مثالين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رفقه في الدعوة إلى الله جل وعلا، وحكمته عليه الصلاة والسلام. روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس، وبمعناه وبنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه انفرد به الإمام البخاري: أن رجلًا أعرابيًا دخل المسجد، فبال في ناحية من نواحي المسجد، بال في طائفة من المسجد في ناحية من النواحي. قال أنس: فزقره الناس، فزقره الناس. فقال عليه الصلاة والسلام: «دعوه، دعوه، ينتهي من بوله». فلما انتهى من بوله، أمر عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء، فأتي به، فصب على البول. ثم قال له: «إن هذه المساجد لم تبنَ لذلك، إن هذه المساجد لم تبنَ لذلك». وقال من حديث أبي هريرة: «بُعثتم ميسرين، ولم تُبعثوا معسرين». فاسمعوا يا أيها الناس إلى هذا الحديث العظيم، وإلى رفقه وحكمته عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله. هذا الأعرابي، والغالب في الأعراب الجهل، دخل المسجد فبال في طائفة من المسجد، جلس وبال، جلس وبال في المسجد، وقد يكون بال قائمًا. فمن عادة... فمن عادة الناس من خالف المروءة وإن لم يخالف الشرع، من عادتهم أنهم ينكروا ذلك. فهذا خالف شرع الشرع، وخالف العرف، لولا الجهل. فزقره الناس، زقره الناس، أنكروا عليه بالألسنة. فإن المنكر يغير باليد، أو باللسان، أو بالقلب. فزقره الناس، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا يدل على رحمته ورفقه وشفقته ورأفته بهذه الأمة المباركة الطيبة، ويدل على حكمته عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله. فهذا الرجل بحاجة إلى تعليم، وبحاجة إلى رفق. الرجل حديث عهد، والعلماء ذكروا أمورًا لماذا عليه الصلاة والسلام تركه ينتهي من بوله. منهم من قال: تأليفه، تأليفه، فالرجل حديث عهد. والأمر الآخر: من أجل لا ينقطع عليه البول فيتضرر، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزرموه»، أي: لا تقطعوا عليه بوله فيتضرر. وهذا يدل على كمال رحمته عليه الصلاة والسلام. وقالوا أيضًا: من أجل لا ينتشر البول. فإذا زقره الناس قام الرجل، والبول ينتشر في أكثر المسجد. وأحب عليه الصلاة والسلام أن يكون البول في موضع واحد فقط، حتى يكون الحل، وعلاج هذه المشكلة، وهذه المسألة، علاجها سهل. ثم النبي عليه الصلاة والسلام... وذكروا أمورًا أخرى. والنبي عليه الصلاة والسلام نهاهم عن ذلك، النبي عليه الصلاة والسلام نهاهم عن ذلك. وانظروا إخواني في الله إلى كيف تعالج الأمور، وكيف تسايس الأمور، وكيف تحل المشاكل. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهاهم، قال: «دعوه، ينتهي من بوله، دعوه، ينتهي من بوله». لا إله إلا الله، ويا سبحان الله! لكمال رحمته عليه الصلاة والسلام، وشفقته، ورأفته، ورفقه، صلوات ربه وسلامه عليه. الرجل يبول في المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «دعوه، يدعوه، ينتهي من بوله». فلما انتهى من بوله، أمر بذنوب من الماء، وهو الذي نسميه السطل، فأتي به، فصب على البول. المشكلة انتهت، والعلاج جاء، والدواء وصل، والسياسة نُقحت في الدعوة إلى الله، والحكمة والرفق. وهذا الرجل هو القائل للنبي عليه الصلاة والسلام، والعلماء على خلاف: هل قال ذلك قبل البول، أو قال ذلك بعد البول؟ وشيخنا، رحمة الله عليه، الإمام الوادعي، رحمة الله عليه، كان يرجح أن هذا قبل البول. هو القائل: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا». اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. جاء في بعض الروايات. وشيخنا... وشيخنا استدل بذلك، رحمة الله عليه، قال: فما لبث أن بال، فما لبث إلا أن بال. أي: بعدما ذكر هذا الدعاء: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا»، قال عليه الصلاة والسلام: «لقد حقرتَ واسعًا، لقد حقرتَ واسعًا». كان شيخنا الإمام الوادعي، رحمة الله عليه، يرجح أن هذه المقالة وهذا الدعاء كان قبل البول، لقوله: «فما لبث أن بال، فما لبث أن بال». فلما انتهى عليه الصلاة والسلام من صب الماء، قال عليه الصلاة والسلام لهذا الأعرابي، معلمًا له ومرشدًا له برفق ولين وحكمة: «إن هذه المساجد لم تُبنَ لذلك، ما بُنيت للقاذورات، وإنما بُنيت للصلاة، ولقراءة القرآن، ولذكر الله، وللعلم». والموقف الآخر نذكره اختصارًا: ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما. القصة باختصار: ما حصلت بين النبي عليه الصلاة والسلام وثمامة. أرسل النبي عليه الصلاة والسلام سرية قبل نجد، فأتي... فأتوا بسيدهم، أتوا بسيد اليمامة، وهو ثمامة بن أثال. أتي به، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يُربط في المسجد. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام، وقد رُبط في المسجد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟ ما عندك يا ثمامة؟» وهو سيد اليمامة. قال: «عندي خير يا محمد. إن تنعم على شاكر، وإن تقتل ذا دم». اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثالث، وهو يردد عليه: «ما عندك يا ثمامة؟» يقول: «عندي خير يا محمد، عندي خير، إن تنعم على شاكر، وإن تقتل ذا دم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أطلقوه»، أي: افتحوا له. ففتحوا له، فذهب واغتسل. وانظروا إلى النتيجة، وانظروا إلى الثمرة، وانظروا إلى العاقبة: ماذا حصل بهذا الرفق العظيم، وبهذا اللين، وبهذه الحكمة، وبهذه السياسة الشرعية؟ ماذا حصل لثمامة رضي الله عنه وأرضاه؟ ذهب واغتسل، بعدما رأى الرفق العظيم والإنعام، ورأى الإحسان والفضل، ورأى السخاء والكرم والرحمة واللين والرفق والسهولة. رأى ذلك كله، وهو يرى المسلمين يصلون. بعد النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام يأتي إليه ويقول: «ما عندك يا ثمامة؟» رفق ولين في الدعوة إلى الله جل وعلا. فذهب واغتسل، ذهب واغتسل، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله»، عليه الصلاة والسلام. ثم بيّن للنبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن في الدنيا أبغض إليه من وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أرضه، ومن بلده. فلما أسلم، صار وجهه، وصارت بلده، وصارت أرضه، ودينه أحب الأديان إليه، وصار وجهه أحب الوجوه إليه، وصارت بلده أحب البلدان إليه، بعدما رأى من هذا الرفق العظيم، واللين، والرحمة. أسلم، رضي الله عنه وأرضاه. نسأل الله لنا ولكم التوفيق جميعًا. وللقصة بقية، لكن لضيق الوقت أكتفي بذلك. وإلى هنا. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.