التعليق على تقريب التدمرية 99

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 99، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مفهوم الفناء الشرعي وأهميته

الفناء الشرعي يعني الزوال عن إرادة ما سوى الله، ويتحقق بإخلاص العبادة لله وترك الشرك والمعصية. جاء هذا المفهوم بالرسل والكتب السماوية.

أهمية الألفاظ الشرعية في العبادة

ينبغي استخدام الألفاظ الشرعية في العبادة وتجنب الألفاظ البدعية، والإخلاص لله تعالى هو جوهر العبادة. يجب تجنب الانشغال بمحدبات الدنيا عن طاعة الله.

تحقيق حلاوة الإيمان وذوق الطاعة

تتحقق حلاوة الإيمان وذوق الطاعة بطاعة الله ورسوله ومعرفة الجاهلية والظلام. المحبة في الله والبغض في الله هي من أسس الإيمان.

نقد الدعوات الجاهلية لتحرير المرأة

يدين المتحدث الدعوات الجاهلية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل، معتبرًا أنها تتعارض مع شرع الله والآيات القرآنية التي تبين الاختلاف بين الذكر والأنثى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في الفناء وأقسامه. قال: الفناء لغة الزوال، قال الله تعالى: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. وفي الاصطلاح ثلاثة أقسام. الأول ديني شرعي، وهو الفناء عن إرادة السواء، أي عن إرادة ما سوى الله عز وجل، بحيث يفنى بالإخلاص لله عن الشرك، وبشريعته عن البدعة، وبطاعته عن معصيته، وبالتوكل عليه عن التعلق بغيره، وبمراد ربه عن مراد نفسه، إلى غير ذلك مما يشتغل به من مرضاة الله عما سواه. وحقيقته انشغال العبد بما يقربه إلى الله عز وجل عما لا يقربه إليه، وإن سمي فناء في الصلاحهم. وهذا فناء شرعي به جاءت الرسل، ونزلت الكتب، وبه قيام الدين والدنيا، وصلاح الآخرة والدنيا. قال الله تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾، وقال: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾، وقال: ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقب الدار﴾، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾. وهذا هو الذوق الإيماني الحقيقي الذي لا يعادله ذوق. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا». ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل الفناء وأقسامه، وعرف رحمه الله الفناء لغة: الزوال، لأن الفناء هو ضد البقاء. والفناء مصدر فني يفنى فناء، فهو مصدر بمعنى إذ حل وتلاشى وذهب وهلك. كل من عليها فان، أي ذاهب وهالك. فهذا تعريف الفناء لغة، وهو كما قال مؤلفنا: الزوال. وأما في الاصطلاح، أي في الصلاح من تكلم به، فمنهم من يدل عليه الشرع، وأدلة الشرع على صحة معناه، لكن يخالف الشرع من حيث التسمية. فليس في الشرع عبادة تفعل لله جل وعلا تسمى فناء، وإنما تسمى تقوى، تسمى إخلاصا، تسمى خوفا، رجاء، رغبة، رهبة، خشية. أما فناء، فلا شيء في الكتاب والسنة يدل على شرعية هذا الاسم، وأنه نوع من أنواع العبادات التي يأتي بها العبد يسمى فناء. لا، العبادات معروفة: العبادات القلبية والعبادات الجوارح كلها لها تسميات: محبة، خوف، توكل، إنابة، رغبة، رهبة، خشية، إخلاص، تقوى، توحيد، إيمان، إلى آخر ما في فناء. لكن من عبر بهذا المصطلح بالفناء، ففيه معنى يذهبون إليه صحيح يوافق الشرع، يريد به الانقطاع عما سوى الله، وانقطاع القلب عما سوى الله إلى الله، إلى الله جل وعلا، والتعلق بالله جل وعلا، والانقطاع عن غيره. قل: هذه معاني شرعية صحيحة، جاء الأمر بها، وأرسلت الرسل بها، وأنزلت الكتب بها، لكن لا تسمى فناء، وإنما الشيخ رحمه الله أراد أن يبين الفناء الذي يوافق الشرع في الصلاح هؤلاء. فإن نوعا يوافق الشرع في حقيقته في معناه، لكن لا يوافق الشرع في التسمية. وجاز أن يسمى لغة. وقال فناء بمعنى زوال من قطاع إلى آخر ذلك. وهذا من باب التنزل، من باب التنزل مع هؤلاء، ليس هذا من الإقرار، ليس في هذا إقرار لهؤلاء الذين اصطلحوا على هذه التسمية بالفناء، وأن هذه التسمية صحيحة شرعية. لا، وإنما من باب التنزل. وإن كان لها معنى، فهو معنى لغوي. فناء له معنى لغوي، لأن دلت الآية: ﴿كل من عليها فان﴾ يعني هالك، ذاهب، زائل لغة. أما شرعا، فلا شيء في الكتاب والسنة يسمى فناء عبادة من العبادات تؤدى تسمى فناء. فإذا هي من باب التعليق اللغوي. نعم، الفناء بمعنى الزوال. أما شرعا، فلا. فالمؤلف رحمه الله تعالى تنزل معهم. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الذي يشرح عقيدته الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى. فذكر رحمه الله تعالى أن الفناء الذي هو يوافق الشرع، وهو ديني شرعي، هو الفناء عن إرادة السواء، أي عن إرادة ما سوى الله عز وجل. بحيث يفنى بالإخلاص لله عن الشرك، هذا جاءت به الشرائع، ورسلت به الرسل، واجب على كل أحد أن يخلص العبادة لله جل وعلا، لا يراد بها سوى الله جل وعلا، فيقطع كل تعلق بغير الله جل وعلا، وكل إرادة إلى غير الله جل وعلا. فلا يريد بذلك إلا سوى الله. فهو يفنى بمعنى: ما يريد إلا سوى الله بعبادته، ولا يتعلق قلبه إلا بالله جل وعلا، ويزول قلبه وتعلق قلبه عن غير الله جل وعلا. والمعنى أنه يخلص في عباداته، وعباداته كلها، ويريد بها الله جل وعلا. فيفنى عن إرادة السوى، أي يفنى عن إرادة سوى الله، فلا قصد له فيه، ولا إرادة له فيه. لماذا؟ لأنه أراد الله جل وعلا، ولم يرد سوى الله جل وعلا. فيفنى بالإخلاص، الإخلاص في هذه الإرادة التي ليس فيها لغير الله جل وعلا نصيب. وإنما فنى وأخلص بعبادته، وأراد بها الله جل وعلا، ولم يرد بها سوى الله جل وعلا. فيأتي بالإخلاص، ويترك الشرك بالله جل وعلا، ويأتي بالسنة، ويترك البدعة، ويأتي بالطاعة، ويترك المعصية، ويتوكل على الله جل وعلا، ولا يعتمد على الأسباب، ولا يتعلق بالأسباب. وهكذا كذلك يجعل المرادات الصادرة منه كلها لله جل وعلا. قل: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. إذا أرادوا هذا الفناء، فهذا شيء دل عليه الشرع، أمر به، لكن لا يسمى فناء. إذا سميتموه أنتم فناء، فأنتم تسمونه فناء. الشرع ما سمه فناء، وإنما سماه إخلاصا، سماه توحيدا، سماه إيمانا، سماه تقوى، سماه توكلا، سماه عبادة، وهكذا. وهذا أمر به العباد، كما سمعتم، وأرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب. فخلاصته أنه يترك كل ما لا يرضي الله جل وعلا، ويفنى عن ذلك، ولا يأتي إلا بمرضاة الرب جل وعلا. أخلص لله سبحانه وتعالى في كل عباداته، وأقواله، وأعماله. فناء عما سوى الله إلى الله. لماذا؟ فناء عما سوى الله إلى الله، لأنه لم يلتفت إلى غير الله، ولم يرد بعمل عمله غير الله، وإنما جعل المرادات كلها لله جل وعلا، وأخلص القصد في عباداته بالله جل وعلا وحده لا شريك له. فنعين هوى نفسه إلى ما يرضي الله جل وعلا. ما صار يتبع هوى نفسه، ولا شهوات نفسه. فهذا شيء ما أمر به. إن سموه فناء، وأرادوا به هذا، فهذا حق. لكن نقول: لا تسمونه فناء، فلم يسمه الشرع فناء. سموه كما سماه الشرع. والواجب الوقوف عند الألفاظ الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة. أما الألفاظ البدعية، فهذه تترك. والألفاظ البدعية ولو ردت ينظر فيها، لأنها ربما هي ألفاظ بدعية أصحابها أرادوا بها معنى يدل عليه الشرع. فلا نرد الباطل كله. فنبين ما دل عليه هذا اللفظ من أمر يدل عليه الشرع. لكن نقول: لا تسمونه بهذا اللفظ البدعي المحدث. اسمه إخلاص، ما هو فناء. هذه العبادة اسمها إخلاص، اسمها توكل، اسمها رجاء، رغب، رهب، إلى آخر ذلك. أما فناء، فلا في القرآن، ولا في السنة شيء يدل على أن عبادة من العبادات تسمى بهذا الاسم. وإنما الفناء له تعريف لغوي: بمعنى الزوال، والانقطاع، وغير ذلك من هذه المعاني. ولذلك قال رحمه الله تعالى: وحقيقته انشغال العبد بما يقربه إلى الله عز وجل عما لا يقربه إليه، وإن سمي فناء في الصلاحهم. لكن هذا حق، لكنهم سموه في الصلاحهم فناء، والشرع لم يسمه فناء. لكن هذا حق، وهو أن ينقطع الإنسان، وأن يزول عن غير مراضي الرب جل وعلا إلى مراضي الله، وعن الشرك إلى التوحيد، والرياء إلى الإخلاص، وعن البدعة إلى السنة، وعن المعصية إلى الطاعة، وعن التعلق بغير الله إلى الله جل وعلا. وهكذا. قالوا: هذا فناء شرعي به جاءت الرسل، ونزلت به الكتب، وبه قيام الدين والدنيا، وصلاح الآخرة والدنيا. وذكر الآيات التي فيها بيان الأمر بهذا، وهو الإخلاص لله جل وعلا في العبادات، وأن يجعل الإنسان سعيه لله جل وعلا، وللدار الآخرة. قالوا: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾. شكر هذا السعي، لأنه أريد به وجه الله جل وعلا، والدار الآخرة. هذا هو إخلاص لله جل وعلا في العبادات. إذا سموه فناء، فالمعنى صحيح، يدل عليه الشرع، لكن بغير هذه التسمية البدعية التي سموا العبادة بها، وهو الفناء. وفي الآية الأخرى كذلك في ثواب من أخلص لله جل وعلا، وأراد بأعماله وجه الله جل وعلا، والدار الآخرة. قال: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. عمل صالحا، عملا خالصا، لأن العمل الصالح لا يكون إلا بالإخلاص والمتابعة، لا يكون إلا بالإخلاص والمتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام. وإذا لا يكون صالحا إذا عمل العمل لم يخلص فيه، فليس بعمل صالح. وإذا عمل عملا لم يتابع فيه النبي السلام، فليس بعمل صالح. فدل على أن العمل الصالح ماذا؟ صاحبه مثاب عليه، وماجور عليه، وله الحياة الطيبة في الدنيا، وفي الآخرة. وهذا دل عليه الشرع، وهذا من ماذا؟ من الانقطاع عن إرادة الدنيا إلى إرادة الآخرة، والثواب من الله جل وعلا. وإن سمي في صلاح هؤلاء القوم فناء، لكنه ليس في الشرع هذا الاسم. والمعنى الذي أرادوه بذلك صحيح، وهو الفناء عن إرادة السوى. الفناء عن إرادة السوى، يعني عن إرادة ما سوى الله عز وجل. يفنى عن ذلك، وينقطع، أي لا يجعل له نصيبا من العبادة، والقصد. والآية التي بعدها كذلك فيها ثواب من ابتغى وجه رب العالمين جل وعلا بعباداته، وأعماله، أي أنه أخلص في ذلك. قال: ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقب الدار﴾. فأثنى الله جل وعلا عليهم، وأخبر بأن لهم الجزاء العظيم، والرزق الحسن في الدنيا والآخرة: تكفير السيئات، والعقب الحميدة. والآية الأخرى كذلك فيها النهي عن أن يتعلق الإنسان بمحاب الدنيا، فتكون سببا في انشغاله عن ذكر الله جل وعلا، وفعل الصالحات. بل الواجب عليه أن ينقطع عن هذه المحاب، أن ينقطع عن هذه المحاب: الأموال والأولاد إلى محاب الله جل وعلا. فكل محاب كانت سببا في وقوع العبد في الإخلال بمحاب الله جل وعلا، ومراضيه، فلا خير في تلك المحاب. والواجب على العبد أن ينقطع عنها، وعلى الصالح هؤلاء أن يفنى عنها، أن ينقطع عنها. لماذا؟ لأن الأموال صارت سببا للإخلال في ذكر الله جل وعلا، والإتيان بذكر الله، والطاعات، والصلوات، وغير ذلك. وهكذا الأولاد إذا ألهت عن طاعة الله جل وعلا. وذلك قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾. وقال جل وعلا: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. فالواجب على الإنسان أن ينقطع عن كل محاب لا تعينه على طاعة الله جل وعلا، ولا تعينه على ذكر الله جل وعلا، ولا تعينه على القيام بعبودية الله جل وعلا، بل ينقطع عنها إلى محاب الله جل وعلا، ومراضي الله جل وعلا. وهذا أمر به العباد في شرع رب العالمين جل وعلا. إن سموه فناء، فهذا شيء حق دل عليه الشرع، وأن الإنسان ينقطع عن هذه الأشياء، وأن يزول عنها إلى مراضي الله جل وعلا، ومحاب الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وهذا هو الذوق الإيماني الحقيقي الذي لا يعادله ذوق. هذا الذوق الإيماني ليس الذوق الذي عند أهل البدع، وعند أهل التصوف. بماذا يتذوقون؟ يتذوقون بالأشعار، وبالترانيم، وبالموشحات، ويتمايلون تمايل النشوان. نعم، ويتلذذون بذلك. ربما لا يجدون تلك اللذة حين يقومون في صلاتهم. يشعرون باللذة، ويتلذذون حين يقومون في مثل هذه الموالد مثلا، ويمرحون، ويترنمون بهذه النشايد. فيشعرون باللذة، ويشعرون بالراحة، ما لم يشعروا بها إذا قاموا إلى صلاتهم. رأيتهم كسالى، ما سألوا حتى أن يقف تماما وقفة المتأدب مع ربه جل وعلا حال صلاته. منهم من هو متكسر في قيامه، ومنهم من عليه الخمول. سبحانه. لماذا؟ لأنهم لا يجدون اللذة في هذا القيام. لكن في تلك المجالس التي عقدوها، والبدع تجد عندهم من النشاط العجيب. من الذي ينشطهم؟ إنه إبليس، الشيطان يجعل عندهم نشاطا وحيوية. أما في العبادات فكسالى، لا يقرؤون القرآن قراءة فيها شيء من التدبر، والتمعن، والانتباه، وبصوت واضح كحالهم حين يقرؤون تلك الموالد، وتلك الأبيات الشعرية، وغير ذلك. وهذا يدل على أمور واضحة تدلك على ماذا؟ على أن هؤلاء القوم صاروا يتلذذون بأمور نسأل الله العافية والسلامة، هي من البدع والمحدثات. فهذا هو الذوق الإيماني الحقيقي: أن تخلص عبادتك لله جل وعلا، وأن تعلق قلبك بالله جل وعلا، وأن تأتي بالطاعة، وتترك المعصية، وأن تذكر الله جل وعلا ذكرا شرعيا، وأن ماذا؟ تتلذذ بقراءة كتاب الله جل وعلا، وتتدبره. هذا الذوق الإيماني الشرعي الذي تدل عليه أدلة الشرع. أما التلذذ بالبدع والمحدثات، فهذا نسأل الله العافية والسلامة، هو ذوق شيطاني، وليس ذوقا إيمانيا. وذوق شيطاني، ليس بدوق إيماني. قال: في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». وهذا هو الذوق الإيماني، والحلاوة الحقيقية التي يشعر بها العبد حين يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ولذلك لا يقدم مرضاة أحد على مرضاة الله ورسوله، ولا يقدم محبة أحد على محبة الله جل وعلا ورسوله. بل يقدم محبة الله، ومحبة رسوله على غيرهما، ويقدم مراضي الله، ومراضي رسوله عليه الصلاة والسلام على مراضي غيرهما. ولذلك يشعر بهذه الحلاوة التي تكون في قلبه. ولذلك السلف كانوا يقولون: «إننا والله لفي لذة لو يعلم عنها الملوك وأبناء الملوك لجادلونا عليها بالسيوف». وهي لذة الطاعة، لذة الطاعة، ولذة التعظيم لله جل وعلا، وأمره، ونهيه، وشرعه، وقدره. فلذلك ذاقوا طعم الإيمان، وذاقوا حلاوة الإيمان. وهكذا: «أن يحب المرء لا يحبه إلا لله». كانت محبتهم لله، وفي الله. ليست لأجل الدنيا، وليست لأجل النسب، والحسب، وليست لأجل الجاه. لا، وإنما محبة لله، وفي الله. أو تقطع الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله. أما محبة الناس اليوم، فهي على ميزان المال، وعلى ميزان الدنيا. صار يحب من عنده المال، وصار يحب من هو من أهل الوجاهة، وهكذا، ومن أهل المناصب. أما المسكين الفقير، ولو كان أطوع الناس، فلا يبالي به أحد، ولا يحرصون على محبته، ولا على صداقته. لماذا؟ لأنه لا ينظرون بالمنظار الشرعي، وبالمنظار الإيماني. صارت المحبة نسأل الله العافية لأجل الدنيا، والمصالح. ينظر الإنسان من أين سيتحصل على مصالحه؟ ينظر من الناس من الذي يعني تتوافق مصالحه مع مصالحه؟ فهذا التاجر يعرف أن التاجر الفلاني هو الذي يعني معه تتم المصلحة، فهو الصديق إذن. لغض النظر نعم عن عبادته، وعن طاعته، وعن استقامته. هذا شيء ثانوي كما يقال. لكن أهم شيء أنه معه تتم الأمور، وتتحصل المصالح. وهذا كل واحد يبحث عن قرينه، وعن هو من كان على جنسه، وعلى هيئته فيصادقه، ولو على حساب دين الله جل وعلا. وهذا لأن المحبة لم تكن لأجل الله، وفي الله سبحانه وتعالى. ولذلك صار الناس لا يذوقون حلاوة الإيمان. وهكذا: «أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». انظروا من كان مشركا، ومن كان كافرا إذا دخل في هذا الإسلام، فإنه يجد لذة، ويجد حلاوة. نعم، يبتعد عن المعصية بعدا عظيما. وربما يكون في استقامته أفضل من غيره ممن لم يعرف حال الكفر والشرك. ممن لم يعرف حال الكفر والشرك. هذا قد ذاق الكفر، وهذا قد ذاق الشرك، عاش جاهلية عاشها بآلامها، وعاشها كذلك بخساستها. ردحا تحت ظلها، وتحت جاهليتها سنين عديدة. وأنعم الله جل وعلا عليه بالإسلام. فإذا تذكر ذلك الكفر والشرك ربما شعر بدنه مما كان عليه. لكن ربما لا يشعر بهذا من لم يدرك الجاهلية، ولم يكن كافرا. ولد على الإسلام من أبوين مسلمين. فهو لا يشعر بقيمة الإسلام، ولا يشعر بقيمة الهداية التي وفقه الله جل وعلا. لماذا؟ لأنه لم يعرف الشرك، ولم يدق الكفر، ولم يدق الشرك. أما أولئك فقد ذاقوا الكفر، وقد ذاقوا الشرك، وتجرعوا مرارته سنين عديدة. فلذلك ذاقوا حلاوة الإيمان. فكرهوا أن يعودوا إلى الكفر بعد إذ أنقذهم الله منه. ولذلك ذاقوا حلاوة الإيمان. فأنت أردت أن تذوق حلاوة الإيمان نعم. أعرف ما كان عليه أهل الشرك من الظلمات، والجاهلية التي كانوا عليها. هذا قابع عند صنم يعكف عنده، وهذا يدفن ابنته حية، وهذا يعبد إلها من التمر. فإذا جع أكله. وآخر ربما لا يداوم في عمله حتى يدخل تحت البقرة يتمسح ببولها وبروثها. وربما يكون من أكبر طباع العالم: جاهل، وشرك، واعتقادات. فإذا علمت حوالها، وعلمت ما من الله جل وعلا به عليك من الدين، ومن الاستقامة، ومن الطاعة. تذوق حلاوة الإيمان. ورضي الله تعالى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية». إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. هذه مشكلة، الذي لا يعرف الجاهلية نشأ فيها نعم. فمشكلة هذا خطر على أن يعرف الجاهلية ليعرف عظم الإسلام. ولذلك كذلك الذي لا يعرف ما عاش أيام الشيوعية، لا يعرف قدر ما من الله جل وعلا به عليه بالنعمة. فربما ينادي بزمن نصر الله العافية والسلامة قد ذاقه ناس، وتجرعوا مرارته. لكن نسأل الله العافية ما يعرف. فالإنسان لا تأخذه العواطف، وإنما يقارن يقارن بإنصاف، وينظر، ويأخذ بأخف الأمرين. وإن كان كله مر ما كان. والآن مر، لكن اصبر على المر لهو. اصبر على المر لهو تجرع مرارة الشيء الذي هو مرارته أقل. فهكذا بارك الله فيكم. حلاوة الإيمان إنما تنال وتذاق بطاعة الله ورسوله، ومعرفة الجاهلية والظلام. وكما قال: عرفت الشر لا للشر، ولكن لتوقيه. فإن من لا يعرف الشر يقع فيه. وكان حديث: يسأل نبي سلم عن كان الناس يقول: كان الناس يسألون رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في مسلم: الحديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا». إذا رضيت بالله ربا حقا. وهذا لازمه أن تكون مستسلما لأمر الله جل وعلا، ولأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. كيف ترضى بالله ربا، ثم بعد ذلك لا تريد حكم القصاص من الذي شرع القصاص؟ قطع يد السارق، ورجم الزان المحصن، وجلد غير المحصن. رب العالمين جل وعلا. رضيت به ربا. إذا رضيت به ربا فارض بحكمه. كثير من الناس إذا قلت: ترضى بالله ربا؟ قال: كيف ما أرضى بالله ربا؟ نقول: أنت سرقت، فحكمك أن تقطع يدك. تردد وتراجع. ما يصلح الآن هذا. ما هو وقته؟ سبحانه الله. كيف كيف رضيت بالله ربا، وما رضيت بحكمه؟ وآخر كذلك ربما يكتب في هذه الجرائد، وغير ذلك. ويتنطع. تحرير المرأة، تحرير المرأة. أي مرأة هذه تريدنا تحريرها؟ وتحريرها من ماذا؟ أولا هذه المرأة تحرر من ماذا؟ هي ماذا؟ يعني مطهدة. ما هو الاضطهاد التي هي واقعة فيه حتى تحرر؟ مسكينة مطهدة تحت هذا الغشاء الأسود الذي لا ترى النور بسببه. لا أبدا ترى النور. سبحانه الله. ومن الذي حكم عليها بالغشاء الأسود؟ من الذي حكم به؟ الذي رضيت به ربا. فلابد أن تنقاد لحكمه، وتخضع. لا تقول: تحرير المرأة. لا تحرير المرأة. تجلس عند الموظف في الكرسي في العمل سكرتيرة. نعم، تدخل وتخرج. أتقدم أي تقدم هذا؟ هذا تخلف. وهذه جاهلية. نعم، ليس هذا بالتقدم. التقدم في شرع رب العالمين، وفي دين الله. هؤلاء الدعاة إلى هذه المصائب، والبلاوي التي هي منتشرة في أوصافها للإسلام. ما رضوا بالله ربا حقا. والله لو رضوا بالله ربا حقا لما نادوا بهذه النداءات الجاهلية التي ينادون بها. من تحرير المرأة، ومن كذا، ومن حقوق المرأة، ومن ومن ومن. ومساواة الرجل بالمرأة. سبحانه الله. كيف مساواة الرجل بالمرأة؟ الرجل له حظ الأنثيين. كيف سوى المرأة بالرجل؟ تجعل المرأة والرجل سواء. وليس الذكر وكل أنثى يقول رب العالمين: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾. وتقول: الذكر والأنثى سواء. رضيت بالله ربا، ورب العالمين يقول: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾. وتقول: لا، الذكر والأنثى سواء. ليس وليس الذكر ككل أنثى. إذا نعلم يا عبد الله، يا من رضيت بالله ربا: ليس الذكر والأنثى. فلا تدعي لهذه الأدعية، والنداءات الجاهلية. نذكر القسمين الآخرين من الفناء: وهو الصوفي البدعي، والحادي الكفري في درسنا اللاحق إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم، وبركاته، وعلى آله وصحبه أجمعين.