الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 20، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستهل المتحدث الدرس بالحمد لله والثناء عليه، مشهداً بأنه الحق المطلق. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
يستعرض الدرس معتقد غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية الذين ينفون الأسماء والصفات ويثبتون الباطن للشرائع. ويبين كفر هذه الفرق وإلحادها بتعطيل أوامر الله وتأويلها تأويلات باطنية، مع الإشارة إلى تأثر غلاة الصوفية بهذا المسلك.
يوضح المقطع أن الباطنية يصفون الله بأنه موجود مطلق بشرط الإطلاق مسلوب الصفات، مما يجعل وجوده ذهنياً لا واقعياً. ثم يرد على حجة المعتزلة القائلة بالمجاز في صفات الله مبيناً بطلانها بالأمثلة اللغوية.
يناقش الدرس بطلان القول بالمجاز في اللغة العربية والقرآن مستدلاً باختلاف القائلين واضطراب تعريفاتهم. وينقل عن ابن تيمية وابن القيم رد المجاز ووصفه بالطاغوت، مستنتجاً أن كل كلام العرب والقرآن حقيقة يُفهم من سياق التركيب.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "تقريب التدمرية": قال رحمه الله تعالى: "فصل: الطائفة الثالثة: غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية ومن تبعهم. وطريقتهم أنهم ينكرون الأسماء والصفات، ولا يصفون الله تعالى إلا بالنفي المجرد عن الإثبات، ويقولون: إن الله هو الموجود المطلق بشرط الإطلاق، فلا يقال: هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير، وإنما هذه أسماء لمخلوقاته أو مجاز؛ لأن إثبات ذلك يستلزم تشبيهه بالموجود الحي العليم القدير. ويقولون: إن الصفة عين الموصوف، وإن كل صفة عين الصفة الأخرى، فلا فرق بين العلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك. وشبهتهم أنهم اعتقدوا أن إثبات الأسماء والصفات يستلزم... [نص غير واضح في الأصل: صوب يستلزم من عنده هذه النسخة مثل هذه النسخة يصوب يستلزم بتقديم التاع على اللام يستلزم صدق المشتقي لأن صدق المشتقي يستلزم صدق المشتقي منه وذلك يقتضي قيام الصفات به وهو تشبيه]... وأما في الصفات فقالوا: إن إثبات صفات متغايرة للموصوف يستلزم التعدد، وأيضا... [نص غير واضح: صوب هنا صوب يستلزم تقديم التاع على اللام يستلزم التعدد وهو تركيب ممتنع مناقض للتوحيد]". ثم ذكر رحمه الله تعالى الرد على هذه الفرقة من وجوه عدة سيأتي ذكرها. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل من الزائغين عن سبيل الأنبياء وأتباع الأنبياء في باب الأسماء والصفات هذه الفرق التي ذكرها رحمه الله، منها: غلاة الجهمية. تقدم معنا الجهمية وأنهم أتباع جهم بن صفوان، والجهمية فرق: منهم غلاة، ومنهم غير غلاة. فإذا قيل: غلاة الجهمية، فالمراد بهم الذين ينكرون الأسماء والصفات، الذين ينكرون الأسماء والصفات فهم الغلاة في الجهمية. لأن المعتدل كذلك يطلق عليهم جهمية، لأن المعتدل يطلق كذلك عليهم جهمية لنفيهم الصفات، لنفيهم الصفات، ولأن منهم كذلك من نفى الأسماء. ولأن من المعتدل كذلك من نفى الأسماء مع نفيه للصفات. وهذه يطلق عليها بعض العلم... [نص غير واضح: على شاعر على شاعر جهمية تلقون على الأشاعر جهمية]... لأنهم أيضا في هذا الباب على ما عليه الجهمية من التعطيل، من التعطيل لصفات الرب جل وعلا. قال رحمه الله: والقرامطة. والقرامطة هم أتباع حمدان بن قرمط، حمدان بن قرمط بن الأشعث. وهذه الفرقة ظاهرها التشيع لآل البيت، فرقة القرامطة ظاهرها التشيع لآل البيت، يعني الغلو في آل البيت، وحقيقتها الإلحاد والشيعية والإباحية. حقيقة هذه الفرقة تتظاهر بتشيع لآل البيت وهي في حقيقتها أنها طائفة ملحدة، نعم، وشيعية وإباحية. وهكذا يدعون أنهم ينتسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. والقرامطة فرقة من فرق الباطنية، القرامطة فرقة من فرق الباطنية، والباطنية يدخل فيهم القرامطة، ويدخل فيهم النصيرية والإسماعيلية والدروز. هذه الفرق فرق باطنية: قرامطة، والدروز، والنصيرية، والإسماعيلية، كل هذه الفرق فرق باطنية. وسميت باطنية لأنها تجعل لنصوص الشرع ظاهرا وباطنا، تجعل لنصوص الشرع ظاهرا وباطنا. ظاهرا هو لعوام الناس، وهو الظاهر هذا الذي يفهم، الظاهر الذي يفهم من النصوص في كتاب الله جل وعلا من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك من هذه الأوامر. فظاهر هذه النصوص نعم هو لعوام الناس، وأن لهذه النصوص باطنا، لهذه النصوص معنى باطنا لا يفهمه كل أحد، لا يفهمه كل أحد إلا هم، زعموا أنهم هم أهل الباطن، هم أهل الباطن، هم الذين يفهمون معاني هذه النصوص الباطنة، فغيرهم إنما يفهم من هذه النصوص المعاني الظاهرة، فسموا باطنية. وهذه الفرق التي ذكرها المؤلف فرق كافرة، فرق كافرة، كفرها أهل الإسلام وأجمع على كفرها، وكانوا غلاة الجهمية أو الباطنية بشتى فرقهم فهم كفار، ما بقوا على ملة الإسلام لأنهم تزندقوا فيما ذهبوا إليه، واعتقدوا اعتقادات كفرية، وعطلوا الشرع عن حقيقته، وأوامر رب جل وعلا عن حقيقتها. فمثلا نحن نعلم من أمره جل وعلا بالصلاة: "وأقيموا الصلاة"، نعلم هذا المعنى ونفهم المعنى أن نقيم الصلاة ونصلي لله سبحانه وتعالى الصلاة التي بينها النبي عليه الصلاة والسلام، والتي بينها جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي عليه الصلاة والسلام. هذا نفهمه من معنى قوله: "وأقيموا الصلاة". وهكذا نفهم من قوله جل وعلا: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، ومن قوله جل وعلا: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". الصيام الشرعي هذا المفهوم: الإمساك عن الطعام والشراب، نعم، والجماع، وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ونفهم كذلك من الأمر بالحج: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، الذهاب وقصد البيت الحرام، أداء تلك المناسك في تلك المواضع التي بينها النبي عليه الصلاة والسلام: "خذوا عني مناسككم". لكن انظروا إلى أهل الباطل، إلى أهل الباطن، هؤلاء أهل الباطن الذين يقولون هم الذين يفهمون هذه المعاني الباطلة. فما معنى عندهم إقامة الصلاة في نصوص الشرع؟ عندهم معنى الأمر بالصلاة هو معرفة أسرارهم، معرفة أسرارهم التي هم عليها، وهي الأسرار الباطنية. فمعرفة أسرار هؤلاء هذا هو معنى الأمر بإقامة الصلاة عندهم في كتاب الله جل وعلا. وعندهم كذلك الأمر بالصيام هو كتمان أسرارهم، كتمان أسرارهم هو معنى الأمر بالصيام. الأمر بالحج عندهم السفر إلى شيوخهم، السفر إلى شيوخهم أهل الباطن، نعم. كفر وإلحاد وزندقة، كفر وإلحاد وزندقة. وقد تأثر بهذا المسلك الباطني غلات أهل التصوف، غلات أهل التصوف تأثروا بأهل الباطن في هذا، حيث زعموا أن للنصوص ظاهرا وباطنا، والنصوص الظاهرة لعوام الناس، والنصوص الباطنة التي لا يفهمها إلا من وفق لذلك بزعمهم. وربما يستدلون بما جاء في قصة الخضر حين خرق السفينة، والحقيقة أنه إنما لغير ذلك، وقتل الغلام، والأمر إنما هو لمصلحة، نعم، وهكذا وقام الجدار... [النص الأصلي: الجدار الغلامي]... الجدار، الغلام، وغير ذلك. فهؤلاء أهل التصوف وصل بهم الأمر إلى هذا الحد، ربما أوصل بعضهم كما أوصل ابن عربي إلى أنه ينكر على موسى، ينكر على موسى ما ينكر على موسى حين أنكر على فرعون، حين أنكر على فرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى". فماذا قال ابن عربي؟ قال: موسى لم يعرف الحقيقة التي دعا إليها فرعون. حقيقة ماذا؟ الباطنية، نعم. موسى لم يعرف الحقيقة التي دعا إليها فرعون، سبحان الله، وقال: "أنا ربكم الأعلى". وهكذا كذلك هذا الباطن الذي أوصل غلاة التصوف، والعياذ بالله، إلى فعل الفواحش، على فعل الفواحش، وأن هذا وإن كان ظاهره للناس أنه فعل فاحشة لكن حقيقة ذلك أمر باطن لا يعلمه إلا من علمه. فربما يركبون الدواب في قوارع الطريق، يركب الدابة في قارعة الطريق أمام الناس، لا حيا من رب العالمين ولا حيا من الناس. لماذا؟ لأنه يفعل ذلك على اعتقاد أنه ما يفعل فاحشة، وإن رأى الناس أنه يفعل الفاحشة. يركب الدابة ويفعل، وهو ليس الأمر كذلك، هذا الأمر الظاهر إنما الأمر أمر باطن، ما هو؟ يرقع سفينة، يرقع سفينة في البحر، نعم، أو كذلك يسد ثغرة في الجهات في سبيل الله، المسلمون هناك وقعوا في ورطة وفي ثغرة يحتاجون من يسد هذه الثغرة، فكيف تسد هذه الثغرة؟ بركوب الدابة، يركب الدابة ويفعل بها، هذا باطن عندهم. بل ربما وصل بهم الأمر كما في "المشرع الروي" أن أحدهم يأكل، ربما يعني، خراء شيخه، خراء، عن المخلفات، الغائط، يأتي ويأكله. ظاهره أنه يأكل ماذا؟ غائطا. لا، هذا الظاهر، لكن في الحقيقة يأكل باطنا ما هو؟ العسل، نعم، نعم. لأنه لما أنكر عليه كما في "المشرع الروي": ظاهر يأكل الخراء، قال له: "ويحك ماذا تفعل؟ ماذا تفعل؟" قال: "والله وجدته عسلا، وجدته عسلا". سبحان الله، الظاهر خراء والباطن ماذا؟ الباطن عسل، نعم. هذا هو الباطن عند هؤلاء، سبحان الله. فعل الفواحش، وكذلك، نسأل الله العافية، أكل الغائط، غير ذلك، وكل ذلك بماذا؟ بدعوة الباطن. فهذه الفرق فرق مارقة، نعم. وأهل التصوف تأثروا بالباطنية في هذا الباب. فالمؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى هذه الفرق في هذا الفصل، نعم، وأنهم ضلوا في باب الأسماء والصفات، فعطلوا الله جل وعلا عن أسمائه وصفاته. هم غلاة الجهمية والقرامطة الذين هم فرق من فرق الباطنية، وأحد الباطنية بشتى فرقهم من النصيرية والدروز والإسماعيلية. قال رحمه الله تعالى: "وطريقتهم أنهم ينكرون الأسماء والصفات، ولا يصفون الله تعالى إلا بالنفي المجرد عن الإثبات، ويقولون: إن الله هو الموجود المطلق بشرط الإطلاق". يقولون: الله جل وعلا موجود بشرط الإطلاق، موجود وجود مطلق، موجود وجود مطلق. ما معنى موجود وجود مطلق؟ يعني موجود وجود مسلوب عن الصفات، موجود وجود مسلوب عن الصفات، فلا يوصف بوصف، حتى صفة الوجود، فيقال: موجود بشرط الإطلاق، موجود وجود مطلق، مسلوب عن أي وصف، مسلوب عن أي وصف ثبوتي يثبت له جل وعلا. هكذا زعموا. وهذا كما سيأتي إنما هو شيء موجود في الذهن، شيء موجود في الذهن لا حقيقة له في الواقع، لا حقيقة له في الواقع. لا حقيقة لشيء موجود في الواقع لا وصف له، ولا وصف الوجود. هل يتخيل أحد أن شيئا موجودا في الواقع يقال له: شيء، يقال له: شيء، وهو موجود مسلوب عن أي وصف، حتى وصف الوجود؟ هذا لا يمكن أن يكون شيئا في الواقع. في الذهن، نعم، ربما يفرض الذهن ذلك ويوافق على وجود شيء، نعم، موجود مسلوب عن أي وصف ثبوتي. لكن في الواقع هذا لا يمكن ومستحيل. فهم إذن شبهوا الله سبحانه... فهم هنا جعلوا الله سبحانه وتعالى ماذا؟ شيئا موجودا في الذهن، شيئا موجودا في الذهن فقط، لا حقيقة له في الواقع. وهذا تعطيل وإلحاد، تعطيل وإلحاد في حق رب العالمين جل وعلا، لأنه وجود لا حقيقة له، نعم، كأنهم قالوا: ما في رب موجود. كأنهم قالوا: ما في رب موجود. إذا كان هذا الرب الموجود نعم إنما هو في الذهن فقط، متخيل في الذهن، لا حقيقة له في الواقع، غير موصوف بأوصاف، ولا بوصف الوجود، نعم، وأنهم وجود... إذن ما فائدة ذلك الإثبات الذي أثبته؟ اللهم وجود وجودا ماذا؟ مطلقا، مشروطا نعم بسلب كل وصف عنه، حتى وصف الوجود. فهذا باطل لا حقيقة له في الواقع، وإنما هو أمر ذهني، كما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: "ويقولون: إن الله هو الموجود المطلق بشرط الإطلاق، فلا يقال: هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير". يعني لا يثبتون شيئا لله عز وجل، لا وجودا، فلا يقال في حق الله جل وعلا إنه موجود، ولا يقال إنه حي، ولا يقال إنه عليم، ولا يقال له قدير. طيب، هذه الأسماء التي سمى الله جل وعلا بها، سمى الله جل وعلا بها نفسه، سمى نفسه بأنه العليم، سمى نفسه بأنه الحي، سمى نفسه بأنه القدير، العزيز، الحكيم، الرحيم، الخبير، إلى آخر الأسماء. قالوا: هذه أسماء لمخلوقاته، ليست له جل وعلا. هذه الأسماء ليست لله التي المذكورة في القرآن، فهذه أسماء من؟ قالوا: أسماء لمخلوقاته، نعم. كيف تسمى الله جل وعلا بها؟ تسمى بها مجازا، تسمى بها مجازا، نعم، وإلا فالحقيقة وفي الحقيقة أنها ماذا؟ أسماء لمخلوقاته، وليست له. وانظروا هنا كيف صار المجاز نعم سببا لتعطيل صفات رب العالمين جل وعلا، وتعطيل أسماء الله جل وعلا. والقول بالمجاز قول باطل، وقول محدث، لم يكن معروفا عند الصحابة، ولا عند التابعين، وإنما ظهر في أواخر القرن الثاني في عهد أتباع التابعين، حين ظهر المعتزلة. فالمعتزلة هم الذين قالوا بالمجاز، حين احتج عليهم السلف، حين احتج عليهم السلف في نفيهم لصفات الرب سبحانه وتعالى، نعم. قالوا: كيف؟ قالوا: كيف تنفون هذه الصفات ولا تثبتونها وهي في كتاب الله جل وعلا؟ أثبتها الله جل وعلا نفسه، وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام. قالوا: هذه... فأتوا بالقول بالمجاز، فقالوا: هذه الصفات تسمى الله جل وعلا بها مجازا، مجازا لا حقيقة. قلنا: كيف؟ قالوا: نعم، مثل الأسد، مثل الأسد، يقال: زيد أسد، زيد أسد، وعمر جبل، وابن عباس بحر، نعم، وفلان جمل، نعم. وهل معنى أن زيد أسد حقيقة حيوان مفترس، وأن ابن عباس بحرا هذا البحر المعروف، وعمر جبل هل هو جبل هذا الجبل المعروف، وفلان جمل هل هو هذا الجمل؟ يعني المراد أنه قوي في الصبر، قوي في صبره، وذلك قوي في شدته، فقيل عنه: عمر جبل، وابن عباس بحر، لكثرة علمه، نعم، وهكذا، وزيد أسد لشجاعته. وإلا فهذا زيد، وهذا عمر، وهذا خالد، وهذا ابن عباس. لكن أطلقت عليهم هذه الألفاظ من باب المجاز، وليست حقيقة. قلنا: كيف؟ قالوا: أهل اللغة، أول وضع للغة العرب، الذين وضعوا لغة العرب، نعم، فأول ما وضعوا في لغة العرب هذا اللفظ وهو الأسد، نعم، للحيوان المفترس، للحيوان المفترس، والجمل لهذا الجمل الحيوان، والجبل لهذا الجبل المعروف، والبحر لهذا البحر المعروف، نعم، في حقيقة وضع اللغة في أولها. ثم بعد ذلك استقدمت هذه الألفاظ ونقلت من الحقيقة هذه الحقيقة إلى المجاز، فأطلق الأسد على الرجل الشجاع، وأطلق الجبل على الرجل الشديد، وأطلق كذلك الجمل على الرجل الصبور، وأطلق البحر على الرجل الكثير العلم، وهكذا. هكذا قالوا. وهنا يرد عليهم فيقال: ما هو دليلكم؟ نريد الدليل على أن أهل اللغة حين بدأوا في وضع اللغة، نعم، جعلوا لفظ الأسد للحيوان المفترس، والجمل للجمل، والبحر للبحر، والجبل للجبل. هاتوا الدليل. ما يستطيعون أن يأتوا بدليل، ما يستطيعون أن يأتوا بدليل صحيح ثابت أن اللغة حين وضعوا هذه الألفاظ اللغوية جعلوها على هذا النحو الذي ذكروا. ثانيا: نقول لهم: ما هي الحقيقة وما هو المجاز؟ ما هي الحقيقة وما هو المجاز؟ أهل الحقيقة والمجاز هؤلاء الذين قالوا بالمجاز اختلفت أقوالهم واضطربت أقوالهم في تعريف الحقيقة وفي تعريف المجاز. طيب، نجد عند بعض القائلين بالمجاز قولا كذا وآخر كذا. نقول لهم: نأخذ بقول من؟ ما هو الصحيح من أقوالكم؟ ما هو الصحيح من أقوالكم؟ قالوا: إن شئت تأخذ قول هذا، وإن شئت تأخذ قول هذا، وإن شئت تأخذ قول هذا. ونحن نقول لهم: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. فهذا يدل على بطلان المجاز، القول بالمجاز، أن أصحابه اختلفوا في تعريفه واضطربوا فيه، لا يستقيم لهم تعريف، لا يستقيم لهم تعريف. كذلك نقول لهم: نقول لهم، وما هو دليلكم على... [نص غير واضح: كما شاري لهذه يعني الطرفة وهذه يعني الخطر الطيبة]... قالوا: ما هو دليلكم على أن أهل اللغة حين وضعوا هذه اللغة في بداية وضعها جعل لفظة الأسد الحيوان المفترس؟ فإن أهل اللغة، ومنبع أهل اللغة في الحجاز وفي نجد، في بلاد نجد، منبع لغة العرب من نجد، ولا يعرف أهل نجد الأسود، ولا يعرف أهل نجد الأسود، ما كانت الأسود إلا في بلاد الشام وفي جهة اليمن، وأما في بلاد نجد ما كان يعرفون الأسود، ما كان يعرفون الأسود، ولا يشاهدون الأسود. وهذا أيضا يرد به على قولهم. كذلك يظن... نقول لهم: ما هو المجاز؟ يقولون: المجاز هو اللفظ الذي استعمل في غير ما وضع له، اللفظ الذي استعمل في غير ما وضع له. فإذا استعمل اللفظ في غير ما وضع له فهو مجاز، مثل استعمال الأسد للرجل الشجاع. قالوا: هنا استعمل لفظ الأسد في غير ما وضع له، لأنه وضع للحيوان المفترس. فإذا إذا جعل لزيد، نعم، فهو مجاز. فإذا قيل: زيد أسد، نعم، فهو مجاز. وهكذا في زيد جبل، وزيد بحر، وزيد جمل، لأن هذه الألفاظ الآن استعملت في غير ما وضعت له، نعم، وإن وضعت لتلك الأمور: الأسد، والجبل، والجمل، والبحر. طيب، وقالوا: الأصل في اللفظ الحقيقة، أن يحمل على حقيقته، ولا يصرف إلى المجاز إلا بقرينة، لا يصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة تدل على أن المراد المجاز للحقيقة. فمثلا إذا قلت: زيد أسد، خلاص مجاز، لماذا؟ لوجود القرينة. ما هي القرينة؟ وجود زيد. ما دمنا قلت: زيد أسد، إلا هذه قرينة تدل على أن لفظ الأسد هنا لا يراد به الحيوان المفترس، وإنما الرجل الشجاع، بقرينة وجود زيد. وإذا قلت: عمر جبل، مجاز. إذا قلت: خالد بحر، مجاز. وهكذا. إذا قلت مثلا: رأيت أسد يرمي، مجاز. ما هي القرينة؟ وجود الرمي. قال: الأسد ما يرمي. إذا رأيت أسد يرمي، يقولون: مجاز. نعم، رأيت أسدا يخطب، نعم، رأيت أسدا يخطب، خلاص مجاز، الأسد ما يخطب، المراد به رجل شجاع يخطب، خطيب شجاع، نعم. وهكذا: رأيت جملا يجاهد، رأيت جملا يجاهد، يعني رجلا قويا شديدا يجاهد، يعني هذا مجاز، لوجود هذه القرائن الدالة على أن المراد هنا باللفظ ماذا؟ المجاز، وليس ماذا؟ وليس الحقيقة. نعم، نقول: هذا أيضا يرد، وهو باطل. فربما يستعمل اللفظ الذي هو في الحقيقة حقيقة، نعم، لا مجاز، وهو مجاز على حد قولهم، والحقيقة أنه ما هو مجاز. مثلا: قد رأيت أسدا على المنبر، رأيت أسدا على المنبر، لا شك هم يقولون: هذا مجاز، هذا مجاز، لماذا؟ لأن عندهم الأسد ما يصعد المنبر. مع أن هذا الكلام حقيقة على قولهم، لماذا؟ لأنك مثلا دخلت حديقة الحيوانات، رأيت أسدا على ما يسمى بالسرك، هذا الذي يقال له السرك، أو على مكان مرتفع كالمسرح، وهو قاعد عليه، قلت: رأيت أسدا على المنبر. هذا كلام حقيقة، ما هو مجاز. لكنهم لا، عندهم مجاز، لوجود قرينة ماذا؟ وجود المنبر. فلا يستقيم كلامهم، لا يستقيم ماذا؟ كلامهم. وهكذا مثلا لو قلت مثلا وأنت في مسجد، الآن نحن الآن في المسجد، يقال شخص: رأيت أسدا، رأيت أسدا، وهو جالس في المسجد، نعم، قال: رأيت أسدا. عندهم هذا ماذا؟ حقيقة. عندهم هذا حقيقة، لماذا؟ لعدم وجود قرينة، لعدم وجود قرينة صارف له من الحقيقة إلى المجاز. مع أنه في هذا الحال ماذا؟ القرينة موجودة، وهي القرينة الحالية، قرينة الحال، قرينة الحال. فإذا هذا حقيقة، فهذا إذن ماذا؟ عندهم، عندهم حقيقة، والحق على قولهم أن هذا مجاز، أصلا، نعم. والحق أن هذا مجاز، أصلا، لماذا؟ لعدم وجود القرينة، لعدم وجود القرينة، واضح. فإذا هذا قولهم باطل، قولهم باطل ومردود. والقول بالمجاز طاغوت، كما قال ابن قيم: المجاز طاغوت. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام تيمي قد رد ذلك، وغيرهم من أهل العلم. أما ما جاء في بعض نقولات السلف، كالإمام أحمد رحمه الله تعالى، أخذ منه القول أنه قال: هذا من مجاز اللغة، هذا من مجاز اللغة، بالضم لا بالفتح، هذا من مجاز اللغة. أخذ بعض القائلين بالمجاز هذا القول، وقال: إمام أحمد يقول بالمجاز، نعم. فحرفوا اللفظ، وقالوا: قال ماذا؟ هذا من مجاز، ما قال: من مجاز، قال: من مجاز اللغة. مما يبين هذا أنه جاء في لفظ آخر قال: هذا جائز في اللغة، جائز في اللغة، أي في لغة العرب استقدام واستعمال هذه الألفاظ. فإذا لا حقيقة ولا مجاز، كل الكلام في لغة العرب، في القرآن، كل حقيقة، كل حقيقة، وليس فيه مجاز. لكن الكلام يفهم من خلال تركيب الكلام، لا من خلال كل كلمة لوحدها، لا، وإنما يفهم من كل تركيب الكلام، من السياق، ومن السياق. في قول إخوة يوسف، نعم، لأبيهم: "واسأل القرية"، نعم. عند أهل المجاز هذا مجاز، بدليل وجود القرينة، وهي القرية التي لا تصلح للسؤال، فإذا هو مجاز. وهو حقيقة، لا يفهم العربي، لا يفهم العربي من هذا القول، ولا يتبادر إلى ذهنه في قول إخوة يوسف لأبيهم: "واسأل القرية"، أن يذهب ويسأل جدران القرية وحيطان القرية، أبدا، لا يفهم هذا. القرية، مجرد من يسمع هذا التركيب ويسمع هذا اللفظ المركب بهذا التركيب، سياق هذا الكلام، فإنه يفهم من ذلك أن المراد سؤال أهل القرية، لماذا؟ لأن القرية لفظ القرية يطلق على المساكن، ويطلق على الأهل، يطلق على المساكن، يطلق على الأهل. قال جل وعلا: "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة"، هل مراد الجدران؟ لا، المراد الأهل. إذن في لغة العرب لفظ القرية يطلق على الأهل، ويطلق على السكان. طيب، كيف نعرف أن المراد هنا في السياق الأهل، وكيف نعرف أن هنا في السياق المراد به الجدران؟ من خلال سياق الكلام وسياق الكلام، من خلال سياق الكلام وسياق الكلام، تعرف أن المراد هنا بلفظ القرية السكان أم المساكن. وهذا في لغة العرب. سيأتي مزيد توضيح في هذا إن شاء الله في الدرس. الله حق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.