التعليقات على كتاب الأدب المفرد 205

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 205، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح أدعية النبي ودرجة صحتها

يبدأ الشرح بتوضيح درجة صحة حديثين نبويين يتعلقان بالأدعية، الأول ضعيف والثاني صحيح. يُفصّل معنى كل دعاء وأهميته.

الدعاء بالعافية من شر الحواس والجوارح

يتناول هذا الفصل أهمية الدعاء بالعافية من شر الحواس كالسمع والبصر واللسان، وكيف يحمي المسلم من الوقوع في المحرمات. يُشرح معنى العافية وضرورتها للمسلم.

تفسير دعاء النبي لطلب العافية من شر الجوارح وتأثيرها على القلب

يفسر هذا الفصل دعاء النبي "اللهم عافني من شر سمعي وبصري ولساني وقلبي وشر مني" ويبين أهمية طلب العافية من شر الجوارح وتأثيرها على القلب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب دعوات النبي صلى الله عليه وسلم: حدثنا عمر بن خالد، وهو ابن فروخ أبو الحسن، وهو ثقة، وثقه الإمام الدارقطني رحمه الله، قال: حدثني الليث بن سعد، أبو الحارث الفهري، قال: عن يحيى بن سعيد، هو الأنصاري، عن محمد بن يحيى بن حبان، وهو ثقة، وثقه أبو حاتم والنسائي وأبو زرعة وغيرهم، عن لؤلؤة، ولؤلؤة هذه مجهولة، لم يرو عنها إلا محمد بن يحيى بن حبان، قال الحافظ رحمه الله في التقريب: مقبولة، قال: عن أبي صرمة، وهو أبو صرمة الأنصاري، قيل: اسمه مالك بن قيس، وقيل: قيس بن صرمة، وهو صحابي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أسألك غنايا وغنى مولاي». قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثني يحيى، عن محمد بن يحيى، عن مولى لهم، عن أبي صرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وهذا الحديث ضعيف لجهالة لؤلؤة هذه، وكذلك أيضًا إبهام هذا الراوي في السند الآخر «مولى لهم»، ولعله هي لؤلؤة هذه المجهولة، ولهذا ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله. ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام، أو معنى هذا الحديث: «أسألك غنايا وغنى مولاي»، المراد بمولاي أي العصبة، بمعنى الموالي، هم عصبة الرجل، أي قرابته. لكن هذا الحديث كما سمعنا لا يصح. قال: وحدثنا يحيى بن موسى، وهو الحداني أبو زكريا البلخي، وهو ثقة، وثقه النسائي وأبو حاتم والدارقطني، قال: حدثنا وكيع، ومن الجراح، وهو إمام من أئمة أهل الحديث، قال: حدثنا سعد، ومن أوس، وهو العبسي أبو محمد الكاتب، وهو ثقة، عن بلال بن يحيى، وهو العبسي كذلك الكوفي، وهو حسن الحديث، عن شتير بن شكل بن حميد، وهو كذلك العبسي الكوفي، ووثقه، عن أبيه، وهو شكل بن حميد، وهو صحابي، لم يرو عنه غير ابنه شتير، قال: قلت يا رسول الله، علمني دعاء أنتفع به، قال: «قل اللهم عافني من شر سمعي وبصري ولساني وقلبي وشر مني». قال وكيع: مني، يعني الزنا والفجور. والحديث صحيح، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث كما سمعنا فيه دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الصحابي شكل بن حميد رضي الله عنه يسأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه دعاء ينتفع به، وهذا من حرصه رضي الله تعالى عنه على الخير، وكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم على حرص عظيم على تعلم العلم، وتعلم كذلك ما ينفعهم، فلذا كانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن أمور دينهم وما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك سؤالهم للنبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمهم أدعية يدعون بها ويعملون بها وينتفعون بها، فعلمهم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء. قال: «قل اللهم عافني من شر سمعي»، أي تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يعافيك من شر السمع، فهذه الحاسة وهي حاسة السمع نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه وتعالى، يسمع بها الإنسان ويميز بها بين الأصوات، وهو قد يسمع كذلك ما ينفعه وما يضره، ويسمع بها الخير والشر، فأنت تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يعافيك من شر السمع، يعني أن يجنبك جل وعلا شر ما يسمعه الإنسان بسمعه مما حرمه الله عز وجل وحرمه رسوله عليه الصلاة والسلام، ويكون فيه ضرر للمسلم إذا سمعه، كسماع الغيبة والنميمة والسب والشتم وهكذا، سماع ما يمرض القلوب كسماع الغناء والمزامير وسائر آلات اللهو والطرب، فإن ذلك كذلك من الشر الذي يقع في الأسماع، فأنت تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يقيك شر ذلك، وأنك لا تسمع بأذنيك إلا ما يحبه الله سبحانه وتعالى من سماع الخير، سماع القرآن والمحاضرات النافعة وهكذا أيضًا ما أباح الله سبحانه وتعالى سماعه، وبذلك يحصل لك الخير العظيم. وهكذا تستعيذ بالله سبحانه وتعالى وتسأله جل وعلا أن يعافيك من شر بصرك. «اللهم عافني من شر سمعي وبصري»، كذلك البصر نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه وتعالى أن تبصر بعينيك في هذه الدنيا، فتنظر إلى مخلوقات الله سبحانه وتعالى وتميز كذلك بها بين الخير والشر والضار والنافع، فالبصر كذلك له شرور ينبغي أن يجدني بها المسلم وأن يسأل من الله سبحانه وتعالى أن يعافيه منها، من النظر إلى الحرام مما حرم الله سبحانه وتعالى النظر إليه، ومن ذلك النظر إلى النساء الكاسيات العاريات، وكذلك النساء الأجانب على وجه العموم، فإنه مما أمر الله سبحانه وتعالى بغض البصر عنه، وإطلاق البصر فيه سبب لموت القلوب، وهكذا غير ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى النظر إليه، فإنك تسأل من الله عز وجل أن يعافيك من شر بصرك، فلا تنظر إلا إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى وما أحله الله سبحانه وتعالى لك النظر إليه. وكذلك اللسان «اللهم عافني من شر سمعي وبصري ولساني»، كذلك اللسان، وإنه كذلك من النعم العظيمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على الإنسان، بها يتكلم وينطق، وبها كذلك يذكر الله سبحانه وتعالى ويستعملها في الخير، وهي كذلك أيضًا لها شرور، فأنت تسأل من الله عز وجل أن يعافيك من شر لسانك، وكثير من المعاصي هي من آفات اللسان، الكذب والزور والغيبة والنميمة والشتم واللعن وغيرها كثير مما يقع من الإنسان بلسانه، فأنت تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يعافيك من شر لسانك، فلا تتكلم إلا بما يرضي الله سبحانه وتعالى، ولا تنطق إلا بما أباح الله سبحانه وتعالى لك، وبذلك يقيك الله سبحانه وتعالى من شرور كثيرة وعظيمة. وكذا كذلك تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يعافيك من شر قلبك «وقلبي»، والقلب هي النطفة التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، المضغة التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام أنه بصلاحها تصلح الجوارح، وبفسادها تفسد الجوارح، وهو القلب، فأنت تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يعافيك من شر قلبك، وشرور القلب كثيرة من أمراض القلوب، الحسد والبغضاء وهكذا محبة غير الله والميل لغير الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضًا ما يكون في القلب من تعظيم لغير الله سبحانه وتعالى إلى آخر ذلك من أمراض القلوب، فأنت تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يعافيك منها. وجميع هذه الجوارح التي مر ذكرها قبل القلب: السمع والبصر، فهي كذلك لها أثر عظيم في القلب، فإنها إذا صلحت كانت لها أثر في صلاح القلب، وإذا فسدت كان لها أثر في فساد القلب، فإذا أطلق الإنسان سمعه في الحرام وبصره في الحرام، أثر ذلك في قلبه حتى يصير قلبه مريضًا ميتًا، ويظهر أثر ذلك في جوارحه، وإذا أطلق سمعه أو بصره فيما أباح الله سبحانه وتعالى وحله، كان ذلك سببًا في حياة قلبه، لأن ما يقع في القلب توصي إليه عن طريق السمع والبصر، فلذلك إذا استعاذ الإنسان بالله سبحانه وتعالى أن يعافيه من شر سمعه وبصره ولسانه وقلبه، كان ذلك سببًا في حصول الخير له وفي حياة قلبه وبعده عن الشرور التي تضر به. وكذلك أوصى النبي عليه الصلاة والسلام معلمه في هذا الدعاء أن يسأل من الله جل وعلا أن يعافيه من شر منيه، وفسره وكيع بقوله: يعني الزنا والفجور، أي ما يكون من وضع هذه النطفة فيما حرم الله سبحانه وتعالى من الزنا واللواط وغيره من الحرام، فأنت تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يقيك شر ذلك، وإذا وقي الإنسان شر ذلك حصل له الخير، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه من وقاه الله جل وعلا شر ما بين لحييه وما بين فخذيه دخل الجنة، وضمن النبي عليه الصلاة والسلام لمن فعل ذلك الجنة، يعني إذا حافظ على لسانه وفرجه، ضمن له النبي عليه الصلاة والسلام دخول الجنة، لأن غالب الشرور تكون في هاتين الجارحتين. وفسر بعض أهل العلم قوله: «مني»، أي المني، بمعنى الموت، يعني أن يأتيك الموت وأنت على عمل قبيح ومعصية وذنب، فتستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شر ذلك، لكن الظاهر والله أعلم أن المراد به المعنى الأول: أنه الزنا والفجور. فهذا دعاء عظيم مما كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام، فينبغي للمسلم أن يحرص عليه وأن يدعو به: «اللهم عافني من شر سمعي وبصري ولساني وقلبي وشر مني». إلهنا والله تعالى أعلم.