التعليق على تقريب التدمرية 8

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 8، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أقسام الصفات الثبوتية والمنفية وحكمة التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي

يشرح المقطع تقسيم الصفات الثبوتية إلى ذاتية وفعلية، وكل منهما إلى خبرية ومعنوية، مبيناً أن الصفات الخبرية لا تدرك إلا بالوحي بينما المعنوية يدركها العقل. كما يبين أن الصفات المنفية كلها صفات نقص تنزه الله عنها، وتقسم إلى متصلة ومنفصلة، وأن النفي جاء مجملاً في القرآن لأن الإجمال في النفي أبلغ في التعظيم والتنزيه.

قاعدة التفصيل في إثبات صفات الكمال والإجمال في نفي صفات النقص عن الله

يبيّن المقطع أن المنهج القرآني يقوم على التفصيل في إثبات صفات الكمال تعظيماً لله، والإجمال في نفي صفات النقص تنزيهاً له، لأن التفصيل في النفي يعد استهزاءً. كما يشير إلى أن الإجمال في الإثبات قد يرد لبيان أن صفات الكمال لا تُحصر.

أسباب النفي المفصل في القرآن الكريم والفرق بين النفي المحض وغير المحض

يبيّن المقطع أن النفي المفصل لصفات النقص يكون كمالاً ومدحاً إذا ورد لرد افتراءات الكاذبين أو دفع توهم النقص أو إثبات كمال الضد. ويفرق المؤلف بين النفي المحض الذي لا يثبت ضده، والنفي غير المحض الوارد في الشرع لإثبات كمال الصفة المقابلة.

خاتمة الدرس والإشارة إلى تتمة الفصل في الدرس القادم

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أن مزيداً من التفصيل سيأتي في الدرس اللاحق لتتمة الفصل الحالي، ويختتم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر ودعوة للاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فكان آخر الكلام عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسها كلها صفات كمال، والغالب فيه التفصيل؛ لأنه كلما كثر الإخبار عنها وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما لم يكن معلومًا من قبل. ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر من الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه». وذكرنا أن الصفات الثبوتية على نوعين: ذاتية وفعلية. والذاتية على نوعين: خبرية ومعنوية. وهكذا الصفات الفعلية: خبرية ومعنوية. والخبرية التي لا تعلم إلا عن طريق الخبر المحض، الذي لا للعقل فيه مجال في إدراكها وإثباتها، تلك الصفات كَالاستواء والنزول، وهكذا الإتيان والمجيء. فهذه صفات فعلية لا يمكن أن تعلم إلا عن طريق الخبر، فلا يمكن للعقل إدراك مثل هذه الصفات. بخلاف الصفات الفعلية المعنوية التي تدرك من خلال العقل، وللعقل مجال في إدراكها وفي إثباتها لله عز وجل، كَالخلق والإحياء والإماتة والرزق. فهذه صفات فعلية ثابتة لله عز وجل، للعقل مجال في إدراكها بالنظر في ملكوت الله جل وعلا في هذه المخلوقات، يدله على اتصاف الرب جل وعلا الخالق لهذه المخلوقات بهذه الصفة، وهذه الصفة الخلق. وهكذا صفة الرزق: حين يرى هذه المخلوقات ترزق ممن خلقها، يدل ذلك على إثبات صفة الرزق. وهكذا الإحياء والإماتة. وهكذا الرحمة باعتبارها صفة ذاتية فعلية، يرحم من يشاء، وغير ذلك من هذه الصفات التي تعلقت بمشيئته جل وعلا. فمنها ما هي ذاتية خبرية لا تعلم إلا عن طريق الخبر، ومنها ذاتية معنوية تدرك عن طريق العقل، مع أن الخبر قد جاء بها، مع أن الخبر في كتاب الله أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام قد أثبتها، لكن مع هذا للعقل مجال في إدراكها وإثباتها. قال رحمه الله تعالى: «وأما الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه فكلها صفات نقص ولا تليق به، كالعجز والتعب والظلم ومماثلة المخلوقين، والغالب فيها الإجمال؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف وأكمل في التنزيه. فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه فيه سخرية وتنقص للموصوف. ألا ترى أنك لو مدحت ملكًا فقلت له: أنت كريم، شجاع، محنك، قوي الحكم، قاهر لأعدائك، إلى غير ذلك من صفات المدح، فكان هذا من أعظم السناء عليه، وكان فيه من زيادة مدحه وإظهار محاسنه ما يجعله محبوبًا محترمًا؛ لأنك فصلت في الإثبات. ولو قلت: أنت ملك لا يساميك أحد من ملوك الدنيا في عصرك، لكان ذلك مدحًا بالغًا؛ لأنك أجملت في النفي». ذكر المؤلف رحمه الله وتعالى هنا في هذا الموضع أن الصفات المنفية، والمراد بالمنفية التي نفاها الله جل وعلا عن نفسه أو نفاها عنه رسوله عليه الصلاة والسلام، هي صفات النقص والعيب، وتسمى كذلك بالصفات السلبية. قال: لها صفات منفية أو صفات سلبية. فهذه الصفات نقص لا تليق بالله جل وعلا. وذكر هنا قال: كالعجز والتعب والظلم. وهذه الصفات منفية متصلة. فالصفات المنفية عن الله عز وجل على نوعين: صفات منفية متصلة، وصفات منفية منفصلة. فالصفات المنفية المتصلة: مثل لها بالعجز والتعب والظلم. فالله جل وعلا تنزه عن هذه الصفات. ومن ذلك كذلك: الغفلة والسهو والنسيان والسنة. كل هذه صفات نقص متصلة نفاها الله جل وعلا عن نفسه. فنفى عن نفسه العجز، قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. وهكذا نفى عن نفسه الظلم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. ونفى عن نفسه التعب، فقال جل وعلا: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي: من نصب أو تعب. وهكذا الصفات المنفية المنفصلة، ومثل لها هنا بمماثلة المخلوقين. ومن ذلك أيضًا أي: من الصفات المنفية المنفصلة، كَالصاحبة له جل وعلا، اتخاذ الصاحبة، اتخاذ الولد، أو وجود الشريك له جل وعلا. فكل هذا من الصفات المنفية المنفصلة التي نفاها الله جل وعلا عن نفسه. فقال جل وعلا: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. فهذا ما نفاه جل وعلا عن نفسه من صفات النقص والعيب مما هو منفصل، كاتخاذ الشريك أو الكفو، أو وجود الصاحبة، أو اتخاذ الصاحبة أو الولد، أو مماثلة المخلوقين. فكل هذا من الصفات المنفية التي نفاها الله جل وعلا عن نفسه، وهي صفات نقص لا تليق به جل وعلا. هذه الصفات الغالب فيها الإجمال، أي: ينفيها ربنا عز وجل عن نفسه على سبيل الإجمال. فصفات النقص والعيب نفيت في كتاب الله جل وعلا على وجه الإجمال. وإنما فصل في نفي بعض الصفات عنه جل وعلا في مواضع لأمور سيأتي ذكرها. وإلا فالغالب أن النفي لصفات النقص والعيب عن الله جل وعلا في كتاب الله جل وعلا جاء مجملًا، أي: على وجه الإجمال. لماذا؟ قال: لأن هذا أبلغ في تعظيم الموصوف وأكمل في التنزيه. لأنك إذا نفيت نفيًا مجملًا عن الموصوف كان هذا أكمل في تعظيم ذلك الموصوف وفي تنزيه ذلك الموصوف. بخلاف التفصيل فيها، فإن التفصيل في نفي النقائص والعيوب عن الله جل وعلا لغير سبب يقتضيه، فإن ذلك فيه سخرية وفيه تنقص للموصوف، وهو الله جل وعلا. وهكذا إذا نفيت نفيًا مفصلًا عن المخلوق، فهذا ليس فيه إثبات حسن له وكمال له، وإنما فيه تنقص له وسخرية. فلذلك كان الإجمال في النفي، أي: نفي صفات النقص والعيب عن الله جل وعلا جاء مجملًا على وجه الإجمال؛ لأن هذا أبلغ في تعظيم الموصوف وفي إثبات كماله جل وعلا. لأن تفصيلها لغير سبب يقتضيه فيه سخرية وتنقص للموصوف. وذكر مثالًا رحمه الله تعالى على هذا، قال: «ألا ترى أنك لو مدحت ملكًا فقلت له: أنت كريم، شجاع، محنك، قوي الحكم، قاهر لأعدائك، وعددت الصفات من صفات المدح بهذا الموصوف، نعم ملك من الملوك، تعدد صفات الحسن فيه، فهذا ماذا؟ هذا فيه تعظيم لذلك الملك، وفيه كذلك... وهذا شيء محبوب له، يفرح بذلك. نعم، أنك عددت محاسنه. فالتفصيل في صفات الإثبات، صفات الحسن، هذا يجعل الموصوف معظما ومقدرا وله مكانه؛ لأنك فصلت وعددت صفات الحسن والكمال. بخلاف ما قلت إذا قلت مثلًا... يعني: نفيت عنه صفات النقص والعيب وعددت تلك الصفات، كما سيأتي، هذا ليس به تعظيم للموصوف. ولذلك النفي المجمل لصفات النقص والعيب هو الذي فيه إظهار محاسن الموصوف. النفي المجمل لصفات النقص والعيب، وهكذا كذلك الإثبات المفصل، الإثبات المفصل في صفات الحسن والكمال، هذا أيضًا فيه تعظيم للموصوف. إما النفي المجمل أو الإثبات المفصل: النفي المجمل لصفات النقص والعيب، والإثبات المفصل لصفات الحسن والكمال». وكذلك كذلك مثل هنا لقوله: «ولو قلت: أنت ملك لا يساميك أحد من ملوك الدنيا في عصرك، لكان ذلك مدحًا بالغًا؛ لأنك أجملت في النفي». لأنك أجملت في النفي. هناك لما فصلت في صفات الحسن من الكرم والشجاعة والقوة والقهر لأعدائه، كان ذلك مدحًا له وثناءً عظيمًا في حقه وإظهارًا لمحاسنه مما يجعله معظما مقدرا ومحبوبًا؛ لأنك فصلت في ذلك. وهكذا لو أجملت في النفي، إذا قلت لهذا الملك: أنت لا يساميك أحد ولا يماثلك أحد، فأنت القاهر لأعدائك وأنت لا يساميك أحد، فهذا إجمال: لا يساميك أحد، لا يماثلك أحد، وتريد يعني في ماذا؟ قهرك لأعدائك وفي غير ذلك. فهذا فيه نفي مجمل، فيه نفي مجمل، فهذا فيه المدح البليغ، المدح البليغ لهذا الملك. ولله المثل الأعلى. فلذلك أثبت الله جل وعلا لنفسه صفات الحسن وفصل فيها، وكانت كثيرة في كتابه جل وعلا وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا النفي المجمل الأصل فيه والغالب أنه جاء مجملًا إلا في بعض المواضع، لأن هذا هو الغاية في المدح والتعظيم للموصوف الذي تصف بتلك الصفات، صفات الحسن والكمال، وتنزه عن صفات النقص والعيب. قال: «ولو قلت: أنت ملك غير بخيل ولا جبان ولا فقير ولا بقال ولا كناس ولا بيطار ولا حجان، وما أشبه ذلك من التفصيل في نفي العيوب التي لا تليق به، لعد ذلك استهزاء به وتنقصًا لحقه». فهذا النفي المفصل: نفيت عن هذا الملك هذه الصفات مفصلًا، عددت صفات النقص والعيب عن هذا الملك ونفيتها عنه. هذا ليس فيه مدح لهذا الملك، وليس فيه إظهار محاسن هذا الملك. لماذا؟ لأنك فصلت في النفي. فقلت: لست بخيل، وأنت غير جبان، ولا فقير، ولا كناس، ولا بقال، ولا زبال، ولا دلال، نعم، ولا بيطار، ولا بيطار، ولا حجان، وإلى آخر ذلك. عددت صفات النقص والعيب ونفيتها عن هذا الملك. هذا فيه سخرية واستهزاء. هذا فيه سخرية واستهزاء. هل يفرح بذلك الملك؟ وقفت عند ملك من ملوك الدنيا تقول له: أنت يا أيها الملك لست فقيرًا، ولست حجامًا، ولست بيطارًا، ولست كناسًا، ولست زبالًا، ولست دلالًا، ولا بقالًا. عددت هذه الصفات، صفات النقص والعيب. هل يفرح منك؟ ما يفرح منك. تقول: اقبض عليه. هذا... هذا ذم له، ما هو مدح له. نعم، هذا ما هو مدح له، بل ربما هذا من السخرية به والاستهزاء به. نعم. فلذلك النفي المفصل لا يدل على إثبات محاسن الموصوف. ولذلك جاء النفي مجملًا، جاء النفي مجملًا في كتاب الله جل وعلا. وإنما فصل كما تقدم في مواضع ولأسباب. قال رحمه الله تعالى: «وقد يأتي الإجمال في أسماء الله تعالى وصفاته الثبوتية. فقوله تعالى في الأسماء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله في الصفات: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾». نبه رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن الإجمال في أسماء الله تعالى وصفاته الثبوتية قد يأتي. يعني: قد يحصل إجمال في إثبات الأسماء والصفات لله عز وجل. وذكر مثالًا لذلك، كقوله تعالى في الأسماء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فهذه الآية فيها إثبات مجمل، فيها إثبات مجمل لأسماء الله جل وعلا، وأن له الأسماء الحسنى. وهكذا له الصفات العلى، كما في الآية الأخرى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. فهذا فيه إجمال في الإثبات. تقدم معنا أن الأصل هو الإثبات المفصل لصفات الكمال لله جل وعلا، لكن قد يأتي الإجمال، قد يأتي الإجمال في إثبات الأسماء والصفات. والسبب ذلك: لأن عدة صفات الكمال لله جل وعلا لا يمكن الإنسان أن يحصرها. فصفات الكمال لله جل وعلا لا تحصر. الصفات التي ذكرها الله جل وعلا عن نفسه في كتابه الكريم، أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، هي شيء من تلك الصفات الثابتة لله جل وعلا، وليست كلها، وليست كلها؛ لأنها لا تحصر. فإذا جاء الإثبات المجمل، جاء الإثبات المجمل لأسماء الله جل وعلا والصفات، ليعلم أنه ليست تلك الصفات فقط التي ثبتت من صفات الكمال لله جل وعلا في الكتاب والسنة، لا، وإنما غيرها كثير. وهذه النصوص المجملة دالة على ذلك: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. من ذلك ما ذكر في الكتاب والسنة، ومن ذلك مما لا يعلمه إلا الله جل وعلا واستأثر به في علمه. ففائدة إتيان الإثبات المجمل لأسماء الله جل وعلا ولصفاته هذا، وهو بيان إثبات الكمالات، إثبات الكمالات لله جل وعلا. نعم، وأنها لا تحصر. وإنما ذكر من صفاته الكمال الكتاب والسنة، فليس ذلك حصرًا لأسمائه جل وعلا أو لصفاته. بل له جل وعلا الأسماء الحسنى التي لا تعد ولا تحصى، وله كذلك الوصف الأعلى الذي لا ينتهي إلى حد، بل الوصف الأعلى والكمال المطلق من كل الوجوه. قال رحمه الله تعالى: «وقد يأتي التفصيل في الصفات المنفية لأسباب: منها نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون المفترون، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. ومنها دفع وهم نقص في كماله، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾». ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأمر ونبه عليه، أنه قد يأتي التفصيل في الصفات المنفية. تقدم معنا أن الصفات المنفية في الكتاب والسنة جاءت على وجه الإجمال، جاءت على وجه الإجمال، هذا في الغالب. لكن جاء التفصيل في نفيها، جاء التفصيل في نفيها، أي: في نفي هذه الصفات عن الله جل وعلا. لكن هذا النفي المفصل الذي جاء، وفيه نفي صفات نقص وعيب عن الله جل وعلا، نبه المؤلف رحمه وتعالى أنه إنما لأسباب، لأمور. فإذا كان النفي المفصل إذن لأسباب ولأمور، عاد هذا شيئًا طيبًا وغرضًا محمودًا؛ لأنه ما قصد لذاته، ما قصد لذاته، ما قصد النفي المفصل لصفات النقص والعيب، وإنما جاء لغرض، لدفع توهم النقص والعيب، وغير ذلك من الأسباب. إذن كان هذا كمالًا، وكان هذا مدحًا. بخلاف إذا قصد لذاته، إذا قصد لذاته، أي: قصد النفي المفصل هكذا من غير سبب، فهذا فيه نقص وتنقص للموصوف. لكن إذا جاء لأسباب كان ذلك مدحًا. فمن هذه الأسباب التي ذكرها المؤلف رحمه وتعالى: نفي ما ادعاه بحقه الكاذبون المفترون، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. هناك من نسب إلى الله جل وعلا الولد، ونسب إليه كذلك الإله الشريك معه جل وعلا. فنفى ربنا عز وجل عن نفسه هذه الصفات، صفات النقص والعيب، لرد ذلك الادعاء المفترى في حقه جل وعلا. فربنا عز وجل دافع عن نفسه، دافع عن نفسه، فنفى عن نفسه هذه الصفات، صفات النقص والعيب، مفصلًا. لماذا؟ لأنه هناك من افترى على الله جل وعلا وكذب، فنسب إلى الله جل وعلا الولد والشريك والإله والإله. فنفى الله جل وعلا عن نفسه ذلك: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. قال هنا في الآية: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. قال جل وعلا: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾. النصارى ادعوا أن عيسى ابن الله، افتروا وكذبوا. فهذا النصارى رد عليه، رد عليه. وهكذا على المشركين الذين ادعوا أن الملائكة بنات الله. ﴿وَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾، ﴿وَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾. وهكذا النصارى ادعوا أن مريم صاحبة لله عز وجل. فرد ذلك ربنا عز وجل عن نفسه، ونفى هذا النقص والعيب مفصلًا: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾. قال في هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾، ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. فإذا هذا النفي المفصل الذي جاء في الكتاب، كتاب الله عز وجل، لأسباب، منها هذا الذي ذكره المؤلف رحمه وتعالى. ثانيًا: قال: «دفع وهم نقص في كماله، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾». ذكر عن اليهود أنهم قالوا: إن الله جل وعلا خلق السماوات... أي: يهود المدينة، إن الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب، ثم تعب، فاستراح في اليوم السابع. ولذلك يجعلون هذا اليوم راحة، يجعلون هذا اليوم راحة لهم واستراحة وعطلة. هذا كذب وافتراء في حق الله جل وعلا. فلما قال هؤلاء هذا الكلام، ففي هذه الآية الرد عليه، ودفاع الرب جل وعلا عن نفسه بنفي هذا النقص والعيب، وهو التعب. فالله جل وعلا لا يعجزه شيء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي: من نصب أو من تعب. وهكذا كذلك: لدفع توهم من لم يقدر... من لم يقدر... من لم يقدر الله حق قدره. فربما يتوهم من الذي لم يقدر الله حق قدره أن الله جل وعلا خلق هذه السماوات العظيمة والأراضين العظيمة، وهذا فيه تعب، فيه مشقة. نعم، ولذلك احتاج إلى هذه الفترة، احتاج لهذه الفترة ستة أيام، وما كان ذلك في لحظة أو في أقل من ذلك. فلدفع هذا التوهم قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. فليس ربنا عز وجل خلق السماوات والأرض في ستة أيام لضعف، أو لعجز، أو لتعب، أو لنصب، أو لعدم قدرة. لا، الله عز وجل على كل شيء قدير. ولذلك قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. لكن لحكمة، لحكمة، والحكم عظيمة، علم العباد منها ما علموا، وما لم يعلموا أكثر مما لم يعلموا. وذكرها العلم. من ذلك أي: من الحكمة، التدرج، حتى يعلم العباد أن الأمور مرتبطة... مرتبطة أو مرتبطة بأسبابها، وأن الأمور تأتي بالتدرج. هذا من الحكمة التي ذكرها بعض العلم في خلق السماوات والأرض في ستة أيام. وهذا الشيء من الحكمة صحيح ولا يخالف شيئًا من الشرع. وهناك حكم عظيمة لا يعلمها إلا الله عز وجل في خلق السماوات والأرض في هذه الفترة وفي هذه المدة. فإذا نفى الله جل وعلا عن نفسه هذه الصفة، صفة التعب، مفصلًا، لدفع هذا التوهم، لدفع هذا التوهم، ولرد افتراء المفترين الذين افتروا على الله جل وعلا وصفوه بهذه الصفة، صفة النقص والعيب، وهي التعب والنصب. وهكذا كذلك من أسباب ذكر النفي المفصل في كتاب الله جل وعلا: إثبات كمال الضد. إثبات كمال الضد. فالصفة تنفى عن الله جل وعلا مفصلة، وفائدة ذلك أيضًا إثبات كمال ضدها، إثبات كمال ضدها. فالصفات المنفية في كتاب الله جل وعلا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ليست هي منفية نفيًا محضًا، ليست هي منفية نفيًا محضًا. فعندنا النفي على نوعين: عندنا النفي على نوعين: نفي محض، ونفي غير محض. نفي محض، ونفي غير محض. النفي المحض هو الذي خلص، خلص عن إثبات ضده، وإن عدم، فينفى شيء ولا يراد بهذا النفي إثبات ضد ذلك المنفي. وهناك نفي غير محض، فينفى تنفى أمور، ويراد منها إثبات ضدها. على سبيل المثال: إذا قال شخص لشخص: أنت كريم، أو أنت لست مثلًا ببخيل، أنت لست ببخيل. فهذا النفي المراد منه ماذا؟ إثبات ضده، يعني: أنت كريم. نعم، عندك كرم، ولست ماذا؟ ولست ببخيل، ولست ببخيل. لكن لو قال له: أنت لست بدلال، أو لست بزبال مثلًا، فهذا نفي محض؛ لأنه لا يترتب على نفيه... لا يترتب على نفيه ضد هذا النفي. فعند نفي محض لا يترتب على نفيه ثبوت ضد. وعند نفي غير محض يترتب على نفيه ثبوت ضد. هذا هو الضابط. فكل وصف نفي وله ضد، فهذا النفي فيه غير محض. وكل وصف نفي وليس له ضد، فهذا هو النفي المحض. ويقال: النفي الصرف الذي لا يراد منه إثبات ضده. النفي الذي جاء في كتاب الله عز وجل في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام هو النفي غير المحض، النفي غير المحض، الذي هو النفي المراد منه إثبات كمال ضده. وسيأتي مزيد تفصيل إن شاء الله في هذا، وما يتعلق بتتمة هذا الفصل في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. صلى الله عليه وسلم، مبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. اشتركوا في القناة.