التعليق على تقريب التدمرية 87

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 87، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في تعريف الإسلام والشرع

يتناول تعريف الإسلام والشرع، موضحًا أن الإسلام هو الاستسلام لله وحده بالطاعة. يُبيّن أن الإسلام بالمعنى العام يشمل كل شريعة قائمة، بينما يختص الإسلام بالمعنى الخاص بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الإسلام العام ودعوة الأنبياء والرسل

الإسلام العام يشمل الإخلاص لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، وقد دعا إليه جميع الأنبياء والرسل. أتباعهم كانوا مسلمين بتحقيقهم لهذا الإسلام قبل نسخ شرائعهم.

الإسلام العام والخاص في الدعوات النبوية

يتناول مفهوم الإسلام العام الذي دعا إليه جميع الأنبياء والإسلام الخاص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. جميع الأنبياء دعوا إلى توحيد الله، بينما تختلف الشرائع العملية بينهم.

ختام الفصل واستكماله في الدرس اللاحق

أخذ العرب الحسد للنبي محمد لأنه كان منهم، وسيتم استكمال الفصل في الدرس اللاحق. ختم الدرس بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال مؤلف رحمه الله تعالى: فصل وأما الشرع فهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله تعالى التي من أجلها خلق الله الجن والإنس، لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وذلك هو الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، لقوله تعالى: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾. فالإسلام هو الاستسلام لله وحده بالطاعة، فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور، في كل زمان ومكان كانت الشريعة فيه قائمة. وهذا هو الإسلام بالمعنى العام. وعلى هذا يكون أصحاب الملل السابقة مسلمين حين كانت شرائعهم قائمة لم تنسخ، كما قال الله تعالى عن نوح: ﴿فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين﴾. وقال عن إبراهيم: ﴿ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين﴾. وقال أيضًا: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾. وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. وقال عن موسى في مخاطبته قومه: ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾. وقال عن التوراة: ﴿إن أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا﴾. وقال عن الحواريين أتباع عيسى: ﴿وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾. وقال عن ملكة سبأ: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾. وأما الإسلام بالمعنى الخاص، فيختص بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال الله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. وقال في أمته: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم﴾. فلا إسلام بعد بعثته إلا باتباعه، لأن دينه مهيمن على الأديان كلها ظاهر عليها، وشريعته ناسخة للشرائع السابقة كلها. قال الله تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. والذي جاء مصدقًا لما مع الرسل قبله هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم. كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه﴾. قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾. هذا يعم الظهور قدرًا وشرعًا. فمن بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به ويتبعه لم يكن مؤمنًا ولا مسلمًا، بل هو كافر من أهل النار. لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة -يعني أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار». أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وبهذا يعلم أن النزاع فيمن سبق من الأمم، هل هم مسلمون أو غير مسلمين، نزاع لفظي. وذلك لأن الإسلام بالمعنى العام يتناول كل شريعة قائمة بعث الله بها نبيًا، فيشمل إسلام كل أمة متبعة بنبي من الأنبياء، ما دامت شريعته قائمة غير منسوخة بالاتفاق، كما دلت على ذلك النصوص السابقة. وأما بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الإسلام يختص بما جاء به، فمن لم يؤمن به ويتبعه فليس بمسلم. ومن زعم أن مع دين محمد صلى الله عليه وسلم دينًا سواه قائمًا مقبولًا عند الله تعالى من دين اليهود أو النصارى وغيرهما، فمكذب لقول الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. وقوله: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. وإنما كان الإسلام اتباع الشريعة القائمة، فإنه إذا نسخ شيء منها لم يكن المنسوخ دينًا بعد نسخه، ولا اتباعه إسلامًا. فاستقبال بيت المقدس مثلًا كان دينًا إسلامًا قبل نسخه، ولم يكن دينًا ولا إسلامًا بعده. وزيارة القبور لم تكن دينًا ولا إسلامًا حين النهي عنها، وكانت دينًا إسلامًا بعد الأمر بها. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل أن الشرع الذي بعث الله جل وعلا به رسله وأنبياءه هو الدعوة إلى عبادته جل وعلا التي من أجلها خلق الخلق، الجن والإنس، وأرسل الرسل وأنزل الكتب. فكل ذلك إنما لتحقيق هذا الأمر العظيم، وهو توحيده جل وعلا وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة. فما من نبي أرسل إلا وهو يدعو إلى هذا الأصل العظيم الذي خلق الله جل وعلا الجن والإنس لأجله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. وهذا هو الإسلام الذي لا بد منه، فلا يقبل الله جل وعلا من أحد دينًا إلا بالتوحيد. فأي دين لم يكن معه توحيد فهو مردود، لأن هذا ليس بإسلام. دين ليس به توحيد ليس بإسلام. هذا في كل الشرائع، في كل الشرائع، من لم يأت بدين معه توحيد فليس بدين وليس بإسلام، كما قال جل وعلا: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾. يعني من يبتغي دينًا لا توحيد فيه، فهذا ليس بإسلام وهذا ليس بدين. لأن الإسلام الذي هو بالمعنى العام هو الإخلاص لله جل وعلا، وهو كذلك الإنقياد لله جل وعلا بالطاعة، والإخلاص له بالتوحيد، والبراء من الشرك وأهله. فهذا لابد في كل دين، لا يكون دين مقبول عند الله جل وعلا إلا بهذه الأمور: أن يكون فيه الإخلاص لله جل وعلا، وفيه الإنقياد له جل وعلا بالطاعة، وفيه البراء من الشرك وأهله. إذا كان عند الإنسان إخلاص وعنده إنقياد -إخلاص لله جل وعلا بالعبادة، وعنده إنقياد لله جل وعلا بالطاعة- لكن ليس عنده براءة من الشرك وأهله، فليس هذا بدين وليس هذا بإسلام. لابد من البراءة من الشرك وأهله. إذا قال: أنا مخلص لله جل وعلا، أنا موحد لله سبحانه وتعالى، منقاد لله جل وعلا بالطاعة، ما أمرني به امتثلته، وما نهاني عنه اجتنبته، لكن لا أتبرأ من الشرك وأهله، نقول: لم تحقق إسلامًا ولم تأت بدين. لابد في الدين حتى يكون مقبولًا عند الله جل وعلا وحتى يستحق أن يكون دينًا حقًا، لابد فيه أيضًا من البراءة من الشرك وأهله. كما قال إبراهيم لأبيه وقومه: ﴿إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني﴾. لابد من البراءة. فإذن الإسلام الذي أرسلت به الرسل جميعًا بهذه الشروط وبهذه الأمور. فلم يرسل نبي إلا بهذا، يدعو قومه إلى الإخلاص لله جل وعلا، ويدعو قومه إلى الإنقياد بالطاعة لله جل وعلا، ويدعو قومه إلى البراءة من الشرك وأهله. فهذا هو الإسلام العام، بمعنى أنه الإسلام الذي دعا إليه جميع الرسل. اشتركت دعوات الأنبياء والرسل في الدعوة إلى هذا. ما من نبي بعث إلا وهو يدعو إلى هذا: الإخلاص لله بالتوحيد، الإنقياد له بالطاعة، البراءة من الشرك وأهله. فلا يقبل إسلام إلا بهذه الأمور. فمن لم يأت بشيء من هذه فلا يقبل ما جاء به، لأنه لم يحقق الإسلام. قال رحمه الله: فالإسلام هو الاستسلام لله وحده بالطاعة، فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور، في كل زمان ومكان كانت الشريعة فيه قائمة. وهذا هو الإسلام بالمعنى العام. كما سمعتم: إخلاص، انقياد، وبراءة. قالوا: على هذا يكون أصحاب الملل السابقة مسلمين. أصحاب موسى وأصحاب عيسى وأصحاب الرسل الذين أرسلوا إليهم، هؤلاء مسلمون إذا حققوا هذا. إذا حققوا هذا: أخلصوا لله بالتوحيد، وانقادوا له بالطاعة، وتبرأوا من الشرك وأهله. فيقال لهم: مسلمون. فأتباع موسى مسلمون، وأتباع عيسى مسلمون، وأتباع الأنبياء السابقين مسلمون. نعم، لماذا هم مسلمون؟ لأنهم حققوا الإسلام. ما هو الإسلام الذي حققوه؟ هل معنى ذلك أنهم يعني صلوا وزكوا وحجوا، أتوا بهذه الفرائض التي كانت في رسالة النبيين السلام وفي شريعة النبيين السلام حتى صاروا مسلمين؟ الجواب: لا. هم مسلمون لأنهم حققوا الإسلام الذي أمروا به في شريعتهم، ومنه الإسلام الذي دعا إليه جميع الأنبياء والرسل، اشتركوا في الدعوة إليه. وهو تحقيق الإسلام: إخلاص لله بالتوحيد، وانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. لكن هذا كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فنسخت تلك الشرائع، وصار الإسلام الذي لا يقبله الله جل وعلا إلا الإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وآله وسلم. لأن الإسلام نسخ الأديان السابقة. فقول المؤلف هنا: يكون أصحاب الملل السابقة مسلمين حين كانت شرائعهم قائمة لم تنسخ. والمعنى أنها بعد أن نسخت، بعد أن نسخت، ما يكونون على الإسلام إذا لم يدخلوا ويقبلوا دين الإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وذكر رحمه الله تعالى ما جاء من آيات في كتاب الله جل وعلا تدل على أن الأمم السابقة كانوا مسلمين، يعني حققوا هذا الإسلام الذي اشترك في الدعوة إليه جميع الأنبياء والرسل. فذكر عن نوح عليه الصلاة والسلام يخاطب قومه:، ﴿فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين﴾. نوح عليه الصلاة والسلام أمر أن يكون من المسلمين. وموسى أمر أن يكون من المسلمين، وعيسى وجميع الأنبياء والرسل أمر أن يكون من المسلمين. ما معنى أمر أن يكون من المسلمين؟ يعني أن يحققوا هذا الإسلام، وهو الاستسلام لله جل وعلا بالتوحيد، والإنقياد طاعة له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. هذا أمر به الأنبياء، وأتباع الأنبياء، والأمم جميعًا. كل الأمم أمرت بهذا، بأن هذا هو الإسلام العام الذي لابد منه. هو التوحيد الذي اشترك الأنبياء في الدعوة إليه. ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن يعبد الله ويجتنب الطاغوت. فدعوة الأنبياء والرسل إلى هذا الإسلام، وهو الاستسلام لله جل وعلا. فكانت تلك الشرائع نافعة قبل أن تنسخ. وأما بعد أن نسخت، فلا تنفع أصحابها إلا إذا انتقلوا إلى ما جاء فيها من الأمر باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فإنهم قد أمروا في تلك الشرائع باتباعه عليه الصلاة والسلام. أهل التوراة أمروا بذلك، وأهل الإنجيل أمروا بذلك، باتباع شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا كما جاء عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا﴾. كان حنيفًا مسلمًا، يعني مستسلمًا لله جل وعلا، ومنقادًا له جل وعلا بالطاعة، ومتبرئًا من الشرك وأهله. وقال أيضًا: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾. وصى إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. وهكذا موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾. وقال عن التوراة: ﴿إن أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا﴾. وهكذا ذكر عن حواريين أتباع عيسى: ﴿وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾. وذكر عن ملكة سبأ قالت: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾. أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، حققت الإسلام. فهذه الآيات فيها ذكر دعوات الأنبياء لأقوامهم، وبيان ما كانوا عليه من هذا الإسلام الذي هو الإسلام العام الذي جاءت به الشرائع الأمر به. فما من شريعة إلا وأمرت بهذا الإسلام العام. وإن اختلفت الشرائع، الشرائع تختلف. شريعة موسى فيها شيء يختلف عن شريعة عيسى. شريعة موسى وعيسى تختلف عن شريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. لكن هذا في الشرائع العملية. شرائع عملية لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا. إلا أن الدعوة واحدة، كما قال نبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إن معشر الأنبياء ديننا واحد». إننا معشر الأنبياء ديننا واحد. دين واحد بمعنى التوحيد، والدين بمعنى الإسلام العام. فهذا واحد. كل الأنبياء اشتركوا في الدعوة إليه. اختلفت الشرائع ما يتعلق بأمر الصلاة، في ما يتعلق بأركانها أو عدد ركعاتها وغير ذلك أو كيفيتها. نعم، لكن الدعوة إلى التوحيد واحدة. ولذلك أيضًا ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم، كما صح أيضًا، قال عليه الصلاة والسلام: «إن معشر الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وشرائعهم شتى». دينهم واحد وشرائعهم شتى. يعني دينهم واحد وهو الإسلام العام. واحد. ما من أمة إلا ودعيت إلى تحقيق هذا الأصل العظيم. هو الإسلام العام، كما سمعتم. وهو الإسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراء من الشرك وأهله. لكن تختلف الشرائع. فلا يقبل دين إلا لتحقيق هذا الإسلام العام. لا يقبل من أحد دين إلا بتحقيق هذا الإسلام العام. هذا يلزم كل أمة أن تقبل وتصدق النبي الذي يأتي بعدها. فإن كذبته، فلم تحقق هذا الإسلام العام. لأن من لازم ذلك التصديق بكل أنبياء الله جل وعلا، وآخر هؤلاء الأنبياء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. لأن الأنبياء قد أخذوا المواثيق، أمرهم الله جل وعلا أن يأخذوا المواثيق من أقوامهم: أنه إذا بعث نبي أن يصدقه ويعتقد أنه نبي أرسل من عند الله جل وعلا، ولا يكذبوه. فإذا كذبوه، صاروا مكذبين لجميع الرسل. وذلك ذكر الله جل وعلا عن قوم نوح، لما كذبوا نوحًا، صاروا مكذبين لجميع الرسل. كذبت قوم نوح المرسلين. مع أنهم كذبوا نوحًا لم يبعث نبي بعد. لم يبعث بعد نوح نبي، لكن لما كذبوا نوحًا وهو نبي واحد، صاروا مكذبين لجميع الرسل ولو لم يرسلوا بعد. وهكذا قال عن قوم هود، وكذلك عن قوم لوط، وعن قوم شعيب، وعن قوم صالح. كلهم جعلهم الله جل وعلا مكذبين لرسل الله جل وعلا كلهم. مع أنهم لم يكذبوا إلا رسولهم الذي أرسل إليهم. لماذا؟ لأنه كما سمعتم، لا يتحقق التوحيد والإيمان بهذا الرسول الذي أرسل إليهم إلا بالتصديق برسل الله جميعًا. برسل الله جميعًا. فهذا الذي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، كما سمعتم، كله يدلنا على أن الإسلام العام دعت إليه جميع الأنبياء والرسل، وهو الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. وذكر بعد ذلك رحمه الله تعالى الإسلام بالمعنى الخاص. قالوا: أما الإسلام بالمعنى الخاص، يختص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر قول الله جل وعلا: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. وقال جل وعلا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم﴾. فالإسلام الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام إسلام خاص. إسلام خاص. ومعنى إسلام خاص: أنه بعد مجيئه لا يقبل أي إسلام. لا يقبل أي إسلام سبق بعد مجيء هذا الإسلام، وبعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الإسلام. فهو إسلام خاص، لا بد من تحقيقه. لا ينفع الإسلام العام إلا بقبول الإسلام الخاص الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما سمعتم. لأن الأنبياء قد أخذوا المواثيق على قواهم بأنه إذا أرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يصدقوه وأن يقروا برسالته. في التوراة ورسول يأتي بعد اسمه أحمد، هذا في الإنجيل. وهكذا في التوراة: يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، والذي ذكر لما سيرسل به النبي عليه الصلاة والسلام. فذلك قد أخبروا في كتبهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم. اليهود والنصارى والأنبياء، أي عيسى وموسى، أخذوا أخذوا المواثيق على قوامهم بأن يقروا برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وأقروا لهم بذلك. ولذلك قال المؤلف هنا رحمه الله تعالى: ذكر قول الله جل وعلا: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتهم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. إذن أقروا بتصديق كل رسول سيأتي، وبتصديق رسالة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، نقضوا العهد، ونقضوا الإقرار الذي يقر به لأنبيائهم. مع أنهم قد أخذوا العهد أخذ منهم العهد على أن يقروا بتصديق الأنبياء، وبرسالة النبي عليه الصلاة والسلام. وقد علموا أنه لا ينفعهم الإقرار بما جاء به موسى وعيسى إذا لم يكن معه الإقرار برسالة النبي عليه الصلاة والسلام. ومع هذا أنكروا ذلك. والسبب أنهم حسدوا النبي عليه الصلاة والسلام، وظنوا أن الذي سيرسل منهم من اليهود. ولما كان من العرب، أخذهم الحسد. والحق وسنكمل ما جاء في هذا الفصل في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.