الدرس في قبس من السيرة النبوية 1، الفوائد التي يستفيدها المسلم في دراسته لعلم السيرة النبوية. ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الدرس بالتأكيد على أهمية دراسة السيرة النبوية ودورها في فهم الدين والدنيا، مشيرًا إلى اهتمام السلف بها وتعليمها لأبنائهم. يُبين أن السيرة ليست للتسلية بل هي منهاج للأمة.
يُشدد على أن دراسة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم جزء أساسي من العلوم الشرعية وليست من الفضول، ويُذكر اهتمام العلماء بتدوين كتب السيرة وجعلها جزءًا من كتب العقيدة.
يُوضح أن دراسة السيرة النبوية لها فوائد عديدة منها الاقتداء بالنبي والتأسي به، وهي دليل على معجزته ونبوته، وتدل على قدرة الله في تغيير المجتمعات.
يدعو المتحدث إلى تخصيص وقت لدراسة سيرة النبي في مناسبات معينة ويطلب من الله أن ينفعهم بما يتعلمون، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَاسْتِئْنَافًا لِلدُّرُوسِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، وَخَاصَّةً بَعْدَمَا انْتَهَيْنَا مِنْ مَبْحَثِ الْخَطِّ التَّارِيخِيِّ، نَدْخُلُ إلَى مَبْحَثٍ آخَرَ، وَهِيَ مِنْ الْمَبَاحِثِ الْمُهِمَّةِ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي سِيرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ وَالتَّتَبُّعِ لِأَهَمِّ الْحَوَادِثِ وَالْأَحْدَاثِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي أَيَّامِهِ وَفِي حَيَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَعَ اسْتِخْلَاصِ الْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ وَالْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، وَذَلِكَ بِشَكْلٍ مُوجَزٍ وَمُبَسَّطٍ وَمُيَسَّرٍ إلَّا مَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ مِنْ التَّفْصِيلِ لِلْحَاجَةِ، فَهَذَا قَلِيلٌ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ نَبَأَ عَلَيْهِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالشُّرُوعِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالنَّظَرَ فِي سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلتَّسْلِيَةِ أَوْ لِتَمْرِيرِ الْوَقْتِ، أَوْ اعْتِبَارِ السِّيرَةِ بِأَنَّهَا مَاضِيَةٌ قَدْ مَضَتْ وَانْقَضَتْ وَمَضَى عَلَيْهَا الزَّمَانُ وَانْقَضَى، أَوْ مَا عَلَيْهِ الْكَثِيرُ مِنْ الْعَامَّةِ حَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّ السِّيرَةَ إنَّمَا تُذْكَرُ فِي الْاحْتِفَالَاتِ وَالْمُنَاسَبَاتِ مِنْ بَابِ التَّبَرُّكِ، لَا لِهَذَا وَلَا لِذَاكَ، وَإِنَّمَا السِّيرَةُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مَنْهَاجٌ وَنَبْرَاسٌ لِلْأُمَّةِ جَمِيعًا، عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا فِي السُّنَّةِ أَوْ يَنْظُرُوا فِي السِّيرَةِ وَيَقْبَلُوا عَلَيْهَا الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ. وَكَانَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَهْتَمُّونَ بِأَمْرِ السِّيرَةِ وَالْمَغَازِيَ اهْتِمَامًا عَظِيمًا وَاهْتِمَامًا بَالِغًا، يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «كَانُوا يُعَلِّمُونَ الْمَغَازِيَ كَمَا يُعَلِّمُونَ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ مُنْذُ الصِّغَرِ وَهُمْ يُرَبُّونَهُمْ وَيُعَلِّمُونَهُمْ هَذَا الْفَنَّ الْعَظِيمَ أَلَا وَهُوَ فَنُّ السِّيرَةِ وَالْمَغَازِيِ حَيْثُ يُتَرَبَّى النَّاشِئَةُ فِيهِ». وَيَقُولُ كَذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي الْوَقَّاصِ: «كَانَ أَبِي يُعَلِّمُنَا السِّيرَةَ يُعَلِّمُنَا الْمَغَازِيَ وَيَقُولُ: هَذِهِ مَآثِرُ آبَائِكُمْ فَلَا تُضَيِّعُوا ذِكْرَهَا، هَذِهِ مَآثِرُ آبَائِكُمْ فَلَا تُضَيِّعُوا ذِكْرَهَا». فَكَانَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يُرَبُّونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُرَبُّونَ أَبْنَاءَهُمْ وَأَهْلِيَهُمْ عَلَى هَذَا الْبَابِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ أَثَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «فِي عِلْمِ الْمَغَازِي عِلْمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، فِي عِلْمِ الْمَغَازِي عِلْمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهُوَ عِلْمٌ عَظِيمٌ. وَسَيَأْتِي مَعَنَا كَيْفَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَسْتَنْبِطُونَ الْأَحْكَامَ وَالْمَسَائِلَ سَوَاءً كَانَتْ فِي الْمُعَامَلَاتِ أَوْ فِي الْعِبَادَاتِ، بَلْ حَتَّى فِي الْعَقَائِدِ وَالْمَنْهَجِ، تُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَهُوَ فِيهِ عِلْمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَلِهَذَا يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «فَهَذَا الْفَنُّ أَيْ فَنُّ الْمَغَازِي وَالسِّيرَةِ، يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِأَمْرِهِ وَالتَّهَيُّؤُ لَهُ، فَهُوَ فَنٌّ جَلِيلٌ». وَلِعِظَمِ هَذَا الْفَنِّ فَقَدْ انْشَغَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالِانْكِبَابِ عَلَيْهِ بِالتَّدْوِينِ وَالتَّصْنِيفِ وَالتَّأْلِيفِ وَالْكِتَابَةِ فِيهِ. وَلَا تَذْكُرُونَ فِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ كَانَ الْكَلَامُ عَنْ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَبَاحِثٍ عَامَّةٍ فِي السِّيرَةِ، عَنْ مَصَادِرِهَا وَعَنْ الْكُتُبِ الَّتِي أُلِّفَتْ فِيهَا، كَيْفَ أَنَّ الْكِتَابَةَ فِي السِّيرَةِ كَانَتْ قَدِيمَةً، بَلْ ذُكِرَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدْرُسُ السِّيرَةَ وَالْمَغَازِيَ وَالْأَنْسَابَ، كَمَا أُثِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ أَبْنَاءُ الصَّحَابَةِ وَجَاءَ التَّابِعُونَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَلْفُوا وَدَوَّنُوا وَكَتَبُوا فِي السِّيرَةِ، كَأُذَيْنٍ مِنْ عُثْمَانَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَهَكَذَا إلَى زَمَانِنَا هَذَا. وَلِذَا الْعُلَمَاءُ يُؤَلِّفُونَ وَيَكْتُبُونَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ مِلْحِ الْعِلْمِ كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ الطَّلَبَةِ أَنَّهُ مِنْ الْمِلْحِ وَلَا مِنْ فُضُولِ الْعُلُومِ، لَا، بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ مِنْ الْعُلُومِ الْأَسَاسِيَّةِ، بَلْ بَلَغَ مِنْ اعْتِنَاءِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ السِّيرَةِ فِي بُطُونِ كُتُبِ الِاعْتِقَادِ، كَأَنَّ هَذَا الْإِمَامَ أَرَادَ أَنْ يُلْمِحَ وَيُلْهِمَ إلَى أَنَّ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ أَنْ تُعْرَفَ سِيرَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَمَا فَعَلَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ «الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ» أَوْ «الثَلَاثَةُ الْأُصُولُ» عَلَى الْأَصَحِّ، حَيْثُ ذَكَرَ الْأَصْلَ الثَّالِثَ «مَعْرِفَةَ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ» إلَى أَنْ قَالَ: «وَلَهُ مِنْ عُمْرِي ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا رَسُولًا، نَبِيًّا بِـ«اقْرَأْ» وَرَسُولًا بِـ«الْمُدَّثِّرِ»» إلَى آخِرِهِ، شَيْءٌ مِنْ سِيرَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِحَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَالذَّاتِيَةِ وَالدَّعَوِيَةِ، جَعَلَ هَذَا الْمِثْلَ مِنْ السِّيرَةِ جَعَلَهَا فِي الْعَقِيدَةِ، وَذَلِكَ إلْمَاحٌ مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْهِلَ سِيرَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلِهَذَا جَعَلَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْ الْجَفَاءِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تُعْرِضَ عَنْ سِيرَتِهِ، هَذَا جَفَاءٌ، كَحَالِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ لَوْ رُبَّمَا قَرَأَ وَمَا سَمِعَ شَيْئًا عَنْ سِيرَتِهِ، يَسْأَلُ عَنْ اسْمِهِ الثُّلَاثِيِّ، لَوْ رُبَّمَا تَلَعْثَمَ، فَضْلًا عَنْ أَزْوَاجِهِ وَعَنْ أَوْلَادِهِ وَعَنْ ذُرِّيَّاتِهِ، لَا يَفْهَمُ شَيْئًا وَلَا يَفْقَهُ شَيْئًا، وَهَذَا الَّذِي قَدْ تَبَلَّدَ حِسُّهُ فِي مَعْرِفَةِ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. إِنْ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ مِنْ الْكُفَّارِ السَّفِلَةِ، كَحَالِ بَعْضِ الْمُغَنِّينَ أَوْ بَعْضِ اللاعِبِينَ وَالْفَنَّانِينَ، لَرُبَّمَا أَجَابَ: هَذَا الْفَنَّانُ فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ وَلَهُ سِيرَةٌ سِيرَةٌ مَرْمُوقَةٌ فِي عَالَمِ الْفَنِّ، وَذَاكَ اللاعِبُ فُلَانِيٌ مَعْرُوفٌ كَذَا، كَانَ فِي نَادِي ذَاكَ الْأُورُوبِيِّ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الْمُنْتَخَبِ الْعَالَمِيِّ وَشَارَكَ فِي كَأْسِ الْعَالَمِ، وَيَسْتَفِيضُ فِي ذِكْرِ سِيرَةِ رَجُلٍ كَافِرٍ ضَالٍّ سَاقِطٍ فِي مُجْتَمَعِهِ، بَيْنَمَا فِي سِيرَةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَجْهَلُ ذَلِكَ، فَعَدَّ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذَا مِنْ الْجَفَاءِ، بَلْ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَصْدٌ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَلَوْ عَامَّةً بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَالذَّاتِيَةِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالتَّمَعُّنِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي السِّيرَةِ فِيهِ فَوَائِدُ، لِأَنَّ بَعْضًا قَدْ يَتَعَلَّمُ مَا الْفَائِدَةُ مَا الْفَائِدَةُ عِنْدَمَا نَدْرُسُ السِّيرَةَ أَوْ نَقْرَأُ فِي سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ ذَاكَ الْعُلَمَاءُ ذَكَرُوا عِدَّةَ فَوَائِدَ، قَالُوا مِنْ ذَلِكَ: الاقْتِدَاءُ بِهِ وَالتَّأَسِّي بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فَبِاللَّهِ عَلَيْكَ كَيْفَ سَتَأَسَّى بِهِ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ حَيَاتِهِ؟ كَيْفَ كَانَ فِيهِ تَعَامُلُهُ؟ كَيْفَ كَانَ فِيهِ بِدَايَةُ دَعْوَتِهِ فِي بِدَايَةِ بَعْثَتِهِ؟ كَيْفَ كَانَ تَعَامُلُهُ مَعَ الصَّدِيقِ؟ مَعَ الْعَدُوِّ؟ مَعَ الْقَرِيبِ؟ مَعَ الْبَعِيدِ؟ مَعَ الْمُلُوكِ؟ مَعَ الرَّعِيَّةِ؟ مَعَ كَافَّةِ الْمُجْتَمَعَاتِ؟ كَيْفَ تَعَامَلَ؟ فَكَيْفَ سَتَقْتَدِي بِهِ وَأَنْتَ تَجْهَلُ هَذِهِ الْأَحْوَالَ؟ مَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَأَسَّى بِهِ إلَّا إذَا تَعَرَّفْتَ عَلَى سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ. وَلِهَذَا رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا عِنْدَمَا ذَكَرَ قِصَصَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا وَرَسُولًا فِي كِتَابِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، رَبُّنَا ذَكَرَ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّنْ كَانُوا قَبْلَ، لِمَاذَا هَذِهِ الْقَصَصُ؟ قَالَ: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، تَقْتَدِي بِهَا أَوَّلًا، فَهَذِهِ الْعِبْرَةُ مِنْ السِّيرَةِ لَيْسَتْ قِرَاءَةً فَقَطْ، سَرْدًا لِحَكَايَاتٍ لَا، وَإِنَّمَا تَأَسِّيًا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَيْضًا فِي سِيرَتِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنْ فَوَائِدِ سِيرَتِهِ دَلَالَةٌ عَلَى مُعْجِزَتِهِ، دَلَالَةٌ عَلَى مُعْجِزَتِهِ وَعَلَمٍ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مُعْجِزَةٌ وَآيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، أَنَّكَ تَنْظُرُ فِي سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتَتَأَمَّلُ فِيهَا، يَقُولُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «فَهَذِهِ السِّيرَةُ الْعَظِيمَةُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْتَضِي تَصْدِيقَهُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُعْجِزَةً، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مُعْجِزَةٌ غَيْرُ سِيرَتِهِ لَكَفَى»، أَيْ كَفَى السِّيرَةُ مُعْجِزَةً، كَفَى السِّيرَةُ مُعْجِزَةً. تَتَأَمَّلُ فِي قِصَّةِ رَجُلٍ رَجُلٍ فَرْدٍ انْبَعَثَ مِنْ بَيْنِ أُمَّةٍ تُعْتَبَرُ مِنْ أَشَقِّ الْأُمَمِ فِي زَمَنِهَا، هُمْجٍ وَسِذَاجَةٍ وَقِلَّةِ عَقْلٍ وَدِينٍ بِلَا دِينٍ، إلْحَادٍ وَكُفْرٍ وَوُثْنِيَّةٍ، وَافْتَرَى عَلَيْهِمْ الْفَحْشُ وَالْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكَرُ، لَيْسَ عِنْدَهُمْ دِينٌ يَرْدَعُهُمْ وَلَا عُرْفٌ يَصُدُّهُمْ، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ حَالُهُمْ كَحَالِ أَهْلِ الْغَابَةِ، الْقَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ. فَيَبْعَثُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ فِي وَسَطِ هَذَا الْمُجْتَمَعِ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، خِلَالَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ لَا أَقُولُ مِئَاتٍ، عَشَرَاتِ السِّنِينَ يُبَدِّلُ هَذَا الْمُجْتَمَعَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ، بِمَا شَاءَ الْمَوْلَى جَلَ وَعَلَا، كَانَ بِالْأَمْسِ رُعَاةَ غَنَمٍ فَأَصْبَحُوا فِي الْغَدِ قَائِدَاتِ أُمَمٍ، وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ. وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الشُّعَرَاءِ: «أَتَطْلُبُونَ مِنْ الْمُخْتَارِ مُعْجِزَةً؟ يَكْفِيهِ شَعْبٌ مِنْ الْأَجْدَافِ أَحْيَاهُ، وَنَاسٌ مَوْتَى فِي صَحْرَاءَ قَاحِلَةٍ، لَكِنَّهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ أَحْيَاهُمْ وَجَعَلَهُمْ صَوْلَةً وَجَوْلَةً بِهَذَا الدِّينِ». كَيْفَ تَتَعَرَّفُ عَلَى هَذَا؟ بِالسِّيرَةِ، كَيْفَ رَبَاهُمْ أُولَئِكَ؟ وَكَيْفَ نَشَأَ هَذِهِ الْحَيَاةَ فِي قُلُوبِ هَذِهِ الْخَلَائِقِ؟ وَفَوَائِدُ كَثِيرَةٌ وَلَا أُطِيلُ عَلَيْكُمْ، فَوَائِدُ ذَاتُ شَأْنٍ. فَأَسْأَلُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنْ نَجْعَلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَكُونُ الدِّرَاسَةُ وَالْقِرَاءَةُ لِشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَأَسْلَمَ مَوْلَى جَلَ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.