الدرس في التعليق على نظم الورقات 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء، حيث الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، والإنشاء لا يحتمل ذلك. يشرح أن هذا التقسيم أساسي لفهم الكلام.
يشرح تعريف الخبر وتقسيمه إلى ثلاثة أقسام، كما يتطرق إلى أنواع الإنشاء مثل الأمر والنهي والتمني. يبين أن هذه الأقسام مهمة لفهم دلالة الكلام.
يناقش تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء من حيث المدلول، ويشرح أنواع الإنشاء المختلفة مثل العرض والقسم. يوضح أن هذه الأنواع لا تحتمل الصدق أو الكذب.
يشرح التقسيم الثاني للألفاظ من حيث المدلول، ويشير إلى تقسيم ثالث قادم يتعلق بالحقيقة والاستعمال. يبين أهمية فهم دلالة الألفاظ.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قد ذكرنا في الدرس الذي مضى ما ذكره المؤلف رحمه الله من تركيب الكلام وتقسيم الكلام من ناحية تركيبه، فقلنا: ما يتركب منه الكلام اسم وفعل، وذكرنا مسألة الجملة الاسمية، الجملة الفعلية. ثم ذكر بعد ذلك تقسيمًا آخر لأهل الكلام، وهو من باب تقسيم الأخبار. أن تقسيمه من ناحية الأخبار، وقسم الكلام للأخبار، الأخبار معنا باعتبار التقسيم الأول باعتبار ما يتركب منه، والاعتبار الثاني هو تقسيم الكلام من حيث الإخبار به. ولهذا قال: الإخبار والأمر والنهي والاستخبار، ثم زاد على ذلك تمني ولعرض وقسم. هذا قول لبعض أهل اللغة: أن الكلام ينقسم لهذه الأنواع. والصحيح ليس كذلك، الصحيح أن الكلام منحصر في نوعين، أي من ناحية تقسيمه من حيثية الأخبار هو إلى نوعين لا ثالث لهما، وهما الخبر والإنشاء. ذكر السيوطي في عقود الجمان، كما ذكر تقسيم الكلام من ناحية الخبر، فقال: محتمل للصدق أو كذب الخبر، وغيره الإنشاء، ولا ثالث لهما. أنا قررت هذا القول، ولا ثالث لهما. وهذا الذي ذهب إليه أكثر أهل الأصول. وقد ذكر السيوطي -أو الأصح السبكي- في همع الهوامع: أن همع الهوامع هذا يعتبر كالشرح لجمع الجوامع، وهو أصله رد على بعض من انتقده في بعض الأشياء التي جمعها في جمع الجوامع. وجمع الجوامع هذا يعتبر من الكتب الجامعة في الأصول، حتى أنه ذكر بعض الأصول التي ليست في مذهب الشافعي، وأشار إلى بعض المسائل التي في المذاهب الأخرى. وجمع الجوامع هذا يعتبر من الكتب الأصول المهمة، لكن صاحبه وكاتبه ينحو بنحو الأشعري، على مذهب الأشعري، فلهذا فيه أشياء خطأ. ونظمه الإمام السيوطي في الكوكب الساطع، لكن كما ذكر الشيخ محمد آدم: وقد شرحه شرح الكوكب الساطع، لكن نبه على أن فيه مسائل كلامية ومسائل الخطأ في العقيدة. فلهذا جمع الهمة رحمه الله وكتب قصيدة هي خير من الكوكب الساطع، كتب قصيدة قرابة ألف بيت أو أكثر، سماها المنحة الرضية، وشرحها في المنحة الرضية. وهي رسالة ذكر فيها أشياء كثيرة من المسائل. وميزة جمع الجوامع كما يقول بعض أهل الأصول: ميزته أنه جمع مسائل الأصول كلها، المفرقة في الكتب، حاول أن يجمع مسائل الأصول كلها، فلهذا اهتم به كثير من الشافعية. وذكر في السبكي في همع الهوامع: أن ما عليه أهل البيان قاطبة والحذاق من النحويين: أن الكلام ينحصر في اثنين لا في ثلاث ولا في أكثر، وإنما ينحصر في اثنين، وهما خبر وإنشاء. وما هو الخبر؟ الخبر محتمل الصدق والكذب، محتمل الصدق والكذب لذاته، فكل ما يحتمل أن يقال لقائل المتكلم بأنه صادق في خبره أو كاذب، يسمى خبرًا؛ لأنه محتمل للصدق والكذب. لكن في أصل الخبر، قسم العلماء الخبر إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يحتمل إلا الصدق، ولهذا زاد بعض العلماء هنا: محتمل الصدق والكذب لا لذاته، يعني لا باعتبار المتكلم، وإنما باعتبار الجملة. فلو نظرنا باعتبار المتكلم، فالأقسام تكون ثلاثة: القسم الأول، إما أنه لا يحتمل إلا الصدق، وهو خبر الله ورسوله ﷺ، فخبر الله ورسوله لا يحتمل إلا الصدق، لا يحتمل كذبًا أبدًا. وخبر لا يحتمل إلا الكذب، وهو خبر الشيطان وأعوانه، خبر الشيطان وبعض الأخبار الخاصة، مثل مدعي النبوة، كمسيلمة مثلًا، فكل ما جاء به في مسألة النبوة فهو كذب. والشيطان أيضًا في كلامه الكذب، ﴿إِنَّهُ يَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَذُوبٌ﴾. وخبر ثالث وهو محتمل الصدق والكذب، وهو خبر جميع الناس، غير ما ذكر. فلهذا فقوله: "بذاته محتمل الصدق أو الكذب بذاته"، أي يعني بالنظر إلى ذات الجملة فقط، دون اعتبار للقائد. فمثلًا لو نظرنا باعتبار القائل، نخرج معنى ما كان صدقًا، كما قلنا خبر الله ورسول الله ﷺ، مثل القرآن، أخباره صدق، ﴿تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، فأخبار القرآن صدق. فالآن عندنا التقسيم هذا بالنسبة إلى الخبر. وقول المؤلف: "وقسم الكلام للأخبار أخبار"، الأخبار جمع خبر. وذكرنا ما المراد بالخبر. وأما الإنشاء، وأما ما ذكره الناظم من هذه الأشياء التي يقول أنها تقاسيم، كالتمني والعرض والقسم أخبار، فهذه ليست أخبارًا، وإنما هي أو ليست أنواعًا بذاتها، وإنما تدخل في الإنشاء. والإنشاء كما ذكر البيانيون: أنه ثمانية أقسام. وقوله: "نوى الأمر"، يعني نوع يسمى الأمر، وهو يدل على طلب الفعل، نحو "قم". أن الأمر نوع من أنواع الإنشاء، نحو مثلًا "قم أقعد". وبعض العلم يقول: خاصة منها النحو يقول: أن الأمر هو كلام مجتمل على نحو "إفعل"، دال بالوضع على الفعل، أقصد دال بالوضع على طلب فعل، أو ترك. نحو "قم" أو "أترك" أو "أخرج"، أنا طلب فعل أو ترك. والنهي أيضًا، أن هذا النوع أيضًا من الأنواع، وهو ما يدل على طلب الترك، ما يدل على طلب الترك نحو "لا تفعل" "لا تدخل". وبعض النحاة يقول: أن النهي هو كلام مصدر، أو كلام تقدمه "لا" الناهية، تقدم هذا الكلام أو تصدره "لا" الناهية، دال بالوضع على الترك، دال بالوضع على طلب الترك، نحو "لا تفعل" "لا تجلس" "لا تقوم"، فهذا النهي. وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضًا زيادة في البحث في نوعه. قال: "والاستخبار استخبار"، من استفعال من الخبر، والمراد به الاستفهام، الاستخبار هنا المراد به الاستفهام، "هل زيد خارج؟" فيقال: "نعم" أو "لا"، لأنه لا يقال له: "صدقت" أو "كذبت"، وإنما يقال: "نعم" أو "لا"، فهو ليس خبرًا، وإنما هو استفهام، فيخرج من الخبر إلى الإنشاء. ثم ذكر أن الكلام أيضًا ينقسم إلى تمن وعرض وقسم. وأراد أيضًا أن الكلام كما انقسم أولًا إلى ما ذكر، فقد انقسم ثانيًا إلى تمن، وهو كلام دال على طلب ما لا طمع فيه، أو ما فيه عسر. أنا تمن، كما البيت المشهور الذي للمتنبي: ﴿لَيْتَ الشِّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ﴾، أنا الشباب ما يعود، فهذا التمن لا يمكن أن يقع. أو ما فيه عسر، مثلًا إنسان فقير يقول: "ليتني" "ليت عندي كذا وكذا من المال"، عندي مثلًا مليونا، عندي كذا، فهذا تمن فيه عسر، من أين سيأتي هذا المليون وهو فقير، لا عنده كسب أو كسبه قليل. وقد يكون هذا يتحقق، لكن على حسب الواقع فيه عسر، فيسمى هذا تمن. فيقولون: أن التمن هو كلام دال على طلب ما لا طمع فيه، أو ما فيه عسر. وقوله أيضًا: "ولعرض وقسم"، ولعرض وقسم، معنى بإسكان الراء، وليست "عرض" أنا بفتحها. والعرض يصدر غالبًا بأداة "ألا"، "ألا تزورنا فنكرمك؟" "ألا تجلس؟" فهذه أداة هي تصدر العرض. ولهذا عرفه المحققون، أي عرف العرض بأنه طلب بأداة، دال بالوضع على طلب برفق ولين. دال بالوضع على طلب، لكن الطلب هذا برفق ولين، أنا تقول: "ألا تجلس؟" "ألا تسمع؟" فهو طلب دال بمعنى يصدر بأداة. مثل أيضًا التحضيض أيضًا قد يصدر بأداة "ألا" أو "هلاَّ"، التحضيض. لكن أيش الفرق بين التحضيض والعرض؟ الفرق بينهما: أن التحضيض يكون بحث ويزعاج، يكون بحث ويزعاج، تقول: "هلاَّ زرتنا؟" يكون فيه حث أكثر. وقوله: "ولعرض وقسم"، القسم هو كلام دال على يمين، القسم هو اليمين، والمراد به الحلف، أنا كلها بمعنى واحد، حلف ويمين وقسم. وهكذا تجدوه في القرآن: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، والمراد هنا به صيغة القسم، لا المقسوم عليه. المراد به هنا صيغة القسم، مثلًا تقول: "والله إنه لصادق"، هنا جملة "والله" قسم، هذا يكون إن شاء الله "إنه لصادق" خبر، لكن قوله "والله" هنا ليست خبرًا، وإنما هو قسم. فخلاصة ما يذكر هنا: أن المؤلف ذكر شيئًا، لكنه لم يأت بالقول الصحيح. أن الكلام ينقسم باعتبار مدلوله إلى قسمين، ما دل عليه من الأخبار، أو يقال باعتبار مدلوله ينقسم إلى قسمين: خبر وإنشاء. وهو كما ذكرنا ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته. وأما هذه الأنواع التي ذكرها: الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والقسم، فهذه تدخل في الإنشاء. فهذا التقسيم الثاني الذي قسمه المؤلف، التقسيم الأول من ناحية التركيب، والتقسيم الثاني من ناحية المدلول. ثم ذكر تقسيمًا ثالثًا من ناحية الحقيقة، أو باعتبار استعمال هذه الألفاظ من ناحية الاستعمال، أيضًا ينقسم إلى حقيقة ومجاز. وسنناقشه إن شاء الله أو نتكلم عليه في درس اللاحق، فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.