التعليقات على كتاب الأدب المفرد 201

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 201، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

غضب الله على من لم يسأله وأهمية الدعاء

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول غضب الله على من لم يسأله، وتوضيح أهمية الدعاء وأنه العبادة. الدعاء يحبه الله ويرضى عنه.

الدعاء كعبادة وأهميته في حياة المسلم

الدعاء هو العبادة ويشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، وجميع العبادات تشتمل على الدعاء. الله يحث على الدعاء ويعد بالاستجابة.

فضل الدعاء وأهمية التضرع إلى الله

الدعاء عبادة لله تعالى ويجب التضرع إليه وسؤاله حاجاتنا. توعد الله من يستكبر عن دعائه بالعذاب، والدعاء يظهر عبودية العبد لربه.

مواضع وأوقات استجابة الدعاء

الدعاء يظهر العبودية لله وخضوع العبد لربه. ينبغي الحرص على الدعاء في سائر الأوقات مع اختيار الأوقات المستجابة مثل ثلث الليل الآخر وفي السجود.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب من لم يسأل الله يغضب عليه، قال حدثنا عبد الله بن محمد، وهو المسندي الجعفي. والإمام البخاري رحمه الله يروي عن ثلاثة ممن يسمى بعبد الله بن محمد، أحدهم هو المسندي الجعفي، وبقي اثنان منهما ابن أسماء، نعم عبد الله بن محمد ابن أسماء، والثالث ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة، فهؤلاء ثلاثة ممن يسمى بعبد الله بن محمد يروي عنهم الإمام البخاري رحمه الله. قال حدثنا مروان بن معاوية، وهو ابن الحارث بن أسماء من خارجة، أبو عبد الله الكوفي، وهو ثقة، وثقه النسائي وأحمد بن معين. قال حدثنا أبو المليح صبيح، وأبو المليح مشهور بكنيته ومختلف في اسمه، قيل صبيح وقيل غيره، قال فيه أبو حاتم: لا بأس به، أو أبو المليح صبيح ثقة، وثقه ابن معين. قال حدثنا أبو صالح، وهو الخوزي، وأبو صالح الخوزي قال فيه أبو حاتم: لا بأس به. قال عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يسأل الله غضب الله عليه». قال حدثنا محمد بن عبد الله، ومحمد بن عبد الله في هذا الموضع لعله من نمير والله أعلم. قال حدثني حاتم بن إسماعيل، وهو ابن عبيد، نعم، فيه نصفه محمد بن عبيد، ولعل هذا هو الصواب، فقد رأيت في ترجمة حاتم بن إسماعيل من تهذيب الكمال لم يذكر أحد من مشائخه ممن يسمى بمحمد بن عبد الله، فلعل الصواب هو محمد بن عبيد كما في النسخ الأخرى ابن عبيد الله، نعم محمد بن عبيد الله. قال حدثنا محمد بن حاتم أو حاتم بن إسماعيل، قلنا هو أبو إسماعيل الهروي، وأبو إسماعيل الهروي حسن الحديث كما قال الإمام النسائي رحمه الله، فقال فيه: لا بأس به. قال عن أبي المليح عن أبي صالح الخوزي قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأله يغضب عليه». والحديث صححه شيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، وذكر لمعنى شاهدين، ذكر لمعنى شاهدين أحدهما مرسل الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «يا ابن آدم إنك إن سألتني أعطيتك وإن لم تسألني أغضب عليك». أخرجه الطبراني، وفيه ضعف. وهكذا أيضا مروا أهل السنن من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾، وهذا الحديث صحيح. فهذا شاهد لصحة معنى هذا الحديث «من لم يسأل الله غضب الله عليه»، فيؤيده قول الله جل وعلا: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. وفي هذا الحديث بيان لعظمة الدعاء، وأن أمر الدعاء له أمر عظيم وشأن عظيم في هذا الدين. ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام العبادة تكاد أن تنحصر في الدعاء، «الدعاء هو العبادة»، «الدعاء هو العبادة»، وذلك لأن ما من عبادة إلا وهي تشتمل على الدعاء، ما من عبادة إلا وهي تتضمن معنى الدعاء، إما دعاء المسألة وإما دعاء العبادة. فأنت إذا صليت مثلا فالصلاة يتخللها الدعاء، تدعو الله عز وجل في كل ركعة في قراءتك للفاتحة: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، هذا دعاء، كذلك دعاؤك في السجود وبين السجدتين، وكذلك في التحيات فهي متضمنة للدعاء، هذا دعاء مسألة. وكذلك أيضا دعاء العبادة، فأنت عندما تصلي ماذا تريد من هذه الصلاة؟ تريد أن يغفر الله سبحانه وتعالى لك، وأن يدخلك الجنة وينجيك من النار، فصارت صلاتك وعبادتك هذه دعاء، وهكذا صيامك وزكاتك وحجك وقراءتك للقرآن، وكل عبادة تتعبد بها الله سبحانه وتعالى، فأنت تريد منها حصول الثواب والنجاة من العقاب، فصارت جميع العبادات متضمنة للدعاء. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة». ومن ذلك دعاء المسألة الذي لا يستغني عنه العبد في سؤاله لربه سبحانه وتعالى. والله جل وعلا أمر عباده وحثهم على دعائه، وقال: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾. الله جل وعلا يأمر العباد أن يدعوه وأن يرفعوا أكفهم إليه، فالله جل وعلا هو الغني سبحانه الذي له ملك السماوات والأرض، والذي لا يعجزه جل وعلا شيء، وإن دعاه جميع العباد في وقت واحد وأعطى كل سائل حاجته، ما نقص ذلك من ملك الله جل وعلا شيئا. كما قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: «يا ابن آدم إنكم إن قمتم في صعيد واحد فسألتموني فأعطيت كل عبد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر». لا شيء ينقص من ملك الله جل وعلا، ولو أعطى جميع الخلق ما سألوا وما أرادوا، ما نقص من ملك الله جل وعلا شيئا. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، ألم تروا ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض». فالله جل وعلا هو الغني الذي ينبغي أن يتوجه إليه العباد، وأن يسألوه، وأن يتضرعوا بين يديه، وأن يطلبوا حاجاتهم منه سبحانه وتعالى. وقد توعد الله جل وعلا باستجابة لمن دعاه، وقال: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾. والله جل وعلا هو أصدق القائلين، ومن أصدق من الله قيلا؟ ومن أصدق من الله حديثا؟ فالله أمر بالدعاء ووعد بالإجابة، فوعد بالإجابة، فما على العبد إلا أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، ويطلب من الله جل وعلا ما يحتاج إليه في أمور دنياه وآخرته. وبذلك يظهر كمال العبد، كمال عبودية العبد لله سبحانه وتعالى، بتضرعه إلى الله جل وعلا وتذلله بين يدي ربه سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي يعني عن دعائي سيدخلون جهنم داخرين﴾، توعد الله جل وعلا بهذا الوعيد إذا استكبروا عن عبادة الله جل وعلا، وهي دعائه. إذا لم يدعوا الله سبحانه وتعالى ويرفعوا أيديهم إلى الله جل وعلا بالدعاء، واستكبروا عن دعائه، فقد توعد الله عز وجل بهذا الوعيد. ولهذا قال في هذا الحديث: «من لم يسأل الله غضب الله عليه»، فالله جل وعلا يغضب من العبد إذا لم يدعوه، وكذلك لم يلجأ إليه. ففي هذا بيان عظمة الدعاء، وكذلك أيضا أن دعاء العبد لربه فيه بيان لعظيم كمال عبوديته لله، بتضرعه له، وليس دعاء العبد لربه هو لبيان حاجته لله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا يعلم حال العبد في سره وظاهره، فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم السر وأخفى. لكن سؤالك لله جل وعلا هو لكمال عبوديتك لله، وإظهارك لفقرك وحاجتك إلى الله سبحانه وتعالى. يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، والله هو الغني الحميد. وما يظنه أو يفعله بعض جهلة الصوفية من تركهم للدعاء بزعمهم أن دعاء الله جل وعلا سوء أدب مع الله، ويستدلون بالأثر المروي عن بني إسرائيل: «علمه بحالي يغني عن سؤالي»، وهذا باطل. فالله جل وعلا يعلم حال العبد، وهو كذلك ما عليه عبده، ومع ذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالدعاء. ومن نظر في حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكيف كان تضرعهم لله جل وعلا ودعاؤهم له، ما علم الله سبحانه وتعالى بأحوالهم، لأن الدعاء ليس هو إخبارا لله جل وعلا بحال العبد، لأن الله يعلم ما عليه العباد وما هي أحوالهم وحاجاتهم. ولكن الدعاء كما سمعنا هو إظهار لكمال العبودية لله، بذل العبد بين يدي ربه جل وعلا، وخضوعه له، وإظهار كذلك لفقره وحاجته إلى ربه سبحانه وتعالى. فلذلك ينبغي على العبد أن يحرص على الدعاء، وكذلك ملازمة هذه العبادة العظيمة، ملازمة هذه العبادة العظيمة في سائر الأوقات، مع اختيار كذلك الأوقات التي هي أرجى لاستجابة الدعاء، كثلث الليل الآخر، وهكذا في الصلاة في السجود، وهكذا بين الأذان والإقامة، وغيرها من المواضع الكثيرة التي بينها نبينا عليه الصلاة والسلام.